يستطيع المحللون ان يخمنوا وينظّروا، كي يشرحوا لنا المشهد
الدموي الباكستاني، والموت الذي استقبل بنازير بوتو يوم عودتها
الي بلادها بعد اعوام المنفي. البعض سوف يتهم اجنحة في
الاستخبارات العسكرية، والبعض الآخر سوف يتهم تنظيم القاعدة،
او جماعة المسجد الاحمر. سيتوقف المحللون عند دلالة التحالف
بين الجيش بقيادة مشرف والطبقة الوسطي بقيادة بوتو، ورد الفعل
الدموي عليه، والي آخره...
لكن لا شيء يستطيع اقناعنا بأن هذا المشهد المرعب، الذي يمتد
اليوم من العراق الي باكستان، هو اشارة الي تغيير يجري، او هو
تعبير عن تناقضات سياسية واجتماعية فقط. اذ لا شيء يبرر هذه
الوحشية التي تمارس، وهذا الاستهتار المطلق بالحياة البشرية،
وهذا العطش الي الدم.
لا ادري كيف سيكتب التاريخ هذه المرحلة التي شاء سوء طالعنا ان
نعيش فيها، وان نكون شهودها وضحاياها في آن معا. كأن العالم
العربي والاسلامي اصيب بمرض الجنون وفقد القدرة علي انتاج
القيم التي تصون الحياة الانسانية.
لم نعد قادرين علي تحليل التفكك العراقي الذي يشبه تحلل
الكائنات العضوية. لا يوجد اداة فكرية قادرة علي مساعدتنا علي
فهم ما يجري، من اجل ايقافه. كما لا يوجد ما يقنعنا بأن اغتيال
السيدة بوتو كان سيغير شيئا في المشهد السياسي الباكستاني. بلي
ربما، كان سيساعد علي تفكيك الدولة، وتحويل المجتمع الي عصبيات
تتقاتل الي ما لا نهاية.
هل هناك قانون اجتماعي اسمه التفكك، وما سببه، وكيف يمكن
ايقافه.
المشكلة ان قوي الاعتراض علي الظلم والاحتلال والهيمنة
والمذلة، التي تتعرض لها مجتمعاتنا، علي ايدي قوي الاحتلال
الخارجي والديكتاتورية الداخلية، هذه القوي لا تصوغ ردا
عقلانيا، ولا تبلور اساليب انسانية، بل اغلب الظن ان هذه القوي
هي التجسيد العملي للتفكك. اي انها، من دون ان تدري غالبا،
تقوم بتحويل الانحلال والتفكك حقائق دموية، وبدلا من ان تقاوم،
تسهم في انهيار مجتمعاتها، وتقودها الي التهلكة.
لا شيء يشبه عبثية القتل الجماعي سوي اللغة المتخشبة التي
تبرره. مشكلة هذه اللغة انها بلا مقدمات، اي انها لا تبلور
قيما انسانية، تقيم عليها فكرها السياسي وممارساتها. انها تبدأ
من النهاية، اي من لغة سياسية مجردة من المعاني الأخلاقية،
وتختبئ خلف شعارات عامة، بعضها مأخوذ من الذاكرة الدينية،
لكنها لا تقترح بناء مجتمع بديل. اذا اخذنا الخطاب العراقي
نموذجا، سوف نكتشف انه يندرج في صلب مشروع تقسيم العراق، فيما
يدعي انه يقاوم الاحتلال الامريكي. يتهمون الاحتلال بأنه يسعي
الي تقسيم العراق وتفكيكه، لكن ممارساتهم تقود عمليا الي ترسيخ
التقسيم وتحويل المشروع الفيديرالي الامريكي للعراق الي هدف
شبه متحقق في الواقع.
اي ان الخطاب المعادي للاحتلال ليس سوي قشرة خارجية لواقع
سياسي واجتماعي وثقافي مرتبك وعاجز، يقوم في النهاية بخدمة
الاحتلال. لا اريد سوق الاتهامات ضد احد، فالتحولات العاصفة
والجذرية التي يشهدها العالم، تتسارع في شكل لا يترك فسحة
للتأمل، وخصوصا في بلادنا التي وجدت نفسها ساحة الصراع
الاساسية في عالم ما بعد الحرب الباردة.
تعالوا نحاول التدقيق في المصطلحات. اللغة السائدة التي صيغت
في الولايات المتحدة لتبرير الغزو تتحدث عن الاسلام والارهاب
المرتبط به. من مقولة صراع الحضارات التي تبلورت بعد نهاية
الحرب الباردة، الي فتات الفكر الاستشراقي علي ايدي برنارد
لويس وتلامذته. والجواب الذي قدمته ما يطلق عليه البعض اسم
الممانعة هو جواب من طينة الافتراض الامريكي نفسه. اي انه جواب
يتبني افتراضات المستشرقين واشباههم، لكنه يغير في معانيها
الاخلاقية، فيصبح الشر هناك خيرا هنا، والعكس صحيح.
لكن ماذا لو حاولنا قلب المعادلة وايقافها علي قدميها،
مستبدلين الافتراض الحضاري الديني، اي الاسلام بافتراض آخر
اسمه الصراع علي النفط.
عندها يتغير كل شيء، من معني المواجهة الي اشكالها. لا تعود
المواجهة بين قيم يقال لها شرقية واخري يقال لها غربية، بل
تصير مواجهة بين القيم الانسانية التي بلورها تاريخ الحضارة
الانسانية المشترك: اي قيم العدالة والمساواة واحترام الحياة
الانسانية، وبين مشروع النهب العاري من اي قيم. وعندها ايضا
تتغير اشكال المواجهة في شكل جذري، بدل العنف الأعمي الذي يضرب
اينما كان وفي شكل عشوائي، يأتي نضال سياسي جماهيري قاعدته
القيم الانسانية ولحمته هي مصالح المستضعفين والمهمشين.
عندها فقط نبدأ رحلة الخروج الطويلة من مستنقعات الدم التي
تحاصرنا في كل مكان.
المسألة ليست صراعا بين الحضارات، انها مسألة احتلال منابع
النفط ونهبها، تحت غبار كثيف، اسمه الحرب علي الارهاب، او
الحرب العالمية الجديدة.
المشكلة ان ثقافتنا قبلت ان يغطيها غبار هذه المعركة الوهمية،
فانقسمت ما بين ليبراليين جدد واصوليين جدد، التيار الاول يقبل
افتراضات الامريكيين متبنيا لغتهم، والتيار الثاني يقبل
الافتراضات نفسها متبنيا اللغة نفسها ولكن مقلوبة.
وبين التيارين دم كثير وموت مجاني وانهيار.
متي يتوقف الدم؟


