لم
يكن الأتراك قد أفاقوا من صدمة
أواخر سبتمبر/أيلول الماضي،
عندما قتل حزب العمال الكردستاني
التركي
اثني عشر مدنيا كانوا يستقلون إحدى الحافلات في منطقة جنوب شرق
تركيا،
حتى
صُدموا
مرة أخرى
بحادثة
"
شيرناق
"
يوم
7
أكتوبر/تشرين الأول الجاري،
عندما هاجم مسلحو
الحزب
قافلة عسكرية أدت
إلى
مقتل13 جنديا وضابطا تركيا على مقربة من الحدود التركية
-
العراقية.
وكرد فعل على الصدمتين
جاءت التهديدات التركية باجتياح شمال العراق لمطاردة
أنصار
حزب
العمال لتضيف
أزمة
جديدة
للعراق،
الذي مزقته الحروب والفوضي
والاحتلال،
في وقت هو في
أمس
الحاجة للهدوء والتقاط الأنفاس.
وتثير هذه التهديدات مجموعة تساؤلات: هل يكون الخيار العسكري هو الحل الأنسب ؟ وهل ستتحول المواجهة في شمال العراق إلى مواجهة تركية – أمريكية ؟ وهل تركيا جاهزة للدخول في مثل هذه المغامرة التي ستعني مراجعة ملف الشراكة الاستراتيجية الأمريكية - التركية ؟
لقد كرر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عزم بلاده واستعدادها لشن هجوم عسكري على معاقل حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، ومن جانب آخر كشفت مصادر عسكرية تركية أنّ هيئة الأركان قد أعدت خططا عسكرية، لهجوم جوي على معسكرات حزب العمال الكردستاني، وقصف مدفعي، يتبعهما إنزال عسكري محدود في تلك المناطق، بهدف إقامة شريط عازل في شمال العراق بعمق 20 كيلومترا، بهدف التصدي لتسلل عناصر الحزب من شمال العراق إلى تركيا.
ولا شك أنّ أي تدخل عسكري تركي في شمال العراق لن يكون نزهة، بل سيغرق تركيا والأكراد في مستنقع لا يدري أحد نتائجه. فإذا أخذنا الأمور من الزاوية الاقتصادية البحتة، فإنّ كردستان العراق تعتمد اقتصاديا على تركيا، إذ أنّ الصادرات التركية لشمال العراق، وبالذات المواد الغذائية ومواد البناء، ستصل مع نهاية هذا العام، حسب معطيات غرفة تجارة ديار بكر، إلى حوالي 5 مليارات دولار. ومنذ عام 2003 وقّعت شركات البناء التركية عقودا بقيمة ملياري دولار، ومن المتوقع أن تنال الشركات التركية حصة معتبرة من المشاريع التي ستقام في كردستان العراق، خلال السنوات الثلاث المقبلة، والتي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار.
ومن جهة أخرى، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية، الحاضنة للتطلعات الكردية، لا تريد تخريب هذا النموذج الكردستاني في الاستقرار من خلال اجتياحات عسكرية تركية، لأنّ هذا العمل من شأنه أن يضعف القيادات الكردية العراقية، وفوق هذا وذاك فتح الأبواب على مصراعيها لانتقال الفوضى إلى الشمال العراقي، الذي ظل مضرب المثل في الأمن والاستقرار والرخاء الاقتصادي.
ومن المرجح أنّ الحكومة التركية ستستمع إلى التحذيرات الأمريكية: أي هجوم تركي على شمال العراق سيوجه ضربة قاصمة للعلاقات التركية - الأمريكية المتوترة أصلا.
إنّ جوهر المشكلة تكمن في وجود شعب محروم من حقوقه الأساسية، ولذلك فإنّ تواجد حزب العمال الكردستاني التركي لا يمكن أن يُحل بالقوة، فالقوة التي استعملتها القوات التركية، طوال ثلاثة عقود، لم تستطع القضاء على الحزب، ولم تجلب الأمن ولا الاستقرار للمنطقة.
ولعل أقوم خيار هو أن تقوم الحكومة التركية بإصدار عفو عام عن جميع مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بهدف ضم الحزب المذكور إلى العملية السياسية في تركيا، مع ضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الكردي ونبذ سياسة التمييز ضدهم. خاصة أنّ أوساطا ثقافية وسياسية كردية واسعة مقتنعة بأنّ تحالفا مع تركيا قد يشكل الحجر الأساس لأي حل جذري للقضية الكردية في الشرق الأوسط. وفي المنحى ذاته، دأب الأكراد، بمن فيهم أكراد حزب العمال الكردستاني، على إطلاق دعوات متكررة للسلام والتفاوض والحوارات السياسية مع الحكومة التركية.
إنّ تركيا في حاجة إلى تجاوز إرثها العثماني والكمالي في التعامل مع الشعب الكردي، وفي حاجة إلى إدراك حقيقة مفادها أنّ سياستها إزاءه، بل إزاء الديموقراطية في الشرق الأوسط برمته، ستظل متعثرة وناقصة وغير مؤثرة إذا ما واصلت سياسة الشكوك والاحتقان النفسي والتهديدات الفجة حيال الأكراد.
تونس في 14/10/2007 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 18/10/2007.


