يطمّئن البعض نفسه بالقول إن قرار الكونغرس الأمريكي بتقسيم العراق ليس ملزماً، وإن إدارة البيت الأبيض لم تكن مؤيدةً أو مساندةً له، ولكنهم يتناسون أن انتخابات الرئاسة الأمريكية على الأبواب (خريف 2008)، وقد تغيّر الإدارة الأمريكية من رأيها، خصوصاً وإن القرار حظيَ على أغلبية كبيرة زادت على الثلثين (75 صوتاً مقابل 23 صوتاً)، ناهيكم عن الدور الذي ينتظر الديمقراطيين.
فهل سيصبح تقسيم العراق " أحسن" الحلول السيئة ؟! وهل حان موعد القطاف بحيث أصبحت الدولة العراقية برسم التقسيم بعد تجاوزنا مرحلة التنظير الى التفسير وصولاً الى مرحلة التشطير؟ وفي هذا السياق، ومن هذا المنبر تناولت تفاصيل مشروع جوزيف بايدن في 9 آب (أغسطس)2007، فلم يعد الحديث عن البلقنة أو اللبننة أو الصوملة أو الغسلفة أو الأفغنة مجرد حديث نظري، بعد أن دخلنا في حديث العرقنة بجزئياته وتفاصيله.
ورغم بعض النوايا الطيبة في دفع ما هو أسوأ أو بهدف إخفاء بعض الحقائق بما فيها فشل الاستراتيجية الأمريكية وامتداداتها العراقية، فإن العراق منذ الاحتلال وخصوصاً السنوات الثلاث الماضية دخل مرحلة الحرب الأهلية، وبخاصة بعد أحداث سامراء بتفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في 6 شباط/فبراير 2006، ولم تنفع معها الرغبات أو التمنيات، طالما بدأ التطهير المذهبي والطائفي والعرقي والتشظي المجتمعي، بفعل وصفة بول بريمر لمجلس الحكم الانتقالي عام 2003 وما ترتّب عليها من محاصصات وتعزيز دور الميليشيات واستشراء الفساد والرشوة وانفتاح الصراع على مصراعيه وصولاً الى المصارعة على الطريقة الرومانية، بحيث يموت أحد الطرفين ويُنهك حدّ الموت الطرف الآخر.
وبعد سنوات من الاحتراب المتنوّع وبعد خسائر مادية ومعنوية وفي الأرواح والأموال إعتقدت الولايات المتحدة أن الخروج من المأزق لا بدّ له من تشطير البلاد الى ثلاث أشطار تحت حجج ومبررات مختلفة، ولعل هذا هو جوهر مشروع جوزيف بايدن، الذي يعتقد أن التقسيم سيكون حلاً للعراقيين وللأمريكيين في آن، فهو من جهة يسمح للولايات المتحدة بالإنسحاب التدريجي، ومن جهة أخرى يضع حداً للعنف بإقامة كيانات مصغّرة حتى وإن كانت مجهرية من لون أو تكوين واحد.
صحيح أن العراق عانى من تمييزٍ وطائفية سياسية استثمرتها السلطات الحاكمة أحياناً، لكنها كانت محدودة ومعزولة وفوقية أي غير مجتمعية، فهي تجاذبات بين السلطة وأوساط وفئات واسعة ومتنوّعة، لكنها بعد الاحتلال جرت محاولات لتكريسها مجتمعياً ورأسياً، أي من القمة الى القاعدة، بفعل التوتر والاحتقان الذي استغله أمراء الطوائف، ولكن هل أن مشروع الكونغرس للتشطير الذي يدّعي أنه حامل لوعد سيكون حاملاً لبرهان؟
وباستثناء الحركة الكردية التي فسرّت قرار الكونغرس باعتباره ينسجم مع الدستور العراقي الذي أقرّ مبدأ الفيدرالية، فإن الغالبية الساحقة من العراقيين في السلطة وخارجها ومن معارضتها أيضاً، وإن كان بدرجات متفاوتة أدانت مشروع التقسيم باعتباره من أخطر المخططات التي جابهت الوضع العراقي ما بعد الاحتلال، وهو ما يعيدنا الى استذكار سؤال غراهام فولر من مؤسسة راند الأمريكية عن بقاء العراق موحداً لغاية العام 2002 ؟
ورغم أن الكثير اعتبر سؤال غراهام فولر استبطانياً وقد يحمل بعضاً من الرغبات المكبوتة أو اسقاطات على الواقع، الى أن جاء موعد الحديث عنها بصوت عالٍ، خصوصاً بوقوع العراق تحت الاحتلال، فبعد أكثر من عقدٍ ونصف من الزمان على سؤال فولر أخذ موضوع التشطير ووحدة العراق الإقليمية يوضعان على بساط البحث ليس للتنظير حسب بل للتنفيذ، وإن كان مثل هذه الأطروحات قد بدأ الترويج لها من قبل تروست الأدمغة ليس بشأن العراق فحسب، بل بشأن العالم العربي الذي وصفه الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور بأنه " أقيم قطعة عقار في العالم"!!
وكان كيسنجر قد تحدث عن دويلات ذات هوية آحادية، عرقية أم دينية أم طائفية أم مذهبية أم غير ذلك لسهولة تطويعها والاستيلاء على مصادر الثروة فيها ولمنع تهديدها لحليف الولايات المتحدة الاستراتيجي " إسرائيل". وكان الرئيس بيل كلينتون ونائبه آل غور وزير خارجيته كريستوفر قد طرحوا فكرة الشك ببقاء العراق موحداً، خصوصاً بعد معاقبة العراق كأول دولة بعد انتهاء الحرب الباردة، وكأخطر منتهكي الحظر على انتشار الأسلحة المحرمة دولياً.
وقد علّقت ادارة كلينتون الوحدة الإقليمية للعراق على سياسة المجتمع الدولي، خصوصاً باستمرار الحصار الدولي ونظام العقوبات اللذين أديّا الى التآكل التدريجي للمجتمع والدولة بإضعاف مقوّمات استمرار الدولة وذبولها مع عوامل هدم داخلية (سياسات الاستبداد)، بحيث يمكن الانقضاض عليها وتقسيمها وإلغاء نموذجها المركزي سواءًا عبر الفيدرالية أو الولايات أو غيرها.
ترافق مشروع إنهاك الدولة العراقية تمهيداً لتقسيمها بإصدار قرارٍ من الكونغرس الأمريكي أطلق عليه اسم " قانون تحرير العراق" عام 1998، وخصص الكونغرس للجماعات العراقية المتعاونة مع واشنطن أنذاك مبلغاً قدره 97 مليون دولار، وانعقدت على أساسه اجتماعات في وندسور وواشنطن، وكان اجتماع لندن المحطة الأخيرة عشية ضرب العراق، خصوصاً بصدور قرار مجلس الأمن 1441 الذي رغم أنه لم يرخّص للولايات المتحدة القيام بالغزو، لكنه كان فاصلاً لانتهاء الترتيبات اللازمة لتنفيذ المشروع، وبعد اجتياح العراق أصدر مجلس الأمن القرار 1483 في 22 أيار/مايو 2003 الذي " شرعن" الاحتلال، وكان حل المؤسسة العسكرية الإعلان الأول للبدء بفكرة تعويم الدولة تمهيداً لعملية التشطير.
إن مشروع مرشح الرئاسة السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، هو استكمال للتنظيرات التي سبقت الحرب، خصوصاً عندما يُراد القول إن التقسيم هو البديل عن الدولة المركزية، مثلما يقال اليوم إنه بديل عن الإرهاب، فالدولة المركزية حسب وجهة النظر هذه ويُراد دائماً مقارنتها بحكم صدام حسين تعني الاستبداد والديكتاتورية، وبالتالي لا بد من وضع ضوابط لعدم العودة اليها. وفي الوضع الحالي يعطي الدستور العراقي للأقاليم صلاحيات تفوق صلاحيات الدولة الإتحادية (المركزية ) أحياناً، خصوصاً إذا ما تعارضت قوانينهما، فلا بدّ إذاً من التقسيم الامر الذي تعتبره الحركة الكردية نتيجة منطقية لمشروع بايدن ولواقع الحال الفيدرالي، حسب تفسيراتها.
أما كون المشروع غير ملزم للعراقيين فهذا يعتمد على مدى مقاومتهم لهذا المشروع أولاً، وثانياً قدرتهم في استعادة هيبة دولتهم واستردادهم سيادتهم واستقلالهم المجروحين والمعوّمين، وثالثاً، قدرتهم في القضاء على الارهاب، ورابعاً سعيهم في تجاوز الطائفية بل تحريمها، وخامساً تمكنهم من تطويق الفساد المالي والاداري.
وفي الصدارة من ذلك وفي كل ذلك يقع موضوع تقصير أمد الاحتلال بوضع جدول زمني والتمهيد للانسحاب واعطاء دور مركزي انتقالي للامم المتحدة ضمن توافق دولي وإقليمي، والاّ فإن الولايات المتحدة المتحكّمة حسب القانون الدولي في الوضع العراقي بموجب القرار 1546 الصادر في 8 حزيران /يونيو 2004 والذي جرى تمديده عدة مرات ويراد استبداله نهاية العام القادم بمعاهدة طويلة الأمد يمكنها أن تمرر هذا المشروع الذي قد يستفيد منه بعض أمراء الطوائف وقد تأتي إدارة أمريكية جديدة 2008 لتعتبر قرار الكونغرس ملزماً لها مثلما اعتبرت إدارة كلينتون " قانون تحرير العراق" لعام 1998 ملزماً لها وتبعتها إدارة بوش حتى تم تنفيذ هذا القانون باحتلال العراق عام 2003.
ولكن هل سيقف التقسيم عند حدود العراق؟ أم أن عدواه ستنتقل الى دول الجوار العربي والاسلامي وعند ذاك سنكون أمام المشهد الذي تصوّره وسعى اليه هنري كيسنجر : عالم عربي وإسلامي يتشظى وينشطر الى دويلات وكانتونات وطوائفيات !! والكل أقليات!!..