بعد الصدمة التي أحدثها قرار مجلس الشيوخ الأميركي بشأن تقسيم العراق إلى ثلاث فيدراليات، كردية وسنية وشيعية، برزت ردود أفعال عربية غير ناضجة، تعكس حالة الأوضاع السياسية المهترئة التي تعاني منها الكثير من الدول العربية ومجتمعاتها، وحالات النفور السياسية التي تعبر تعبيراً حقيقياً عن انقسامات داخلية مريعة.
إنّ القرار يؤكد منافع الفيدرالية، ويخلص إلى أنّ على الإدارة الأميركية أن تشجع على الحل السياسي من خلال الفيدرالية. فقد أكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ جوزيف بايدن، أنّ الخطة ليست لتقسيم العراق بل هي ''ستحافظ على العراق بإحياء نظام الفيدرالية المتضمن في دستوره. إنّ الفيدرالية هي الإطار الذي يحقق الرغبات المتناقضة لمعظم العراقيين للاستمرار ككل ورغبات الكثير من الجماعات لحكم أنفسهم في الوقت الراهن. كما أنها تعترف بحقيقة الاختيار الذي نواجهه في العراق: فترة انتقالية إلى الفيدرالية أو تقسيم حقيقي عبر الحرب الأهلية''.
إلا أنّ وجه الخطر في تصور الخطة أنه يطرح الأمر ليس باعتباره مجرد إنشاء نظام سياسي فيدرالي تحت مظلة دولة اتحادية ذات حكومة مركزية، كما يؤيد ذلك نسبة عراقية معتبرة، وإنما تقسيم للبلد وفق أسس طائفية وعرقية، مشفوعة بتقاسم للثروة وبخطوط فاصلة بين نسيج المجتمع العراقي، بما يمهد لتقسيم العراق فعلا.
وفي هذا السياق، لا يكفي الاستمرار في توجيه الانتقادات الحادة، والمشروعة بالطبع، ضد كل ما يشتم منه محاولة لتقسيم العراق. فبقدر ما أنّ إدانة ورفض هذه المحاولات أمر ضروري، بقدر ما هو أمر غير كافٍ ولا يغير مسار الأمور، طالما أنّ العراق يسقط في الهوة التقسيمية التي تدفع إليها صراعات المصالح والاستراتيجيات المحلية والإقليمية، التي تتغذى من هويات قاتلة وجريحة ومأزومة تحاول أن تجد تسويات للحاضر ولكنها غير مطمئنة للمستقبل.
إنّ مجرد الإعلان عن الرفض لا يكفي، بل لابد من ترجمته إلى واقع جديد، تعاد فيه الحسابات على أساس صياغة مشروع يوحد العراقيين حول المشتركات الوطنية. إنّ مكمن الخطر، الذي يستحق لا مجرد القلق بل المعالجة، هو الانقسام العراقي. إذ لا يحتاج المرء إلى أكثر من نظرة سريعة ليكتشف أنّ العراق الجديد، كما هو في الدستور، ليس العراق الاتحادي الذي حلم به أهله دائما، إذ فيه فيديرالية طوائف ومذاهب وأعراق وعشائر، واستئثار أجزاء من شعب الدولة الاتحادية بثروات البلاد على حساب أجزائه الأخرى، والأخطر من ذلك كله من دون قبول فئات واسعة من العراقيين لمثل هذا النوع من نظام الحكم.
إنّ الأمر يتطلب بلورة عقد وطني جديد يخلق مساحة سياسية في العراق لمشاركة قوى سياسية واجتماعية واقتصادية غير طائفية في العملية السياسية الوطنية. وهذا يستدعي العودة إلى مربع التسوية الشاملة، التي تتناول الموضوعات والمسائل الأساسية كافة التي تهم جميع الأطراف العراقية الرئيسة، ومن خلال انخراط جميع هذه الأطراف والقوى العراقية في عملية صياغة هذا العقد الوطني الجديد، على أن تواكب هذه العملية السياسية عملية سياسية دولية وإقليمية في إطار الأمم المتحدة، توفر الضمانة لإنجاحها وتثبيت نتائجها وحماية هذه النتائج.
ومن المؤكد أنّ مسألة الفيدرالية تشكل واحدة من المشتركات الوطنية الأساسية المختلف عليها عراقيا، وأنه لدى الحديث عن مخطط لتفتيت العراق وتقسيم المنطقة فإنه لابد من إيضاح أنّ المقصود ليس الأكراد، فهؤلاء أمة ظُلمت على مدى تاريخ هذه المنطقة وهؤلاء من حقهم، مثلهم مثل العرب والفرس والأتراك وكل أمم الأرض، أن تكون لهم دولتهم القومية والمستقلة، وهؤلاء من حقهم أن يرفضوا الصيغة الطائفية وأن يتمسكوا بالصيغة القومية على أساس أن تكون هذه الفيدرالية عربية ـ كردية فقط. على أن يدرك الأكراد أن وحدة الدولة العراقية هي مظلة الحماية لهم، من غضب الجارين التركي والإيراني اللذين سينقضان على أي كيان يمكن أن يشكل قاعدة انطلاق نحو دولة الأكراد الكبرى.
إن الفارق بين فيدرالية كردستان ومشروع فيدرالية الوسط والجنوب، وأية فيدرالية إضافية، هو فارق جوهري، حيث إنّ لإقليم كردستان خصائصه القومية، والجغرافية، والثقافية، واللغوية المتميزة، كما أنّ الإقليم لا يضم الأكراد وحدهم، بل يضم أيضا أقليات قومية أخرى، كالتركمان، والكلدو - آشوريين.
إنها خطوة متقدمة جدا أن تتخلص تجارب الحكم في المنطقة العربية من المركزية الشديدة لحساب النظم اللامركزية. وإذا كانت الفيديرالية على أساس قومي، تضفي على المسار الديمقراطي مزيدا من النضج والتكامل، فإنّ الدعوة لفيديرالية على أساس مذهبي هي على النقيض عامل إقلاق ومحاولة تمييز غير صحي، تفضي إلى إرباكات كثيرة في عملية البناء الديمقراطي ومفهوم المواطنة.
إن الخيار ليس بين المركزية الطاغية، أو التقسيم، أو الفيدراليات الطائفية، بل هو بين هذا كله وبين نظام ديمقراطي حقيقي، تضمن فيه صلاحيات الحكومة المركزية، في المجالات الكبرى كالخارجية والدفاع وإدارة الثروة النفطية، حكومة قادرة على حل القضايا المعلقة والشائكة. إنه أيضا النظام الذي يضمن، في الوقت نفسه، أوسع صلاحيات اللامركزية للمحافظات والمناطق خارج كردستان، بلا استئثار هذه على حساب تلك.

*
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس