الاستخفاف
بعقول الناس. ظاهرة طالما كنا نشكو منها في
الإعلام الرسمي العربي . لكنها لم تعد ظاهرة
إعلامية، بل مسلكا عاما يتبناه معظم رجال
السياسة في العالم العربي. يخرجون علينا من
صفحات الصحف وشاشات التلفزيونات، ليطلقوا
تصريحات لا يمكن أن تنطلي على طفل في الخامسة.
والطامة الكبرى أنهم لا يعدمون من يصفق لهم.
عشرات النماذج على ذلك يمكن التقاطها كل مساء
لكن كلام سعد الحريري مساء أمس، عن أن أميركا
قد دافعت عن لبنان خلال عدوان تموز، يبدو
سرياليا في وقاحته، وفي بلاهة اعتبار الناس
بلهاء. فمن لا يعرف أن حرب تموز كانت وللمرة
الأولى، حربا أميركية بأداة إسرائيلية وليس
العكس؟ ومن لم يسمع جون بولتون يصرح من الأمم
المتحدة، فور انتهاء تلك الحرب، بأن واشنطن
منعت إسرائيل من وقف إطلاق النار منذ اليوم
الثالث للحرب. والسبب أنها كانت تأمل القضاء
على حزب الله خلال أسبوعين؟
كل الناس سمعت إلا سعد الحريري، فربما كان
زعيم تيار المستقبل مشغولا بأمور أخرى أهم من
الحرب على بلاده. ربما لم يكن مصحصحا (لأنه
دائما نعسان)، عندما أذيع الخبر، ربما كان
نائما عندما خرجت تسيفي ليفني تتذمر لأنها
تريد وقف الحرب ولا يتجرأ أولمرت على
الاستجابة لرأيها بسبب الضغوط الأميركية.
ولكن ألم ير السنيورة يبكي شاكيا متسولا،
فلماذا لم يجفف دموع صاحبه مطمئنا بأن أقوى
دولة في العالم تدافع عنا. ولماذا لم يطلب من
قائد المقاومة وقيادة الجيش بأن يذهبوا إلى
مضاجعهم ويصرفوا عناصرهم طالما أن الأميركيين
تكفلوا بالدفاع عنا؟
ولكن، من قال إن الشيخ سعد يقصد بالنا لبنان؟
ومنذ متى كانت النا عند فريق تعني الفريق
الآخر؟ النا في هذه المرحلة تعني على لسان
الملياردير الذي لم يحمله شيء إلى القيادة إلا
ملياراته، تعني فريق 14 آذار. وربما كان صحيحا
أن الولايات المتحدة كانت تدافع عن هذا الفريق
من خلال حرب تموز. أفلم تكن تلك الحرب تهدف
إلى القضاء على القوة الرئيسية في فريق 8 شباط
المقابل: قوة المقاومة وخصوصا حزب الله. ولو
تحقق ذلك لما كان بإمكان ميشال عون أن يواجه
وحده، أو بمن حوله من مكونات المعارضة، القوة
الميليشياوية لقوات سمير جعجع ووليد جنبلاط،
مدعومة بمال الحريري وخبرة أمين الجميل،
ومتواطئة مع حكومة السنيورة. لو تحقق ذلك
لأصبح من السهل على 14 اذار أن تقيل الرئيس
إميل لحود وتكرر سيناريو 1982 : تأتي برئيس
على المقاس الأميركي، ينفذ اتفاقا يستفيد من
تجربة اتفاق 16 أيار المرحوم. هذا في حين يكون
القضاء على المقاومة، قد حجّم كل القوى التي
يمكن أن تمنع اتفاقا كهذا أو أن تسقطه، خاصة
وإن سوريا تصبح تحت التهديد المباشر، مما
يحقق ثلاثة أهداف معا : أولا، إجبار دمشق على
التعاون الكامل مع الأميركيين لمواجهة
المقاومة العراقية، ثانيا، منعها من التدخل
للحؤول دون سقوط لبنان نهائيا في الحضن
الأميركي والإسرائيلي، ومن الضغط لإلغاء أية
اتفاقية تسليم كما حصل مع 16 أيار، وثالثا،
الضغط على سوريا للاندراج نهائيا في الشرق
الأوسط الجديد والانصياع للتبعية للأميركيين
ولإبرام معاهدة تطبيعية مع إسرائيل.
هذا في حين يحقق هذا السيناريو قطع الأذرع
الرئيسية لإيران خارج حدودها، مما يحد من
طموحاتها التي تجاوزت الحدود المقبولة أميركيا
وإسرائيليا، ويسهل على إسرائيل أن تقوم بضربة
للمنشآت النووية الايرانية دون خوف ردة فعل
على الحدود الشمالية، وبالتالي يسهل اخضاع
طهران للإملاءات الأميركية، سواء في العراق أو
في الامتداد الآسيوي حتى روسيا، أو في سياسات
النفط والغاز .
وغني عن القول إن من شأن تحقق هذا السيناريو
أن يخنق كل قوى الممانعة للأميركيين في كل
أقطار المنطقة.
لأجل هذا كله ، صدق الشيخ سعد بقوله إن أميركا
كانت تدافع ( عنا ) ، أفلا تستحق كل هذه
الأهداف أن تستمر واشنطن بحماية فريق من
اللبنانيين؟