|
حورات |
|
|
|
|
|
حول الشروط التاريخية للديمقراطية؟؟؟ - عبد العزيز غوردو |
||
|
2007-10-17 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
|
- هل كان لاقتراع 7 سبتمبر بالمغرب أن يفرز غير حكومة هجينة؟ -
أمر كان متوقعا في مغرب تعددت فيه الانتخابات أكثر من مرة... وغيرت سربالها أكثر من مرة أيضا... لكن لا جديد فعلي بعد كل انتخاب... حتى بعد أن اعتمرت بعمامة يسارية، وعباءة اشتراكية: نفس الوضع المتعفن، والبيروقراطية القذرة، والبطالة التي تعترض الأزقة والدروب... وزارة التربية ما حاربت الأمية المتفشية بين جدران مؤسساتها المهترئة، ووزارة الصحة تعاني من اعتلال مزمن في صحتها، ووزارة الشغل تقضم أظافرها من قلة الشغل، وحتى وزارة الأوقاف لا تطل على المواطن إلا مرة في السنة لتراقب هلال الشهر الفضيل، ثم تصبح هي نفسها مركونة مثل أوقافها لا يعلم المواطن ما يجري خلف هذا الكم المركون خلف أسوار الأوقاف... وهكذا باقي الوزارات الأخرى... وحدها وزارة الداخلية والأمن تتقوى ويزداد نفوذها بعد كل انتخاب: هل هي محض صدفة في هذا "البلد الأمين"؟؟؟ أم هي شهادة حية على ما يراد فعلا لهذا "البلد الأمين"؟؟؟ في ظل أجواء لا جديد فيها تحت الشمس، ما عدا الارتفاع الصاروخي للأسعار، الذي بات يؤرق وزارة الداخلية (والمعنيين بالشأن الانتخابي عموما)، تخوفا من مقاطعة "اليوم الموعود"... تم تدشين عملية هي الأولى من نوعها لضخ دماء جديدة في ديمقراطية يبدو أنها ولدت ولادة قيصرية منذ البداية... وذلك بتشكيل هيئات للمراقبة.. 37 بالمائة هي نسبة المشاركة فعلا، نسبة تتعدى ثلث المغاربة المعنيين بالاقتراع فقط، أما الثلثان المتبقيان فيبدو أنهم رفضوا التصويت... تتعدد الأسباب والدوافع ولا مجال لتحليلها هنا، لكن هل الهروب من صناديق الاقتراع هو الحل الناجع فعلا؟؟؟ كان بالإمكان أن نشجع على المقاطعة الانتخابية لو أنها كانت "سياسية واعية" فعلا، أو لو أنها كانت ستؤدي إلى إلغاء النتائج التي ستفرزها الصناديق، ومن ثم عدم مشروعية الحكومة المرتقبة.. دون أن نطمع طبعا في أن هذه المقاطعة كانت ستؤدي إلى ثورة اجتماعية، ربما حلم بها البعض خلال سنوات السبعينيات أو الثمانينيات من القرن الماضي... أما اليوم فلا مجال حتى لافتراضها على أجندة أي حزب أو تنظيم... بهذا فالمقاطعة، مهما كانت أسبابها، باتت هي نفسها عبء على ديمقراطية عرجاء، لا تحتمل ثقلا جديدا... والمتهم هاهنا هو المواطن وحده (خصوصا في الحواضر الكبرى التي ارتفعت فيها نسب المقاطعة)، علما بأنه(أي المواطن) هو أول من سيشتكي لاحقا مما أفرزته صناديق الاقتراع.. هذا شق أول.. أما الشق الثاني من السيناريو الذي تم إخراجه يوم السابع من سبتمبر، فينصب على تحليل بنية "المواطنة" لدى منظومة أشخاص آخرين لا يقلون سوء عن سابقيهم: المغرب، كباقي الجسم العربي، يعاني من عسر هضم "للديمقراطية"، التي يبدو أنه ابتلعها كمثل الدواء: جرعة.. جرعة... فاستعصى عليه الهضم... هو يحاول اليوم، في محاولة تبدو الأولى من نوعها، بملاحظة الانتخابات التشريعية (عبر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، و بعثة دولية تضم حوالي50 ملاحظا يشرف عليها المعهد الوطني الديمقراطي التابع للحزب الديمقراطي الأمريكي، وهو منظمة غير حكومية لها تجربة مهمة في مراقبة الانتخابات، بالإضافة إلى النسيج الجمعوي المغربي الذي سبق أن شارك في انتخابات 2002 ). وهي مسألة ثمنها، وأثنى عليها السيد أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (الرباط: 29/08/2007م)، حيث اعتبرها "بادرة مهمة جدا".. وخطوة أساس في استكمال بناء "دولة الحق والقانون"... في بادرة هي الأولى من نوعها في المغرب أعلنت الهيئة الوطنية لحماية المال العام (غير الحكومية) تأسيس المرصد الوطني لرصد أي خروقات خلال الانتخابات البرلمانية المقررة في السابع من سبتمبر خاصة التي تتعلق باستغلال المال العام في الحملات الانتخابية لدعم المرشحين... ورأى مراقبون أن تلك الخطوة تعكس إمكانية قيام المجتمع المدني المغربي لأول مرة بدور فاعل في إصلاح العملية السياسية، في ظل عجز الأحزاب عن القيام بمبادرات مماثلة، بل تعتبر هي المتهم الأول في إفسادها (العملية السياسية)... اليسار، ومعه اليمين (تحالف حكومي هجين لا يثير الغرابة في مجتمعاتنا العربية الهشة) مرتاح للعملية الانتخابية (راجع تصريح خالد الناصري عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، بتاريخ: 30/08/2007) التي تم تفصيل مقاسها مسبقا لبلقنة النتائج، حتى يكون معيار التشتت كبيرا، وبالتالي ضرورة العودة لائتلاف هجين آخر... وأحزاب المعارضة، وفي مقدمتها الإسلاميون، أبدت ارتياحا مشوبا بالحذر، لأن تاريخ التجارب السابقة لم تكن مطمئنة أبدا... 33 حزبا إذن كانت في الموعد، ومراقبة دولية ومحلية محدودة ما كان بإمكانها أن تغطي مجالا ترابيا شاسعا جدا... وهنا مكمن كل الخلل... كل شيء على الواجهة يبدو لامعا براقا.. والخروقات محدودة، وقد تمت السيطرة عليها، باعتراف وزير الداخلية المغربي نفسه، وهذا جزء من اللعبة التي تتقنها بلدان العالم العربي عموما، والمغرب ليس استثناء... والملاحظون الدوليون والمحليون، الذين كانت بضع عشرات من مكاتب الاقتراع كافية لابتلاع أعدادهم (وغالبا في المدن الكبرى) خرجوا بانطباع عام يجنح نحو نزاهة وشفافية العملية عموما... لكن ما الذي كان يجري في الخلفية هناك في الأرياف والقرى والمدن الصغرى المنتشرة شذر مذر؟؟؟ لا شيء مما كان مسطرا قد حصل: ما زال المال الحرام يخترق الأفئدة والقلوب، مستغلا الأمية المتفشية بين المواطنين، وما زالت النعرات القبلية – التي تصل حد المواجهات والاصطدامات – تتحكم في شريحة كبيرة من الأصوات التي يفترض أن تتوجه إلى الصندوق الشفاف، بل ما زال بعض زعماء القبائل يلغون شخصية المنتخِب تماما فيسحبون منه بطاقته الانتخابية بالقوة، ويضعون في الصندوق الشفاف ما يرونه مناسبا له، وما زالت المرأة القروية مغيبة قسرا أيضا، حيث يعبر عنها زوجها، وأحيانا تعبر عنها امرأة أخرى (تحت الزي التقليدي الذي يجعل التأكد من هويتها من سابع المستحيلات)، وما زال أعوان السلطة يزكون هذا المرشح ضد ذاك، متجاوزين الحياد المفترض للإدارة... روايات وشهادات كثيرة تروى تتحدث عن تورط هذا الشخص أو ذاك، وغالبا من الأعيان، بعضهم وصل فعلا إلى مخفر الدرك أو الشرطة، لكن بقدرة قادر تم طمس معالم "الجريمة"... بالمال الحرام، أو بالعصبيات القبلية... أو بالزبونية الحزبية أو النقابية... أو حتى بالطقوس التقليدية البالية (طقس "العار")... تدعو الناس للشهادة، فينفضوا من حولك، أيضا تحت ضغط المال أو العصبية القبلية أو لطقوس عفا عنها التاريخ... والخلاصة وأنت تتجول في مناطق الريف المغربي تقف بالعيان على جميع أشكال الفساد الانتخابي (التي تعرفها والتي لا تعرفها.. فالابتكارات والحيل والتحايل مجال مفتوح للإبداع الذي يبدو أن عينة من الناس قد برعت وتفننت فيه).. وأنت تتجول في هذه المناطق أيضا، تعرف مسبقا من سيفوز هنا ومن سيفوز هناك.. وتتأكد لديك القناعة (بعد الانتخابات) أن ما جرى في "اليوم الموعود" لم يكن إلا تحصيل حاصل، وإضفاء مشروعية على واقع فاسد معلوم مسبقا... خروقات كثيرة وقعت، منذ أن بدأت الأحزاب في هندسة "مدونة انتخابية" يستفيد منها الجميع، بمعنى آخر "بلقنة النتائج"... ونسق السلطة في المغرب – المخزن - لا شك يبارك مثل هذه الخطوات، خاصة وأنها تأتي من الأحزاب المتنافسة نفسها.. ولم تتوقف هذه الخروقات حتى يوم الاقتراع، ويؤسف حقا أنها وقعت... ويؤسف أكثر أن معظمها لا يترك أثرا أو دليلا: هل هي الجريمة الكاملة التي يفشل عادة في تحقيقها اللصوص والمجرمون، ينجح في تنفيذها "مهندسو الانتخابات" في بلداننا؟؟؟ "الديمقراطية الحقيقية" تقتضي "محاسبة حقيقية" أيضا... وهو ما لم ينتبه له المواطنون مع الأسف.. وأفلت منه مهندسو السياسة في النهاية... كان مهندسو السياسة، بما فيهم الأحزاب المشبوهة، يريدون نتائج تجزيئية، تنتهي قطعا بتحالفات هجينة يصعب محاسبتها في نهاية أي دورة حكومية أو برلمانية... وقد وقع المواطن في الفخ المنصوب له بإحكام: قاطعت الغالبية العظمى من الهيئة الناخبة، ولعبت عوامل أخرى عديدة في تشتيت القلة المتبقية التي توجهت نحو الصندوق الشفاف... الصندوق كان شفافا فعلا... لكن هل كانت العملية بريئة شفافة فعلا؟؟؟ أكيد أن جواب السؤال أعلاه سيكون بالنفي القاطع.. ودليلنا على ذلك تشكيلة الحكومة التي ترتبت عن هذه "الطبخة" كلها: ليس هناك حزب واحد فائز بالأغلبية.. ومن ثم دعوة جديدة، وكما العادة، للدخول في لعبة التحالفات... هذا أولا... الغريب، ثانيا، أنه رغم تكليف الحزب الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد بتشكيل الحكومة، إلا أن تركيبة هذه جاءت هجينة جدا: حيث تم إقصاء الحزبين الكبيرين (الثاني والثالث على مستوى النتائج) والدخول في تحالف مع أحزاب صغيرة جدا، لم تكد تضع لها حتى موضع قدم داخل قبة البرلمان... أما إتمام التشكيلة الحكومية فقد جاءت من فريق "التكنوقراط".. الخارج عن دائرة المحاسبة السياسية، كما دلت على ذلك تجارب سابقة، فعن أي حكومة ديمقراطية متجانسة يتحدثون؟؟؟ العملية الديمقراطية الحقيقية تقتضي فوز حزب واحد، أو طيف واحد على أكثر تقدير، حتى ولو كان الشيطان... بهذا يتحمل هذا الحزب (أو الطيف) مسئولية تسيير الشأن العام (تنفيذيا) ويتحمل بالتالي كامل المسئولية عن تطبيق برامجه، ويحاسب على أدائه في النهاية... أما وقد جرت الأمور وفق ما جرت عليه، فقد "ضاع دم القتيل" بين القبائل، عفوا: بين الأحزاب... وسنجد نفسنا بعد حين نجتر نفس العثرات، ونعيش نفس الواقع الفاسد المتعفن... وفي مثل هذا الواقع الآسن يحلو للطفيليات أن تعيش وتتكاثر دون رقيب أو حسيب... أكيد أن "أقانيم السلطة" أرادت للانتخابات أن تمر بالطريقة التي مرت بها، لكن الأكيد أيضا أن المواطن، بصمته، أو بجهله، أو باشتراكه الفعلي... مسئول – كامل المسئولية – عن مثل هذه الممارسات التي تفرز واقعا سيئا، سرعان ما يعود هو نفسه للتذمر والشكوى منه لاحقا... فهل له حق التذمر والشكوى من واقع كان هو نفسه من ساهم في إفرازه، أم أنه فاقد لكل حق، بما في ذلك حق الشفقة نفسه؟؟؟
|
||
|
|
|
حورات |


