"إن الديمقراطية لا تنمو في أرض داستها أحذية الأمريكان" "هيرالد تريبيون" 8/11/2004
أخشى ونحن نكتب اليوم عن "تقسيم العراق" وعن سيناريو "إعادة رسم خارطة المنطقة" في هذه المرحلة، أن يتم ذلك كله، وأنظمة الذل والعار الناطقة بالعربية التي لا تعرف من السياسة سوى إصدار بيانات "ندين ونشجب ونطالب ونرفض" دون قدرتهم على الفعل على أرض الواقع لأنهم مقيدون بسلاسل "البنك وصندوق النقد الدوليين" في الوقت الذي نرى فيه الأحزاب والتنظيمات والقوى الجماهيرية غائبة عملياً عن أرض الواقع بسبب عدم وجود القيادات القادرة على الفعل الحقيقي على الأرض كما كانت خلال فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وبسبب عدم ثقة الجماهير بأي من تلك القوى والأحزاب والتنظيمات لأنها لم تكن عند حسن ظن الجماهير في تحقيق مطالبها في كل المجالات وأهمها الاقتصادية، وعدم قدرة تلك القوى والأحزاب والتنظيمات الاستمرار في نشر الوعي الوطني والقومي التي كانت سائدة في القرن المنصرم فتحول أبناء الأمة عن تلك القوى التي لم يجدون فيها أي بديل فعلي عن الأنظمة السائدة والمسيطرة في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج فراحوا يسعون وراء لقمة عيشهم بأي طريقة كانت وبأسلوب الميكيافليلية أي "الغاية تبرر الوسيلة"، لذلك نرى ارتداد عدد كبير من أبناء الأمة إلى الطائفية والمذهبية في ظل تكاثر المحللين والمحرمين والمفتيين، وبسبب تدخل رجال الدين في السياسة وزرع الأحقاد والضغائن بين أبناء الشعب الواحد في البلد الواحد بسبب مصالحهم الفردية وبسبب التدخلات الخارجية إن من حكام بلاد نجد والحجاز وبسبب الإفتاءات التي ما أنزل الله بها من سلطان إن في المقاومة والجهاد ضد الغاصبين والمحتلين لأرض العرب والمسلمين، أو بسبب عدم قدرة شيوخ الأزهر في مصر على الاتفاق رأي موحد في العديد من القضايا الأساسية التي لا تخرج عن نطاق الدين ومفهومه الأساسي الذي لا خلاف عليه، والأهم هو قبولهم بتحويل الدين إلى سلعة إرضاء للباب العالي وولي أمرهم الحاكم المطلق المأمور من أرباب البيت الأبيض الذي أمر بحذف كل المواد التعليمية من المناهج التدريسية التي يرد فيها ذكر الجهاد وتحرير بيت المقدس والوطن بشكل عام من الغاصبين والغزاة حتى وصل الأمر بفرض الرقابة المسبقة على خطب وعظات رجال الدين أيام الجمعة وغيرها، وأيضاً بسبب نشر بعض إن لم يكن كل الفضائيات لسياسة ما يسمونه "السلام" وفرض الأمر الواقع والقبول بما أطلقوا عليه "الرأي الآخر" أي القبول برأي أعداء الأمة وأعداء الإنسانية والبشرية بشكل عام ومحاورتهم عبر الفضائيات من داخل ومن خارج الوطن، لذلك نرى أن أبناء الأمة في سباتهم غائبون ومغيبون.
من هنا أقول أن أشد ما أخشاه هو أن لا تخرج تلك الجماهير بمسيرات مستمرة لفرض تغيير سياسة الأنظمة الحاكمة ومواجهة الغول الأمريكي والأوروبي المسيطر عليهم من قبل قوى الشر العالمية المتمثلة بالصهيونية العالمية ومحافلها لشريرة على اختلاف مسمياتها، ولعلنا نرى بعض المسيرات القليلة العدد في هذا البلد أو في ذاك القطر العربي منددين وشاجبين ومستنكرين - إن استطاعوا فعل ذلك -، ثم يعودون إلى منازلهم لمتابعة نشرات الأخبار والتقارير المسربة من واشنطن وتل أبيب، التي تتحدث عن مستقبل بلادهم، وتبقى حياتهم مقدّر لها أن تسير في واد بعيد عن الواقع السياسي والاجتماعي العربي والدولي الذي تخطط له قوى الشر العالمية، تماماً كما يحدث في فلسطين وفي العراق وفي الصومال وفي السودان وفي معظم إن لم يكن في كل البلاد العربية.
ورغم ذلك لا بد من الكتابة والتذكير والتنويه لمخاطر ما يسمى "قرار الكونغرس الأمريكي غير الملزم" حول تقسيم العراق، وذلك خوفاً منّا على مستقبل تلك الأمة التي أعطت للعالم كل الخير عبر تاريخها الطويل، الداخل والمتفاعل مع تاريخ البشرية منذ وجود الإنسان على وجه هذه الأرض ولم تجني الأمة العربية سوى الشر والحقد من دول الجوار ومنها بلاد فارس أو ما يسمى إيران الآن، أو من طاغوت الشر المتمثل في الحركات السرية والعلنية المعروفة وغير المعروفة التي كانت ولازالت تسيطر على بريطانيا صاحبة شعار "فرق تسد" كما تسيطر تلك الحركات على أمريكا منذ إعلان اكتشافها وحتى اليوم، أقول إن "القرار الأمريكي غير الملزم" والذي يدعو إلى "تقسيم العراق كحلّ لأعمال العنف الطائفية"، التي بدؤوها هم وأتباعهم إن من إيران أو من مرتزقة أمريكا وبريطانيا وغيرهم الذين قدموا من كل أرجاء العالم مقابل حفنة من الدولارات منذ بدايات الغزو والاحتلال، وأن ما جرى ويجري من تفريغ وترحيل وتهجير لسكان مناطق مختلفة في العراق إضافة لإقامة جدران العزل العنصرية إلا بدايات لما هو أخطر ليس على العراق فحسب بل على كل البلاد العربية بحسب سياسة "الفوضى الخلاقة" الأمريكية، وما ترديد بعض رجال الحكم ورؤساء وملوك وأمراء الدول العربية "إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها من الأراضي العراقية فإن ذلك قد يؤدي إلى حرب أهلية شاملة ومدمرة"، في رأيي، أن هذه التصاريح التي رددت ما هي إلا تكريس لسياسة الأمر الواقع، أو ربما أنها في ظنهم إنما يبعدون شبح التقسيم عن بلادهم والحفاظ على عروشهم، وفي الوقت نفسه كان لقبولهم تحويل السفارات العراقية واستبدال سفراء النظام الشرعي الوطني العراقي - بغض النظر عن رأي هذا أو ذاك في هذا النظام الذي يبقى نظام شرعي ووطني - إن في ما يسمى جامعة الدول العربية أو ما يسمى "مؤتمر القمة العربية" أو "منظمة المؤتمر الإسلامي" وكذلك قبولهم باستعمال الأرض العربية ضد النظام الوطني والشرعي العراقي، إلا دليلاً على مشاركتهم في مؤامرة تهديم عراق الحضارات والتاريخ، والأهم في هذا الصدد والذي لا بد من التنويه إليه في هذه العجالة هو خطورة ما يتناوله الكتّاب ووسائل الإعلام ومجمل الإعلاميين والسياسيين وحتى الأحزاب والتنظيمات السياسية والاجتماعية التي زادت الطين بلة وهي إلغاء مصطلح الصراع العربي-الصهيوني، واستبداله بمصطلح فرضته قوى الشر العالمية وهو "الصراع – الفلسطيني-الاسرائيلي" حتى وصل الأمر إلى إلغاء وحذف كلمة "اسرائيل" حتى من بين المزدوجين أو الهلالين، مما يعني أنه على المدى الطويل سيؤدي ذلك إلى ترسيخ الكيان الغاصب لفلسطين كـ"دولة"، إضافة إلى ترسيخ استعمال هذه الكلمة في أذهان وأفكار أبناء الأمة وأجيالها كي يصبح الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين وكأنه "دولة" لها الحق في الوجود في قلب بلاد العرب، كل ذلك هو دليل على عدم بعد النظر السياسي لدى الأنظمة الحاكمة إن كانوا يفهمون معنى السياسة حتى لا نقول غير ذلك، مما شجّع قوى الشر بفرض ما تريده ضمن سياسة "الخطوة خطوة" التي ابتدعها السيء الصيت هنري كيسنجر في سبعينات القرن الماضي، من هنا أتى القرار "غير الملزم" بقسيم العراق الذي سيؤدي في النهاية لقبول تلك الأنظمة في مرحلة لاحقة الاعتراف بالكانتونات الاتحادية الهزيلة التي تفرضها قوى الشر وتريدها إيران وأتباعها في العراق، على الرغم من إعلان عناصر من عصبة بوش الصغير وبالتحديد من "سندريلا بوش السمراء" "الآنسة رايس" عدم موافقتهم على "قرار تقسيم العراق غير الملزم"، وأقول هنا أنه حتى لو قبلت الأنظمة العربية بذلك الإعلان الخادع فأن كل الدول العربية مرشّحة هي الأخرى للتفتيت ليسهل انصياعها، بمعنى أن تصبح أكثر طاعة وتبعية لأوامر (السيّد)، ومن ثمّ الدخول في بيت الطاعة الأمريكي، وهي محنيّة الرأس مكسورة الإرادة! لأن هذا "القرار غير الملزم" بالأساس هو قرار في صلب "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، أو كما أسماه وزير خارجية الكيان الصهيوني بيريز في بداية تسعينات القرن الماضي "الشرق الأوسط الجديد"، وإن تحقق هذا المشروع على حساب وحدة وعروبة العراق، فمعنى ذلك أن المشروع الأمريكي والصهيوني الملتقي مع المشروع الإيراني في تفتيت العراق ومنطقة الخليج العربي قد نجح، وأن النموذج سيتم تصديره إلى الدول العربية الأخرى في إطار ما يسمونه "الفوضى الخلاّقة" كي يبقى الكيان الصهيوني الأكبر حجماً والأكثر تأثيراً في كافة المجالات.
إعادة رسم خارطة المنطقة
وللتذكير لا بد أن نعود إلى الوراء وتحديداً لمرحلة ما بعد بدء غزو العراق واحتلاله، إلى الأول من شهر أيار (مايو) عام 2003 حيث ألقى "الأبله" بوش الصغير كما كانت تنعته وسائل الإعلام الأمريكية وشعوب أمريكا بشكل عام بهذه الصفة، "خطبة النصر على العراق"! من على ظهر البارجة الأمريكية (أبراهام لينكولن) في الخليج العربي، حيث قال "الآن قد تم الحفاظ على أمين "اسرائيل" والسيطرة على النفط"، وأتبع ذلك بغرور وعنجهية أنه "من العراق ستبدأ إعادة رسم خارطة المنطقة"، مما يعني "تغيير خارطة البلاد العربية بدءاً من المشرق العربي"، ونشر "الأفكار الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ليصبح العراق النموذج الذي تحتذي به باقي دول المنطقة".! ورغم ذلك لم تتحرك تلك الأنظمة التي تسمى عربية وأكبرها حجماً ومساحة وأكثرها تأثيراً على الساحة السياسية والاقتصادية العربية، مما زاد من تفتيت الأنظمة العربية وشرذمتها، وهذه الأنظمة هي أنظمة مصر التي أمدت إيران بكميات كبيرة من الأسلحة خلال فترة الحرب الإيرانية-العراقية 1980 - 1988 من أجل تدمير العراق، وأرسل ذلك النظام جيش مصر ليقاتل إلى جانب قوات الغدر والعدوان الأمريكية والأطلسية ضد الجيش العراقي في العدوان الثلاثيني الغادر في نهاية عام 1990 وبداية عام 1991، وكذلك حكام بلاد نجد والحجاز الذين استعملت أرضهم لتدمير العراق خلال العدوان الثلاثيني الغادر بقيادة إدارة الشر الأمريكية برئاسة جورج بوش الأب عام 1991، واليوم نسمع كلاماً لا معنى له سوى في وسائل الإعلام الناطقة بالعربية من معظم الأنظمة الناطقة بلغة الضاد أنهم "يرفضون وينددون ويشجبون ذلك "القرار غير الملزم"! فهل ذلك يكفي إن لم يتم سحب الأرصدة العربية ووقف كافة أشكال التعاون وفي كافة المجالات وعلى كافة الصعد بدءاً من سحب السفراء، على الأقل احتجاجاً، ترافقه منع مرور السفن التجارية وإغلاق المطارات في وجه كل ما له علاقة بأمريكا وذيولها من الدول الأوروبية وصولاً إلى استراليا، وأيضاً تحرك كافة النقابات العمالية في بلاد العرب – إن ما زال لها وجود مؤثر - وعدم تسهيل تفريغ السفن وعدم تنظيف الطائرات الأمريكية أو تسهيل مرورها في الأجواء العربية، وهو أقل ما يمكن أن تقدمه تلك النقابات لإخوانهم العراقيين، وهذه تكون بداية عودة الوعي ووحدة الصف الوطني والقومي العربي، يليها تصعيد آخر أدرى به العناصر الوطنية والقومية في تلك النقابات والقوى التي لازالت حية من أبناء الأمة العربية.
"الفوضى الخلاقة"
تهدف نظرية "الفوضى الخلاقة" التي تتبناها أمريكا في البلاد العربية إلى إعادة تشكيل خارطة "المنطقة" العربية الممتدة من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي، وذلك عن طريق تفجير الصراعات الداخلية وتأزيم الأوضاع الحالية، وإذكاء الخلافات الطائفية والقبلية والعنصرية والاختلافات السياسية، كل ذلك من أجل إعادة "رسم خارطة المنطقة" بما يتوافق مع المصالح الصهيو-أمريكية.
ورغم أن هذه السياسة واضحة للعيان ابتداءً من العراق ومروراً بالصومال والسودان ولبنان وفلسطين ومصر وبلاد نجد والحجاز والبحرين نجد أن أنظمة تلك الدول تنزلق في هذا المخطط واحدةً تلو الأخرى دون محاولات فعالة للتحصين من الانجرار نحو مزيد من الاختلافات والفرقة والتناحر الداخلي، عن طريق كسب المواطن وتحقيق عزته وطموحه وتأمين لقمة عيشه.
الدور الصهيوني
لن نردد بل نذكّر بالدور الصهيوني في عملية تدمير العراق الذي قلناه مراراً وتكراراً أنه يأتي ليس انتقاماً على الصواريخ العراقية الـ(39) التي أطلقها النظام الشرعي الوطني إبان العدوان الثلاثيني الغادر عام 1991 على مجمعات الصهاينة في فلسطين المحتلة فحسب، حيث أعلن شيمون بيريز عام 1993 خلال زيارته للمغرب وفي مؤتمر صحفي "أن العراق سيدفع الثمن غالياً"، بل لما أعلنه وردده عدد من دهاقنة الصهاينة قبل العدوان الثلاثيني الغادر ضد العراق عام 1990، وتحديداً منذ بدايات الحرب الإيرانية-العراقية ومنهم "أرييل شارون" الذي أعلن في شهر أيلول/سبتمبر 1987، حيث كان يشغل منصب وزير التجارة والصناعة في الكيان الصهيوني، في حديث إذاعي جاء فيه "إن تعاظم قوة الجيش العراقي في السنوات الأخيرة نتيجة الحرب العراقية-الإيرانية المستمرة منذ سبع سنوات خلقت وضعاً يعتبر فيه العراق أخطر أعداء اسرائيل"!!.
وكان شارون قد ذكر في "الملحق السياسي" الصادر عن صحيفة "معاريف" بتاريخ 28/11/1986 "تتسم حرب الخليج حرب العراق-إيران بعوامل أساسية، فهي ترتبط مباشرة بأمننا القومي، وكنت قد فسرت هذه العوامل لمسؤولي الإدارة الأمريكية منذ أيار/مايو عام 1982، ولم يتقبلوا تفسيراتي آنذاك، لكن معطيات جديدة أضيفت إلى الوضع خلال السنوات الأخيرة، لقد تطلعت باهتمام رائد إلى منطقة "الخليج الفارسي" وما يدور بها، فقد أثبت المفاعل النووي العراقي، الذي يجسد أكبر خطر حام فوق اليهود في أرض "اسرائيل" منذ الأزل، (...) لقد ازدادت عظمة وقوة الجيش العراقي وقدراته بنسب مذهلة، الأمر الذي يهمنا بالذات، لأنها تمثل ما يحتاجه في حربه ضد "اسرائيل"، إنه يملك الآن أربعين وحدة، أي أكثر من عدد الوحدات التي تتشكل منها جيوش سورية ومصر والأردن مجتمعة، كما كدس تجارب وخبرات واسعة، دون منازع في المنطقة، على صعيد تشكيل وتشغيل وصيانة قوات عديدة وأجهزة عسكرية حديثة وهائلة، وحتى لو قام بتجهيز ثلث هذه القوة فقط، والتي تساوي عدد الوحدات السورية والأردنية الصالحة للعمل، فإن هذا الأمر يعني مضاعفة قدرات تهديد الجبهة الشرقية".!
وتابع يقول: "بالإضافة إلى ذلك فإن العراق مجاور للأردن وسورية، وبإمكانه تقديم ونشر قواته على هذه الحدود، أي على مقربة من "اسرائيل"، وفي الوقت نفسه يتمتع جيشه بخبرات واسعة ومتواصلة نتيجة كافة الحروب السابقة ضدنا، التي شارك بها إلى جانب جيوش سورية والأردن"!!.
وأضاف شارون: "خلال سنوات تشكيل دولة اسرائيل، ثبت أن علاقاتنا مع الولايات المتحدة تستند بصورة أساسية إلى مصالحنا المشتركة وليس العاطفية، وبالتالي فإن المصلحة الماسة للولايات المتحدة، كدولة عظمى، أن يضعف العراق جداً، ولكن نسبة إلى عدم الفهم، وأخطاء الخبراء والممثلين الرسميين الأمريكيين، فإن حكام الولايات المتحدة يديرون سياسة خاصة خاطئة في منطقتنا، وهي الحالات التي اتسمت بـ "اختلاف المصالح" بيننا وبينهم، وإحدى هذه الحالات وقعت عام 1982، عندما عملت الولايات المتحدة على استغلال الخطر الإيراني كسبب لتزويد السعودية والأردن بأسلحة حديثة، وحاولت أنا بجهد تصحيح هذا الخطأ في الولايات المتحدة وفق سياسة الحكومة الاسرائيلية، لقد تطلب الأمر وقتاً ما، إلى أن فهمت الإدارة الأمريكية الخطأ الذي وقعت فيه".!!!
وأنقل هنا فقرة مما أوردته صحيفة (السبيل) الأردنية بتاريخ (1/1/2003) مما قاله "زئيف شيف" أحد أبرز "المعلقين الاستراتيجيين" في الكيان الصهيوني، "إن الفوائد الاستراتيجية التي ستجنيها اسرائيل في حال نجحت الولايات المتحدة في التخلص من نظام الرئيس صدام حسين، لا يمكن تصورها، إنها بلا شك ستكون زلزالاً حقيقياً سيؤدي إلى تغيير خارطة المنطقة بشكل جارف ولصالح اسرائيل بشكل أساسي".. وينقل "شيف" عن قادة الدوائر الأمنية والسياسية "الاسرائيلية" القول "إن المحادثات السرية التي أجراها ممثلو الدولة العبرية في واشنطن حول الحرب المحتملة ضد العراق قد أثمرت في التوصل إلى تفاهمات هامة مع الأمريكان".!!
وحول الدور الصهيوني في العراق ما قبل الغزو والاحتلال أشير أيضاً إلى ما ذكره "أوري ساغيه" حيث قال: "مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة ستُحدد وظائف للنظام الجديد في العراق بعد صدام حسين، وبكل تأكيد أنها حددت هذه الوظائف بالتنسيق والتشاور مع اسرائيل وليس بمعزل عنها".!!!
سوريا بين "فكي الكماشة"
يقول "يسرائيل ريفح"، المعلق الصهيوني ذو العلاقات الواسعة بدوائر صنع القرار في الإدارة الأمريكية "أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تريان أن النظام الجديد في العراق سيعمل على رسم خارطة جديدة في المنطقة، فهذا النظام الذي سيكون بلا شك تبعاً للولايات المتحدة الأمريكية، وسيساعد تل أبيب وواشنطن في الإطباق على عنق دولة مثل سوريا"، فحسب التصور الأمريكي - الصهيوني، فأن كلا من "العراق الجديد والكيان الصهيوني سيمثلان فكي كماشة في إطباقهما على سوريا بشكل خاص"، وحسب المنطق الأمريكي - الصهيوني أيضاً فأن "هناك أهمية للإطباق على سوريا، فمن ناحية ستكون "اسرائيل" قادرة على تهديد العمق السوري من أكثر من جهة، وستكون سوريا حينها بين ثلاثة أطراف معادية، وهي النظام الجديد في العراق ودولة الكيان والعسكر في تركيا".
الأطماع الإيرانية في العراق وفي البلاد العربية
بداية لابد أن نذكر بما نشر في العديد من الصحف ووسائل الإعلام المختلفة إلى الدور الإيراني الخطير الذي تلعبه في العراق، ولتأكيد أهمية الدور الإيراني في العراق وما تضمره القيادات الصفوية ضد البلاد العربية نشير إلى شهادة الرئيس الإيراني السابق والمقيم في باريس الدكتور أبو الحسن بني صدر الذي قال في حوار له مع (سامي كليب) في برنامج (زيارة خاصة) لفضائية "الجزيرة" بتاريخ 10/1/2005 نصاً: "كان الخميني يريد إقامة حزام شيعي للسيطرة على ضفتي العالم الإسلامي، كان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق وسوريا ولبنان وعندما يصبح سيداً لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج الفارسي للسيطرة على بقية العالم الإسلامي، كان الخميني مقتنعاً بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ ذلك، قلت له بأن الأمريكيين يخدعونك، ورغم نصائحي ونصائح ياسر عرفات الذي جاء ليحذره من نوايا الأمريكيين فإنه لم يكن يريد الاقتناع".!
ويقول الرئيس الإيراني السابق أيضاً "رفسنجاني كان له أثر كبير في البلاد وكان يدير شؤون الحرب بالتعاون الوثيق مع أحمد الخميني، ولأنه كان يدير شؤون هذه الحرب فقد كان يخيفني رفسنجاني، لأنه أراد مواصلة الحرب واحتلال البصرة، وباحتلالها يسقط صدام حسين، كان هذا مشروعه وكل قيادة الجيش كانوا يعارضون ذلك وقالوا إن احتلال البصرة سيطيل أمد الرحب".!!
نكتفي بهذا الاعتراف من اعترافات كثيرة أدلى بها عدد من القيادات الإيرانية الذين يسمونهم "آيات الله" المتسترين بعباءة رجل الدين منذ بداية الغزو الصهيو-أمريكي للعراق.
وكذلك نشير إلى ما أوردته وسائل الإعلام حول المؤتمر الذي عقد في البصرة في المنصف الأول من عام 2005 الذي دعمته إيران بالكامل من خلال أتباعها وكذلك الكويت حيث تردد في "الشارع البصري أن السلطات الكويتية خصصت مبلغ 30 مليون دينار كويتي، أي ما يعادل مئة مليون دولار أمريكي، لتغطية احتياجات ذلك "المؤتمر الإقليمي"، كما "أن السلطات الكويتية قدمت دعم مالي وسياسي عبر استضافة عدد من المشاركين في ذلك المؤتمر ودعتهم إلى الكويت ومنحتهم مكافآت وصفقات تحت عناوين (مساعدات إنسانية وإغاثية) في الوقت الذي تنشط فيه المخابرات الكويتية من خلال وكلاء وعملاء لها بحملة دعائية واسعة تروج بأن الكويتيين عازمون على تحويل البصرة إلى (هونغ كونغ) الخليج عند فصلها عن الدولة العراقية المركزية".
وقد تناول ذلك المؤتمر إقامة "إقليم الجنوب" الذي يرتبط صورياً بالحكومة المركزية بغداد على غرار "الإقليم الكردي" في شمال العراق، وأن أبرز القيادات الداعمة لهذا المشروع هو "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، و"منظمة بدر" وأيضا "حزب الدعوة" بأجنحته المختلفة وأعضاء في مجالس المحافظات الثلاث ورؤساء بعض الإدارات فيها". كما يذكر مراسل "القدس العربي" بتاريخ 17/4/2005، تحت عنوان (مؤتمر في البصرة بتمويل كويتي لـ"فدرلة" ثلاث محافظات جنوبية عن العراق).
وأخيراً أكرر ما قاله الكثير من أبناء الأمة أن الخطير الآن ليس هذا القرار الأمريكي "غير الملزم" فهو ليس أكثر من هذيان يسبق الإقرار بالهزيمة الصهيو-أمريكية الكاملة أمام المقاومة الوطنية العراقية، ولكن الخطير هو أن يجد هذا المشروع من يدافع عنه داخل العراق المحتل لمطامع فئوية طائفية وسلطوية، وأن يجد أيضاً من يصمت عليه من أبناء الأمة العربية وأنظمة تنطق بالعربية اعتقاداً بأنه يخص العراق وحده، وتلك هي الطامة الكبرى التي يراهن عليها الأمريكيون لإنجاح "مشروع الشرق الأوسط الكبير" بدءاً من العراق.
وفي المحصلة تبقى مسألة الرؤية الواضحة وما ستؤول إليه، رهينة بما ستمليه المقاومة العراقية الأصيلة على أرض الواقع في رفضها لهذا المشروع وما سينتج عنه، وأن الواقع على أرض العراق كفيل بتطبيق الثوابت الوطنية من طرد المحتل، ونقض مخططاته، وإبطال لأدوات تنفيذه وجعله خارج دائرة الفعل السياسي.
اللهم وحّد قلوب العراقيين على ثوابتهم.. وانصر المقاومين الأحرار والشرفاء في عراق التاريخ والحضارات.
وأختم بكلمة للمحلل السياسي الأمريكي "ويليام بلوم" يقول فيها: "أيها القارئ لا تهتم مطلقاً بما يقال عن العامل الأخلاقي (في السياسة الأميركية) فالسياسة الخارجية ليس فيها أي عامل أخلاقي في تكوينها الأساسي، ونظف عقلك من تلك المتكدسات التي تصادفها في العناوين العريضة ولوحاتها".


