لم يتوقف الجدل بين الإقتصاديين بشأن أيهما الأكثر أولوية، توفر السيولة المالية محلياً، أم توفر السياسة التنموية المحلية ومن ثم الإدارة الإقتصادية المثلى.

يأتي هذا الحديث في إطار طفرة اسعار النفط الحالية حيث تراكمت فوائض مالية في الدول العربية النفطية وخاصة في الجزيرة والخليج، وهي فوائض وجدت طريقها باتجاه الخارج وليس باتجاه محلي أو قومي!

إتجاه وطبيعة الإستثمارات

          ففي ظل سعيها للانتشار عالميا واصلت الشركات العربية عمليات الاستحواذ أو المساهمة في شركات أجنبية قائمة في بلادها أو تأسيس شركات جديدة خارج أقطارها. ففي هذا الإطار قام بنك يتخذ من البحرين مقرا له بشراء شركة بريطانية متخصصة في خدمات الطاقة والبناء مقابل 311 مليون دولار، وقام بنك آخر من البحرين بتملك محفظة عقارية في فرنسا تبلغ قيمتها 105 ملايين دولار مع احتفاظ الجانب الفرنسي بحصة 10% في المحفظة.

 كما عقد بنك مسقط في سلطنة عمان اتفاقية مع إحدى المجموعات الهندية التي تعمل في قطاع الأوراق المالية لشراء حصة تبلغ 43% من المجموعة الهندية، ليصبح بذلك أول بنك عربي يدخل في قطاع الأوراق المالية الهندي.وفي ماليزيا وافقت مجموعة مصرفية على بيع أصول تمتلكها إلى تحالف يضم مجموعة شركات كويتية.يذكر أن هذه الصفقة تأتي ضمن خطة استثمارية للتحالف الكويتي تبلغ تكاليفها 4.3 مليار دولار.

أيضا قامت شركتان استثماريتان ان الكويت بشراء شركة بريطانية لصناعة السيارات الفاخرة في صفقة جاوزت قيمتها 925 مليون دولار،في حين أبقت الشركة البريطانية على جزء يعادل 70 مليون دولار من حصتها.كما قام بنك قطر بفتح فرع له في العاصمة اليابانية ضمن خطته للتوسع خارج قطر.

من ناحية أخرى، أعلنت عدة شركات إماراتية عن استثماراتها في الخارج و منها قيام إحدى شركة / إي تي إيه ستار/ للعقارات التابعة لمجموعة شركات/ إي تي إيه أسكون/ الإماراتية بتوقيع مذكرة تفاهم مع حكومة ولاية تاميل نادو جنوب الهند تتولى بموجبها إنشاء منطقة اقتصادية لتقنية المعلومات وبلدة متكاملة في مقاطعة "كانشيبورام " الهندية بتكلفة/923/ مليون دولار.كما قامت شركة إماراتية تابعة لحكومة دبي بشراء منطقتين للأعمال في بريطانيا بنحو 387 مليون دولار. أخيرا  تقوم شركة ( إنشاء ش.م.خ) الإماراتية حاليا إنشاء أطول برجين تجاريين في باكستان بصفقة قيمتها 900 مليون دولار.

الطابع العشوائي للحراك المالي

          لا تتحرك الأموال عالمياً من أجل الربح فقط وإن كان حافزها الأساس. ففي هذا المستوى تدخل السياسة الإقتصادية للحكومة، هل هي بصدد الهيمنة على اقتصاد بلد ما تقوم بتركيز استثماراتها فيه، وهل يمكنها ذلك، وهل تسمح حكومة البلد المضيف بحصول هذه الهيمنة؟

هل المواقع التي يتم الإستثمار فيها هي مواقع استراتيجية صناعيا وتقنيا أم هي خدماتية؟

وهل توفر تلك الدولة حماية للإستثمارات الأجنبية في حال حدوث تحولات سياسية في البلد المضيف وهي تحولات تأخذ حتى اليوم منحيين:

الأول: منحى التغير في النظام السياسي مما يُفقد الإستثمارات الأجنبية الضمانات التي حصلت عليها، هذا إلى جانب مدى استقرار النظم الإقتصادية في تلك البلدان وحدود تعرضها للهزات الإقتصادية كما حدث في جنوب شرق آسيا 1997.

والثاني: طبيعة التناقض السياسي بين نظام البلد المضيف وبين هذه البلد. فالدول الرأسمالية الغربية سرعان ما تنعت شركة أو دولة عربية "بالإرهاب" وهو أمر يمكن أن يقود إلى تجميد أرصدة البلد العربي أو وضع اليد على متلكاتها. وهي حالة تكررت مع العراق وإيران وليبيا، ومع العديد من الشركات العربية.

          إلى جانب هذا كله، هل تنعدم فرصة الإستثمار في البلدان العربية، الإستثمار البيني؟ فقد تبنت مختلف البلدان العربية تشريعات مغرية للإستثمار الأجنبي المباشر، شديدة الإنفتاح. فلماذا لا تتجه الإستثمارات العربية نفسها إلى البلدان العربية؟

          هل المسألة مرتبطة عملياً بقرار سياسي بالمفهوم المعاكس، بمعنى أن التجزئة العربية هي التي تتحكم بالقرار الإقتصادي فتدفعه إلى الخارج لتعميق غير المشترك على حساب تطوير المشترك عربياً؟ وإذا كان الأمر غير هذا، فلماذا لا يتم تطوير السوق العربية المشتركة، أو المتاجرة والاستثمار البيني بين دولة وأخرى؟