المجتمع
العراقي، كما حلله عالم الاجتماع العراقي علي
الوردي، نسيج اجتماعي،
موزاييك، يتألف من تنوع عرقي وديني ولغوي
كبير. فإلى جانب
العرب من
الشيعة والسنة الذين يشكلون الغالبية في
البلاد، هناك الأكراد، والتركمان، والمسيحيون
العرب، والصابئة. وهذا التنوع قد أثرى الحياة
العراقية الثقافية والاقتصادية، ولكنه لم
يثرها سياسيا،
مما جعل الوطنية العراقية الجامعة تتآكل أمام
غول الانتماءات ما قبل الوطنية.
وبما أنّ السلطات المركزية المتعاقبة في بغداد
لم تستطع النهوض بعبء مهام بناء الدولة
الوطنية
الحديثة،
فإنّ البعض يعتقد بأنّ اختفاء رائحة الموت من
العراق مشروط اليوم، أكثر من أي وقت مضى،
بالدعوة الصريحة إلى إقامة نظام فيدرالي.
وفي
هذا السياق يندرج قرار الكونغرس الأمريكي غير
الملزم للإدارة، وقد وصفته وزيرة الخارجية
كوندليزا رايس بأنه " خطأ كبير "، ولكنه يؤشر
إلى أنّ
ما حصل بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ليس مجرد
سقوط لنظام ديكتاتوري، بل
ينطوي على
الإخلال
بتركيبة المنطقة تمهيدا لإعادة النظر فيها،
وهو بمستوى أهمية ما جرى في مرحلة ما بعد سقوط
الدولة العثمانية.
إنّ
العراق في تجربته التاريخية الصعبة التي
يجتازها اليوم، وسواء نجح فيها أم فشل، سوف
يكون
أنموذجا
حقيقيا في تطبيقاته على بلدان عربية أخرى. ففي
ظل الأوضاع السياسية المهترئة التي تعاني منها
العديد من الدول العربية ومجتمعاتها،
وحالات النفور السياسية التي تعبر تعبيرا
حقيقيا عن انقسامات داخلية مريعة، ليس من
المستبعد أن تتأثر به بلدان وبيئات أخرى.
ومن المؤكد أنه
ليس
لانعدام
الاستقرار
المزمن
في
المنطقة
العربية
مصدر
واحد،
فمصادره
متعددة
ومختلفة،
وأول
ما
ينبغي
الإشارة
إليه
في
تحليل
هذه
المصادر
الموقع
الجيو - سياسي
المميز
الذي
تحتله
المنطقة العربية.
فمما
لا
شك
فيه
أنّ
المنطقة
قد
شكلت ولا
تزال
تشكل
مركز
جذب
وميدان
تنافس
دائم،
وبالتالي
ساحة
صراع
وتنازع
دولي،
تتجدد
أسبابه
وتتبدل
ولكنها
مستمرة
بلا
انقطاع.
كما
لا
شك
أنّ
الجغرافيا
المصطنعة
التي
حكمت
اتجاه
وشكل
تطور
العالم العربي المعاصر بعد
الاستقلال
هي
المصدر
الأهم
لانعدام
الاستقرار
الذي
عرفته
المنطقة.
ولعل من أهم الدراسات التي ظهرت بعد
زلزال
11 أيلول
2001،
والتي نرى أنها الرافد الأساسي
لأغلب
المبادرات الأمريكية،
بما فيها قرار الكونغرس حول تقسيم العراق،
التقرير الذي وضعه المحلل في مؤسسة " راند
كوربوريشن " للدراسات لوران مورافيتش، أحد أهم
المصادر للتعرف على ما تضمره
المؤسسات والإدارة
الأمريكية تجاه المنطقة العربية. فما ينتهي
إليه التقرير، في مجال " الاستراتيجية الكبرى
للشرق الأوسط "، يقول ما يأتي: العراق هو
المحور التكتيكي، السعودية هي المحور
الاستراتيجي، مصر هي الجائزة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ مشروع إعادة تشكيل
المنطقة يتلازم عضويا مع خطة " الفوضى الخلاقة
" التي أشرف على وضعها نائب الرئيس الأمريكي
ديك تشيني منذ سنوات، وباتت من أساسيات
سياسة الإدارة.
إذن ما تمارسه السياسة الأمريكية حاليا في
المنطقة
هو عملية هدم، متبوعة أو مقترنة بعملية بناء
شرق أوسط موالٍ، تفشل عمليات استقطابه إلى
القوى الدولية الأخرى، بربط هذا الإقليم
سياسيا واقتصاديا بالولايات المتحدة
الأمريكية،
وتشمل عملية الهدم: تغيير نظم، واختراق
ثقافات، ومنع تشكيل محاور ثنائية أو ثلاثية،
بل وأيضا تشمل إعادة صياغة الكتل الإقليمية
ومنها الكتلة العربية في هذا الشرق الأوسط
الموسع، كما تشمل عملية الهدم تفكيك دول وفقا
لخريطة إثنية للإجهاز تماما على الرابطة
العربية، وإحداث ضمور كبير في كل الأحزاب
والأشكال التنظيمية التي تعتنق الفكر القومي
العربي وتعمل على إحيائه وتجديده.
ولا شك أنّ
المشاريع الخارجية ما كان لها أن تنجح لولا
أنها وجدت عوامل داخلية تحقق لها هذه الأطماع،
سواء كانت هذه العوامل سياسات خاطئة تكرس
الأوضاع ما قبل الوطنية وتغذيها، أو صراعات
داخلية تقتات على هذه الأوضاع وتستغلها.
إنّ مشكلة العرب
الأهم هي
عدم إنشائهم حيّزا للسياسة خارج روابط القرابة
والدين والمذهب، لذلك بدت أغلب الأقطار
والمجتمعات العربية عصية على التوحد الوطني،
ملغّمة بكل عوامل الانفجار الداخلي والتشرذم
القبلي والطائفي والمذهبي والإثني والعشائري.
لقد فشلت أغلبية الحكومات العربية، على مدى
أكثر من ستين عاما، في بناء دولة لكل
مواطنيها. وبالتالي، فإنها مسؤولة مسؤولية
مباشرة عن تشويه صورة الدولة المركزية إلى حد
جعل شرائح واسعة من مجتمعاتها تتطلع إلى صيغ
حكم بديلة، قاسمها المشترك تقليص دور السلطة
المركزية أو حتى الانفضاض من حولها.
وفي الواقع، إذا كان المجتمع العراقي معقدا
على أشد أنواع التعقيد، فإنّ مجتمعات
عربية
مجاورة له، معقدة المركبات وقابلة لأن تتعامل
مع نفسها على منوال العراق تحت مسميات مختلفة.
فبعد أن تغيّر
العالم من حول النخبة الثقافية والسياسية في
المجالين العربي والإقليمي، وتغيّرت
الظروف الداخلية والخارجية، وصارت بلدان
المشرق في دائرة تحديات جديدة وشديدة التعقيد،
فإنها شرعت في إعادة النظر في كثير من
مسلماتها وأنماط تفكيرها وطرائق عملها
وعلاقاتها، وإطلاق أفكار وآليات جديدة باتجاه
مشروع مستقبلي لبلدانها وللمنطقة، يتجاوز حمى
الانقسامات والصراعات.
وقد تكون الأنظمة اللامركزية، بما فيها النظام
الفيديرالي، أحد خيارات المشروع. لكن الأهم من
ذلك كله، أن لا تذهب هذه النخب إلى فرض أية
خيارات على شعوبها بالقوة، وخاصة بقوة المحتل
الأجنبي.
وفي هذا السياق، ثمة احتمالان ينضجان في واقع
العرب الراهن: احتمال أن نذهب إلى مصالحة
تاريخية بين أطراف السياسة والمجتمع، تتيح
انتقالا تدريجيا وآمنا نحو وضع بديل، نقبله
جميعا لأنه من اختيارنا، واحتمال نقيض يعني
تحققه ذهابنا من أزمتنا الراهنة إلى حال مفتوح
على الاقتتال والفوضى. هذان الاحتمالان هما
بديلان تاريخيان للواقع العربي الحالي، يمثل
أولهما فرصة وثانيهما كارثة. ولكي يرجح احتمال
الفرصة فلندرك أنّ الدولة المركزية واحتكار
القرار السياسي والإداري لم يعودا ممكنين في
ظل عالم يتجه نحو اللامركزية وتوسيع دائرة
المشاركة واحترام الخصوصيات.
تونس في
4/10/2007
الدكتور عبدالله
تركماني
كاتب وباحث سوري
مقيم في تونس
(*)
– نُشرت في صحيفة " المستقبل " اللبنانية –
17/10/2007.