يعتبر هذا اليوم الأسود من أشد الأيام قتامة وظلاماً وظلماً في التاريخ العربي المعاصر،وقد لا نغالي إن اعتبرناه الأسوأ والأقسى في هذه الوصوف في التاريخ العربي برمته.
إنه يوم بدء العدوان الأمريكي على القطر العراقي واحتلاله،بعده تتالت المآسي وازدادت المصائب وهتنت على شعبه العربي هتن الأمطار الاستوائية، فهي وعبر الأيام في غزارة وتنوع. البداية كانت استكمالاً لحصار دام لأكثر من عشر سنين،الغرض من ذلك تدمير الحرث والنسل، ومن المؤسف أن جهات رسمية عربية ساهمت وبفعالية في هذه الجريمة تاركة أراضيها مراتع في خدمة قوات العدوان وطائراته،بل قدم البعض أنواع عدة من الدعم كبرت أم صغرت،يومها وقف العربي حائرا وعيونه وقبل أن تدمع قطرات دمع تبعتها قطرات دم وسؤال كبير يرتسم في عقله وقلبه لمَ؟!........
ومن يَعد بذاكرته إلى ذلك التاريخ يجد أن المبرر كان تملك العراق لأسلحة الدمار الشامل،ودعمه "للإرهابيين" وتأمين قواعد لهم على أرضه،وفي اجتماع لمجلس الأمن أوجد "كولن باول" وزير الخارجية السابق المبررات عارضاً صوراً جوية لمواقع تخزين بل صنع تلك الأسلحة شارحاً لأعضائه الأخطار المترتبة عن مثل هذا الوضع،وكيف أن ذلك يهدد السلم والأمن الدوليين، وسقط آلاف الشهداء منضماً إليهم آلاف...آلاف الجرحى من النساء والأطفال والشيوخ ثمناً لكذبة- ويا لتدني هذا الثمن ورخصه - عاد بعدها ليقول وبملء فمه أنه تبين له: "أن المعلومات حول امتلاك العراق لأسلحة محظورة كانت خاطئة وتنقصها الدقة والموضوعية" لكن رئيسه السيد بوش وأمام هذه المأساة الدامية وبعد مدة من الزمن عاد ليقول وبتعبير خارج حدود وأطر المنطق والعقلانية:"إن عدم العثور على الأسلحة لا يعني إطلاقاً عدم وجودها".
لقد بحثت لجان التفتيش قبل الحرب وأعلنت رسمياً بتقرير لها نافية وجود الأسلحة،ونبشت قوات الاحتلال كل الأراضي ولم تجد شيئاً،ومع كل ذلك فلنصدق أن ذلك لا يعني عدم وجودها فلقد خبأها الأشقاء في العراق في المريخ أو زحل ، وبسقوط هذه الحجج الكاذبة وتهاويها بدأ نشاز نغمة جديدة يصدح في الأفق بأن الغاية المثلى للحرب نشر الديموقراطية والتخلص من الحكم الديكتاتوري ، ومن كثرة فنون الدجل والتدجيل تنادى عدد من المفكرين العالميين ووجهوا دعوة عالمية للإعلان عن تكريس هذا اليوم يوماً عالمياً للكذب،كان من طلائعهم وفي مقدمتهم الكاتب البريطاني"هارولد بينتز" الحائز على جائزة نوبل للسلام،والمفكر الهندي"أميتاب جوش"والأديب التركي"أورهان بامون"وحتى من أمريكا صحت ضمائر مفكرين فكان منهم"بول اوستر"و"روسيل بانكس" ومن ألمانيا"بيتر شنا يدر"و"بولا هان" كانوا جميعهم الأمثولة النيرة للوجدان الإنساني الذي رأى على شاشات التلفاز صور جثث ملائكة الله على أرضه (الأطفال) وقد شوهتها النيران فبكتهم القلوب قبل العيون وأوغل المعتدون في غيهم وصلافتهم،وتكاثرت وتعاظمت شرورهم حتى أنهم أجازوا لأنفسهم استعمال أسلحة محظورة دولياً، - جاؤوا بأنفسهم وحسب ادعائهم من أجل إتلافها وتجنيب العالم خطرها - ويأتي اليوم التاسع من نيسان من ذات العام ليعلن الرئيس بوش على متن حاملة الطائرات "أبرهام لنكولن" أن الحرب شنت بهدف تحرير شعب العراق وتحقيق السلام العالمي،متابعاً القول أن عملية التحول نحو الديموقراطية في العراق ستستغرق بعض الوقت،غير أنه وعد بأن تغادر القوات الأمريكية العراق بمجرد انتهائها منها، وأن الحرب على الإرهاب مستمرة مؤكداً "أننا لا نعرف يوم النصر النهائي لكننا نرى تغير المدّ لصالحنا " وأكد أنه سيواصل اصطياد العدو،واليوم وقد مرت أربع سنوات وأكثر أثبتت أيامها أن المدّ تحوّل إلى جزر على قواته وسياساته،والمدّ الحقيقي كان لأهل العراق النشامى.
ولإسقاط هذه الأكذوبة الكبيرة وبمنطق الواقع والحقائق نرى أن من تصدوا للفكر الديموقراطي دراسة وتحليلاً وجدوا أن ظواهر ومحاسن الديموقراطية تتجلى:
- الاستقرار السياسي: ويعني ذلك تغيير الإدارة الحاكمة بدون تغيير أسس القوانين الحاكمة وتتيح للفرد كامل الطمأنينة بأنه سيحصل على كامل حقوقه في حال تغير الإدارات الحاكمة.
- التجاوب الفعال زمن الحروب: فالديمقراطية التعددية تعني أن السلطة ليست مركزة وفي ذات الوقت يُوجه انتقاد لهذه الصيغة بأن زمن الحروب تتطلب الأمور رداً سريعاً وموحداً فعادة يتعين طلب موافقة البرلمان قبل الشروع في أية عملية عسكرية.
- انخفاض الفساد: الرقابة البرلمانية- رقابة منظمات المجتمع المدني - رقابة الصحافة والإعلام في مناخ جو ديموقراطي.....جميعها تحشر الفاسدين في زوايا مكشوفة تسهل محاسبتهم وردعهم.
- انخفاض الإرهاب: لطالما أن بإمكان الفرد التعبير عن آرائه فلا مبرر له لاستخدام العنف.
- انخفاض مستوى الفقر والمجاعة: إن الدراسات والإحصائيات تشير إلى أن علاقة تبادلية طردية بين الديموقراطية وارتفاع معدلات الدخل القومي وازدياد الاحترام لحقوق الإنسان وانخفاض معدلات الفقر......فالحرية إبداع في مجال العطاء الفردي والوطني وكلما ازدادت وتطورت أساليب منهجيتها زاد نماء الوطن وزادت قدراته.
- نظرية السلام الديمقراطي: لقد أثبتت الأبحاث أن الدول الديموقراطية لم تدخل حروباً مع بعضها وأنها شهدت حروباً داخلية أقل.
- انخفاض نسبة قتل الشعب: إذ لا مبرر لعمليات القتل فالكل يعيش في جو وئام وتماسك وتعاطف ولذلك فالسعادة رفيقة درب السالكين للحرية.
وبعيداً عن لغة العاطفة والمشاعر رغم أهميتها ولنطبق هذه المعايير على ما يتغنى به الرئيس بوش من تحقيق للديموقراطية في العراق،نجد ورغم زيادة عدد القوات بـ30ألف جندي لاستعادة السيطرة على مدينة بغداد وتخفيض معدلات العنف أعلنت وزارة الداخلية في بغداد أن1011شخصاً قتلوا في أعمال عنف في العراق خلال شهر آب لكن مسؤولا ًفي الوزارة كشف لوكالة"ماكلاتشي"الأمريكية للصحافة أن الرقم الحقيقي2890شخصاً.
وعن الهجرة والنزوح فلقد بات معروفاً لدى الجميع أن أكثر من أربعة ملايين عراقي نزحوا عن أماكن حياتهم، وسكناهم أكثر من نصفهم لدى الدول المجاورة والباقي نزح إلى مناطق عراقية أفضل أمناً له وما زالت الأرقام في تصاعد ووفق إحصائيات المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة فقد ارتفع الرقم الشهري بمعدل10آلاف شخص فقفز من50ألفاً إلى60ألف لاجىء لم يعد أحد منهم إلى دياره،والمصيبة الكبرى هجرة الكفاءات إذ أن75% من الأطباء والصيادلة تركوا البلاد وغادروها،ونسبة البطالة قاربت68% من القوة العاملة بينما كان دخل الفرد العراقي وتحديداً قبل بدايات الحروب منذ ثمانينات القرن الماضي من الدخول المصنفة بدرجة الامتياز عالمياً،وعن الفساد فالحديث يطول ويطول فالكاتبان الأمريكيان"ستيف سميث"و"جيمس غلانر" يقدمان الشواهد الصارخة لذلك و يقولان أن شركة أمريكية تعمل في الكويت دفعت مئات ألوف الدولارات رشاوى قدمتها لضباط الجيش الأمريكي للحصول على عقود يقيمة11مليون دولار، وفي شهر تموز الماضي أوقف الجيش تلك الشركة وهي شركة"لي دايناميكس انترناشيونال" لأنها أبرمت عقوداً احتيالية،وفي كانون الأول أطلقت المايجر"غلوريا دي فينس" النار على نفسها وهي أحد ضباط الجيش المسؤولين عن إبرام العقود وانتحارها وقع بعد أن اعترفت أمام المحقق بأنها قبلت مبلغ225000دولار من الشركة المذكورة ، وفريق من المحققين العسكريين يقوم بمراجعة18000عقداً قيمتها أكثر من ثلاثة مليارات دولار والعقود الاحتيالية شملت الكويت والعراق وأفغانستان،وفي فترات سابقة أدين المايجر"جون كوكو هام"أحد ضباط إبرام العقود بين عامي 2002-2004 أكسب شركة لوجينكس والشركات التابعة لها عقوداً بملايين الدولارات،ولمزيد من المعرفة فشركة"لي دايناميكس" تشكلت بعد احتلال العراق وقد حصلت على مليارات الدولارات من عقود توفير الألبسة والأغذية والأسلحة للقوات الأمريكية في الكويت،ولتدعيم قوات الأمن في العراق وذات الشركة لها مستودعات في أم قصر والرمادي والموصل وتكريت وجميعها في العراق.
لقد حصلت وأودعت وتصرفت بما قيمته أكثر من مليار دولار لقاء مواد ومعدات طلبت لإعادة إعمار العراق،والفساد كما تتناقل وسائل الإعلام عمّ كل أجهزة الدولة العراقية ونواحيها،وعن الفتن الطائفية والإثنية فحدث ولا حرج القتلى يتساقطون يومياً،والشركات الراعية والجالبة للمرتزقة مهماتها لا حماية أمن المسؤولين كما يدعون،بل بذر بذور الصراعات والتناحرات.
والسؤال المطروح أهذه سمات الحرية؟!......إن كان ذلك صحيحاً فأتعس بها من حرية وأتفه بها من ديمقراطية سيما وأنها من ابتكار وإبداع الرئيس بوش الذي يتغنى هراء وتمويهاً بها بينما على الواقع كل شيء بعكس مضامينها .
لقد أجرت وكالة الأنباء أي بي سي مع هيئة الإذاعة البريطانية وتلفزيون"إن اتش كي"الياباني استطلاعا للرأي في العراق قال:70% من المستطلع رأيهم أن أمنهم قد ازداد سوءاً خلال فترة زيادة القوات الأمريكية،و57% منهم أعربوا عن اعتقادهم بأن الهجمات على قوات التحالف مقبولة وبلغت نسبة مؤيدي تلك الهجمات حوالي75%،و46% منهم يعتقدون أن احتمالات نشوب حرب أهلية شاملة في بلادهم سوف تنخفض في حال انسحاب القوات الأمريكية،بينما قال35% أن تلك الاحتمالات يمكن أن تزداد في حال الانسحاب،وفي اعتراف الجنرال بترايوس في شهادته أمام الكونغرس الأمريكي قال:"إن الوضع في العراق لم يزدد سوءاً بدرجة كبيرة كما أنه لم يتحسن" وبعد الشهادة وإدلاء السفير الأمريكي ريان كروكر برأيه أيضاً إلى جانب بترايوس والذي قال فيه:"إذا استسلمت أمريكا ستكون النتائج معاناة إنسانية هائلة وفسح المجال لتدخل الدول الإقليمية وتحقيق مكاسب بالنسبة لإيران والقاعدة".ومهمتهما باتت واضحة وهي قلب الحقائق لتحسين صورة الإدارة الأمريكية أمام الرأي العام الأمريكي والعالم أيضا
وكانت الإدارة قد حرصت من خلال التحضير الدقيق لإطلاع النواب والشيوخ على مجريات الأمور التخفيف من حدة الصدمات التي يعاني منها الرأي العام الأمريكي وبعض ممثليه الديمقراطيين وحتى من الجمهوريين الذين قطعوا صلاتهم مع حزبهم في هذا المجال،بل كانوا أكثر قسوة في نقد الاستراتيجية الأمريكية،إلا أن الحصاد كان دون المستوى المأمول وحتى انعكس ذلك على الرأي العام في الشارع العراقي ففي استطلاع جديد أجرته قناتا BBC-ABCبعد انتهاء الشهادة أمام الكونغرس وفي تقريرهما تبين أن نسبة العراقيين الذين يريدون رحيل أمريكا فوراً ارتفعت من35% إلى47% ويعتقد أكثر من اثنين من ثلاثة أن بزيادة عدد القوات زادت الأمور سوءاً،وتقول نسبة85% أنهم لا يثقون بالقوات الأمريكية أو البريطانية،كما قال62% من العراقيين أنه يجب أن يكون للعراق حكومة موحدة فيما قال98% أن انقسام الدولة على خطوط طائفية أمر سيء،وينتهي التقرير بأنه يتضح في مرحلة أن الدولة غرقت عميقاً جداً إلى درجة يصعب منها إنقاذها،وتعزيزاً لهذه الديموقراطية المشدد على الحرص عليها وتمشياً مع الحصائل السيئة المترتبة على الأوضاع الداخلية وإمعانا في زيادتها وإلغاء لقدسية العرف الدولي بعدم التدخل بالشؤون الداخلية أقر مجلس الشيوخ قراره والذي قيل بأنه غير ملزم بتقسيم العراق إلى مناطق ثلاث،وقد صوّت75عضواً بالموافقة بينما رفض القرار فقط23عضواً.
وهكذا فالعقل العربي بكلية أفراده يسير مؤيداً فكرة اليوم العالمي للكذب من كثرة ما عانى وسمع،بل أدرك زيف ما يقال فوق الأرض العربية،ولعل آخر تقليعة هذه الأيام ومؤكد أنها ليست الأخيرة كان تصريح الرئيس بوش بأن قراره باحتلال العراق وأفغانستان كان استجابة لطلب جماهيري من شعبي هذين البلدين،وتأكيداً لمقولته وتمشياً مع نهجه ففرق الدجل والرياء والكذب تتذكر كيف أن كل شوارع المدن في البلدين امتلأت بالآلاف آلاف المواطنين المنادين بأعلى أصواتهم المطالبة بتدمير بلديهما،و شهود الزور يتذكرون أيضا كيف تناقلت شاشات التلفاز الملايين المطالبة بالغزو يوقعون على عرائض المطالبة والاستغاثة.
إنما الحقيقة غير الغائبة أوضحها بجلاء هنري كيسنجر(الصهيوني)وزير الخارجية الأسبق في مذكراته وفي قوله:"من يريد السيطرة على الأمة العربية والإسلامية عليه أن يدمر إرادة الأمة العراقية فهي الحلقة الرئيسية فيه" وما يسترعي الانتباه استعماله الدقيق لتعبير تدمير وذلك ما نراه اليوم مرتسما من مرتسمات الخطة الأمريكية، ووزيرة التنمية البريطانية السابقة كلير شوت تعري وتفضح الموقف الأمريكي وتبين أنه لم يكن رأي مسؤول سياسي واحد،بل شمل العديد من المحافظين الجدد وتقول:"لقد قام جورج بوش ونائبه تشيني ووزير دفاعه رامسفيلد بطبع مشروع مستقبلهم على شكل كتاب قبل وصولهم إلى سدة الحكم وفيه يشددون على ضرورة التخلص من الحكم القائم في العراق بأي طريقة وتشكيل حكومة تتماشى مع مصالحهم ولربما أمنت لهم على المدى البعيد مقرات لقواعد أمريكية "...وتأييداً لكل هذه التوجهات واستمراريتها اعتمد نائب وزير الدفاع السابق بول وولفيتز وزلماي خليل زاده المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة حالياً رؤى وأحلام المنظمة الصهيونية العالمية والتي تضمنتها وثيقتها المنشورة في مجلة"كيفونيم"عام1988والتي تتحدث عن أن العالم العربي بيت من ورق خلقه الاستعمار الفرنسي والبريطاني في إطار تركيبات اجتماعية متناقضة أحياناً وحفاظاً على كيانها لابد من تقسيم جديد وتجزئة هذه البلدان إلى كيانات هزيلة وهشة واستثمار بعض أمراض التكوين الاجتماعي.
وبالرغم من شمولية الخطة للأقطار العربية برمتها إلا أنها أعطت الأفضلية الأولى لتقسيم العراق وتقترح تجزئته إلى مقاطعات ثلاث البصرة-بغداد-الموصل والقرائن تكثر وتتعدد مشيرة إلى ما يرسم ويخطط وينفذ بعيداً البعد كله عن كل ما يدعى به من عناوين،فقبيل الاحتلال وضعت القيادة الأمريكية ما سمي"بالاستراتيجية الوطنية للنصر في بغداد" رفضت فيها وضع أي جدول زمني للانسحاب،والحاكم الأمريكي السابق بريمر وبعد تركه للعراق ألف كتاباً بعنوان"أيام الحكم في العراق"قال فيه أنه أبلغ البنتاغون بشكل رسمي وشخصي للوزير السابق رامسفيلد ومساعده بأن احتلال العراق يحتاج إلى بسط النفوذ الأمريكي بشكل أوسع.
وأمام هذه الأكاذيب والادعاءات وبطلانها يتبدى لنا وبجلاء العداء الأمريكي المستحكم للعروبة والإسلام،والشواهد على ذلك سواء في أقوال المسؤولين منهم أو في أعمالهم في كل بقعة من بقاع الأرض العربية.
إنه نهج ثابت ولا يتبدل إلا بتبديل الظروف نتيجة إفراز تحديات تكبر وتتعاظم باستمرار بحيث تقطع على العدو خطوط تحركه وأمانيه وترتب عليه خسائر مادية وبشرية لا قبل له بها.
إنهم مصرون على إضعاف المنطقة ومحو إرثها الثقافي والديني وعلى دعم"إسرائيل"المطلق المعتمد الدائم لتنفيذ الخطط الأمريكية انطلاقا من المصالح المشتركة التي تجمع بين الأعداء،وأخيراً وفي قمة المصالح السيطرة على النفط استكشافاً وإنتاجاً وتسويقاً،وتأكيداً لذلك كتب"وليام فاف" تحت عنوان(العراق حرب النفط واللاشيء)قال:"ثمة مؤشرات على احتمال تغيير يذكر في السياسات المطبقة حالياً في البداية كان تبرير الحرب من وجهة نظر الرئيس بوش ونائبه تشيني تحقيق مخطط الشرق الأوسط الكبير ورغم أن هذا الهدف غير معقول ولا جدير بالمغامرة لكن ما إن مضت أشهر على الاحتلال بدا واضحاً أن الوضع العراقي قد بات خارج السيطرة ولابد من تقديم تبرير أكثر إقناعاً لما يجري هناك فكان الافتراض بأنها للتحرير والتحول الديمقراطي والدفع بعجلة الإصلاح السياسي في المنطقة،وفي رأي المحافظين أن من أهدافها تدشين سياسات خارجية جديدة إزاء العلاقات الإسرائيلية إلى جانب بسط هيمنة واشنطن على المنطقة الغنية بالنفط وعن ذلك قال نائب وزير الدفاع الأمريكي : "العراق يسبح على سطح بركة نفطية"وآخر من كشف عن الحقيقة آلان غرينسبان المحافظ السابق للبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ومؤلف كتاب"تنبؤات عن إدارة بوش"ذهب فيه إلى أن هذه الإدارة ستضع النفط العراقي في المستقبل تحت سيطرة شركات النفط الأمريكية لمدة طويلة،ويضيف:"بل هو بنفسه شجع على ذلك وقال بصراحة بأنه من جانبه حث الإدارة على إسقاط نظام صدام حسين بغية تأمين بسط الولايات المتحدة لسيطرتها على النفط".
لذلك لم يعد أي حد من حدود الشك ولو في حدوده الدنيا في المطامع الاستعمارية الأمريكية سواء في العراق أو في باقي الأقطار العربية،وبسيط كل البساطة وحتى حدود الخبل من يعتقد غير ذلك ومن يصر على الاعتراض فهو عميل مأجور تقوده مصالح لا تصب في إطار المصلحة الوطنية ومن الواجب أن تتركز الجهود دائما في متابعة ودعم المقاومة بل توحيدها،وحتى توحيد كل المقاومات العربية ،والشعب العربي مطالب أكثر بدعم الأشقاء العراقيين بكل الوسائل والأساليب ومناهضة ومعاندة الأنظمة المؤيدة للسياسات الأمريكية......وأعضاء مجلس النواب في بغداد يحملون أمانة عدم التصديق على مشروع قانون النفط المقدم من قبل الحكومة والذي تحرص أمريكا الحرص كله على إقراره وإصداره ليتحقق حلمها،كما أن على كل رجال الفكر والعقيدة والإيمان وكل المنظمات السياسية أن يتركز اهتمامهم وفي هذه الأيام الخطرة على الحفاظ على الوحدة الوطنية على كل أرض عربية،بل الإيمان الثابت بوحدة الأمة العربية والعمل من أجلها ففي ذلك ردّ على كل مخططات الغرب منذ مطلع القرن الماضي في التقسيم وزرع الفتن.
بهذه القناعة والعمل بها لا نحمي العراق فقط وإن كان علينا واجب حمايته - إيمانا بعروبته وحبا لأهله ووفاء لما قدمه لكل الأمة العربية - حيث يرتب على كل واحد تباعات جمة لكن ضرورة وضع العراق بين مآقينا وحمايته ففي ذلك صون للأرض التي نعيش عليها نحن وأسرنا وأولادنا.
إن الإيمان بالوطن والنضال والعمل من أجله وقبلا ًبالله والعمل بتعاليمه جميعها تدرأ عن مستقبلنا ويلات الغدر والنفاق الأمريكيين والأشقاء في العراق وفي لبنان وفلسطين وفي الصومال قدموا لنا البشرى على لسان بريجنسكي المستشار السابق للرئيس الأمريكي حين شبه ما يجري في العراق بحرب السويس عام1956والتي كانت إنذاراً بانتهاء النفوذ البريطاني في المنطقة.
ومن أروع وأجمل ما قرأت قصيدة للشاعر المصري أحمد محرم1877-1945وفي بيتين من أبيات القصيدة وبعد تركه الدنيا بأكثر من خمسين عاماً يطل من نهايته ليتحدث عن واقعنا ليقول:
لا تعجبوا إن رأيتم موعداً كذبا إن السياسة من أسمائها الكذب
ماذا ترجون من أمن ومن دعة المال يسلب والأرواح تنتهب
إنه اليوم العالمي للكذب فلنبدله بنضالنا باليوم العالمي للصدق والحق والحقيقة والنصر.


