ثمة ظاهرة أخذت تثير الانتباه لدى مختلف الفئات المجتمعية في جلّ المجتمعات العربية، بل هي أخذت تتحول إلى موضوع بحث علمي يتصدى له باحثون في العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خصوصاً، ناهيك عن نتائجها القوية، بل التي أصبحت مدمرة! نعني ظاهرة تفكك المؤسسات المجتمعية الوطنية بدرجة شبه حاسمة، وعودة كتل كبيرة من الناس إلى مرجعيات المجتمع الأهلي، ما قبل الوطني. فمع وضْع "الدولة الأمنية" يدها على المؤسسات الدولتية الوطنية- وفق واقع الحال في البلدان العربية المعْنية- بل نكاد نقول، مع "احتلال" هذه "الدولة" للمؤسسات المذكورة، أخذ الناس يفقدون ما كانوا يعودون إليه كمرجعيات لحل مشكلاتهم الاقتصادية والقضائية والتعليمية والصحية...إلخ. والحق، إن ما أطلقنا عليه مصطلح "دولة" هنا إنما هو صيغة أمنية ملفّقة عن الدولة المدنية الوطنية، التي أخذت بعض معالمها ومقوماتها الأولى تتجلّى مع دخول بلدان عربية مرحلة استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهر ذلك خصوصاً في العراق وسوريا وتونس. فمع استئصال السياسة والمجتمع السياسي وهيمنة الحزب الواحد، ومع ظهور نمط من الجيش "غير العسكري" وفرض مقولة "الحزب قائد الدولة والمجتمع"، يداً بيد مع تهشيم المؤسسات المدنية، بعجرها وبجرها، والتي تكوّنت بموازاة هذه الأخيرة أولاً ثم في سياق تهميشها ثانياً، أحكمت القبضة على المجتمع بعمومه. فبدلاًً من القضاء المدني، نشأ نمط من القضاء الأمني والعسكري؛ وبدلاً من المؤسسات التشريعية البرلمانية، لُفّقت مجالس جديدة بمثابة "مجالس شعب" مداخلُها ومخارجُها تمرّ عن طريق أجهزة أمنية "متخصصة" وبدلاً من أجهزة تنفيذية تحتكم للمرجعيتين السابقتين ولما يرتبط بهما من مؤسسات شرعية وعبر آليات عصرية ديمقراطية، تُفتح الأبواب على مصاريعها أمام رجال ونساء لا مشروعية لهم- في العموم الإجمالي- إلا ما يستمدونه من المرجعيات الملفقة السابقة المذكورة، وإذا جرى الكلام على الشفافية والكفاءة الضرورية والإخلاص وعلى أخلاقيات العمل، فإنما تكون قد حُدِّدت مسبقاً وبلغة دستور البلد المعْني، معاني ذلك كله ودلالاته ومرجعياته من موقع الحزب الواحد أو المرجعية الواحدة القطعية. وعلى هذا، تُفقد مفاهيم الاستقلال في القضاء وفي التعليم الأساسي إلى الجامعي والنقابي، وفي كل ماله علاقة بالشأن العام، وكذلك الشأن الخاص. ولما كان هذا النموذج من الحكم ذا بعد شعبي وإنساني ورسمي مغلق ومُهَيْمناً عليه، هكذا وهكذا، فإن الفساد العام والخاص سيصبح أمراً قاطعاً، نظراً لانغلاق الجزء على الكل، والحزب على الشعب أو الوطن، مِمّا يجعل احتمالات التدهور في عملية الفساد والإفساد، واقعاً محتماً، وإنْ مؤجلاً في حالات معينة، حسب مقتضيات الظروف والأحوال. وبهذه الكيفية أو الكيفيات، تنفتح عملية قضْمٍ أخطبوطي لما تبقى من مؤسسات مدنية وعسكرية وقضائية وتعليمية ونقابية وسياسية وثقافية شرعية. لقد قاد الاستفراد بالسلطة المغلقة إلى ذلك، رغم ما يلجأ إليه أحياناً بعضُ ممثليها من تلفيق واصطناع لحالات يُراد لها أن تظهر كأنها تعبير عن إرادة المجتمع وما يقوم عليه من فئات وطبقات ومجموعات من مختلف التكونات والتوضّعات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية في هذه الحال وما ينتجه من أحوال أخرى، ما الذي يفعله الناس في سبيل الوصول إلى حقوقهم؟ سيجدون أنفسهم أمام جدران إسمنتية مُكرَّسة بأجهزة أطلقت حصاراً آخذاً في التصاعد على كل "ما بقي يُدعى" مرجعيات ضبْط العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ها هنا علينا أن نضع في الاعتبار الكبير الأمر التالي، وهو أن النظم الأمنية العربية حصَّنتْ نفسها تحصيناً "قانونياً"، حين حافظت على ثنائية الاستثنائي الطارئ والأساسي الثابت في الوضعية القانونية. فحين أدخلت بلدانها في حالة الأحكام الاستثنائية وقانون الطوارئ فإنها لم تعلن أنها ألغت القانون الأساسي العام والثابت، ولكنها تُخضع هذه البلدان لما تقتضيه مصالحها المركّبة -أساساً- على تلك الحالة. نعم، أمام هذا الوضع "القانوني الاستثنائي والطارئ" تنسدُّ أمام الناس أبواب المؤسسات الناظمة و"الموضوعة باسم القانون"، فما الذي يتبقى لهم؟ ها هنا وبحكم افتقادهم القوانين المدنية العامة، ينسابون بقوة نحو "مؤسساتهم الأهلية"، من الأسرة إلى الطائفة والمذهب والإثنية. وتبدأ عملية تفتيت البلد دون الإعلان عنها أولاً، وقبل التهديد باللجوء إليها من قبل النظام العولمي المؤمرك ثانياً. وحالئذ يغدو الحديث مركّزاً على السنة والعلويين والإسماعيليين والدروز، بل كذلك على الشافعية والحنبلية والوهابية...إلخ ضمن السنيين، وعلى الحدّادين والخياطين والمرشديين ضمن العلويين، وهكذا. وبذلك، فإن قطع الطريق على المجتمع الوطني المدني يؤسس للعودة إلى المجتمع الأهلي، ومعه لحروب طائفية مفتوحة.


