|
حورات |
|
|
|
|
|
لقاء مع الدكتور عبد الحسين شعبان - أجرى الحوار : ناصر الغزالي |
||
|
2007-10-13 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
|
لمجلة مقاربات مابين عالمه الإنساني، مدافعاً عن قضايا حقوق الإنسان بما يملك من قدرة فكرية وثقافية ونضالية على ذلك، وألمه الداخلي على ما جرى لوطنه وعشقه المكاني للعراق، ذرف دمعته الحزينة المتشنجة أثناء هذا اللقاء. دمعة هي أعزّ على الرجل من كل شيء، لكنه العراق أيها الصديق كما قال. فسونامي العراق أضفت على عينيه أمواج متلاطمة اجتاحت أعماقه وكينونته الداخلية، فأبتلع نفسه ونزّت دمعته دون إذن ودون تحكم منه. إنه الدكتور عبد الحسين شعبان الإنسان والمناضل من أجل حقوق الانسان التي عبث فيها طاغوت الظلم، خلال حكم استبدادي دام عشرات السنين، واحتلال أنغلوسكسوني هو الأكثر عنفاً وتحطيماً للإنسان وكرامته والأكثر عبثاً بالوطن ووجوده. إنه الصديق الذي عاشرته خلال مدة 12 عاماً من خلال عمل مشترك عبر أروقة المنظمات والجمعيات والمؤتمرات المعنية بحقوق الإنسان، فكان هذا اللقاء معه في الدوحة بقطر . ناصر: دكتور عبد الحسين شعبان صديق عرفته عن قرب والتمست آلامه عبر مرحلة المنافي الطويلة والمستمرة . هل يوجد اختلاف في البعد عن الوطن قبل الاحتلال وبعده؟ دكتور عبد الحسين شعبان: الوطن بالنسبة لي هو الوطن. الوطن ليس دجلة والفرات، أو شارع أبو نواس أو مسقط الرأس أو مواطن الصبا أو زملاء المدرسة. الوطن بالنسبة لي هو الحرية كان وما يزال وسيبقى هو الحرية، حيثما توفرت الحرية هناك وطن ، الوطن بدون حرية يتحول إلى شيء آخر، إلى نوع آخر من الكوابيس، إلى استلاب الآدمية أو انتهاك للإنسانية، إلى المّس بالحياة البشرية الآدمية الطبيعية لذلك تعتبر الحرية من أسمى القيم، الوطن بالنسبة لي مرادف للحرية. ناصر: الحرية بمعناها ألا يوجد فيها شيء من النسبية؟ فهل يوجد خلاف بين الحرية قبل الوطن أو بعد الاحتلال؟ دكتور عبد الحسين شعبان: كل شيء بالطبع نسبي. ناصر: بمعنى إرهاصات الاحتلال. ماهو تعريفك للحرية ضمن الاحتلال وضمن الدكتاتورية؟ هل لها نفس التعريف؟ دكتور عبد الحسين شعبان: أنا أعتقد أن الحرية، هي الحرية وتبقى كل الأمور نسبية بلا أدنى شك. يمكن أن يكون الاستلاب الذي عانيت منه في زمن المنافي البعيدة، في الزمهرير، شيء يختلف عندما يستلب الوطن بالكامل. الآن الحرية على المستوى الفردي الشخصي، الحقوقي، هي مستلبة،4 والوطن مستلبٌ بالكامل في ظل الاحتلال، هذا الأمر أنا عشته على نحو مزدوج إذ جاز لي التعبير، عندما كنت في الوطن كنت أعاني من الاغتراب، فكان شعوري بالانفصام بيني وبين المجتمع بحكم رغبتي بتحقيق الحرية، رغبتي وجهدي الفكري والثقافي الذي يدفعني للانضواء تحت لواء يدعو إلى قيم الحرية وما بين الواقع الاستبدادي، وما بين المركزية الشديدة الصرامة التي عانينا منها ولذلك كنت أشعر وأنا في الوطن بالاغتراب، بفقدان الحرية. عندما ابتعدت فسيولوجياً وأصبحت في منفى أصبح للحرية طعم آخر. الآن بعد الاحتلال عندما أدخل إلى الوطن الصورة الأولى التي واجهتني أنني في وطن آخر غير العراق. كنت أتطلع في الأيام الأولى إلى الشوارع، إلى وجوه الناس، إلى ملابسهم، إلى لغتهم، إلى همومهم، إلى حديثهم اكتشفت أن اغترابي ازداد قوة وأن ابتعادي عن هذا المجتمع ازداد قسوة مما أثر تأثيرات عميقة فيّ وكبيرة بالنسبة لي. وجدت أن الاستبداد شيء قبيح ولكن الاحتلال الذي صادر الوطن، وصادر كل الحقوق كل منظومة الحقوق فلسفياً وقانونياً وشخصياً وإنسانياً هو شيء آخر، هو شيء أكثر قبحاً وأكثر لاأخلاقيةً وأكثر لاإنسانيةً، هو مسخ كل شيء وسخّر كل شيء وداس على كل شيء. كنت أتمنى أن أعود إلى بغداد وتستقبلني بغداد وهي مفردة ضفائرها، محنّاة، تستقبلني بكل مفاتنها، بكل جمالياتها، وإذ بي أشاهد بغداد وهي مكفهرة، كئيبة، مستلبة، مغتصبة جنود الاحتلال كانوا يدوسون بأقدامهم على كل شيء. كل شيء، أصبح بلا معنى باغتصاب الوطن. ناصر: هذه الدمعة التي نفرت من عينيك تشعرني بمدى الألم الداخلي الذي تكتنزه لما أصاب العراق من دمار وفوضى، هل كان لديك ولو جزء من الوهم من أن سقوط النظام بهذه الطريقة البربرية من قبل الاحتلال سوف تأتي بالديمقراطية، ودليلي على ذلك أنك ذهبت إلى بغداد بعد الاحتلال ولديك أمل أن تستقبلك بغداد الجميلة؟ دكتور عبد الحسين شعبان: لم يكن لدي وهم في يوم من الأيام، أن الطريقة التي سيتم فيها والجهة التي ستعتمدها الجهات المعارضة، هي التي ستصنع " الديمقراطية الموعودة!!" التعويلية أوصلت المعارضة إلى طريق مسدود، باعت كل أوراقها قبل أن تأتي إلى الوطن، مع الدبابات الأمريكية تنازلت عن كل شيء مقابل زوال النظام السابق، وهذا لم يكن وهماً!! بأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالذين تنازلوا سلفاً لا يمكنهم أن يصنعوا الديمقراطية، ولكن بحكم عدم تمكني في السابق من زيارة الوطن أصبحت لدّي فرصة أن أزور الوطن بدون شروط بدون أية اعتبارات أخرى، لذلك بادرت فردياً، ليس مع جماعة أو مع جهة أو طموحي لاحتلال موقع أو لعروض قدمت لي أو غير ذلك. زرت الوطن لأني من هذا الوطن وأصبحت هناك فرصة سانحة للجميع للذهاب والإياب، دون أية اشتراطات مسبقة للزيارة ولم حتى أقم بعمل سياسي خلال وجودي في العراق، بفترات ترددي قمت بأعمال ثقافية أكاديمية، نشطت في منتديات ثقافية، ألقيت محاضرات بالجامعة المستنصرية، ألقيت محاضرة بمسقط رأسي بالنجف، بشرت بالمثل التي أؤمن بها، نددت بالاحتلال منذ اللحظة الأولى، قلت منذ أول مرة أتكلم فيها ببغداد وأنا تطأ قدمي أرض العراق ما كنت أتمنى أن أزور بغداد وهي تحت الجزما الأمريكية، كنت أتمنى أن يرحل الطاغية وحيداً مكسوراً وأن تستعيد بغداد شيئاً من جمالها، تستعيد شيئاً مما فقدته بسبب الاستبداد وبسبب الدكتاتورية الطويلة الأمد وبسبب الرأي الواحد الشمولي ألإطلاقي، بسبب تغييب الرأي الآخر. بغداد والعراق كله كان نموذجاً للتعددية والتنوع فيه تيارات فكرية فيه تيارات اجتماعية فيه تيارات سياسية مختلفة، العراق فيه قوميات فيه موزائيك إثني وموزائيك ديني، لذلك التعددية أمر طبيعي كان في العراق، ومحل إقرار وإثراء من الجميع، أما وأن أصبح النظام شمولياً واحدياً مدعياً الأفضليات لنفسه ناسباً كل الآثام والعيوب والنعوت والصفات السيئة لغيره أصبح العراق سجين. الاحتلال جاء ليفرض واقعاً جديداً، هذا الواقع الجديد هو تكريس وتثبيت بعض نقاط الضعف في المجتمع العراقي بتحويله إلى مجتمع طائفي بشقه رأسياً وعمودياً عبر صيغة مجلس حكومة انتقالية التي جاء بها برايمر عندما قسم المجتمع العراقي على شيعة وسنة وأكراد وأعطى مقعداً للكلدو آشوريين ومقعداً للتركمان، في إطار من التعددية الشكلية وفي إطار من التنافس اللامشروع بين أمراء الطوائف للحصول على مزيد من الامتيازات والمكاسب والمزايا التي وفرها الاحتلال. ناصر: ما قلته ولّد لدي سؤال لم يكن بذهني. ممكن أن يلجأ الكثيرين من المثقفين العرب في المرحلة الحالية والعراققين أن يهزؤون من كلمة معنوية تسمى الكرامة، الكرامة الوطنية أو الكرامة الإنسانية يركزون على الحرية هي باعتقادي وهمية، كم عدد جريدة، كم عدد قناة تلفزيونية، لكن فقدت كلمة الكرامة الوطنية أو الكرامة الإنسانية في بلادنا معناها بسبب الاستهزاء بهذه الكلمة، ماهي وجهة نظرك؟ دكتور عبد الحسين شعبان: أنا أعتقد أنه لا كرامة شخصية بغياب الكرامة الوطنية، حتى على المستوى الشخصي لا وجود لإنسان حر في مجتمع مستعبد، لاوجود لإنسان مستقل في مجتمع يعاني من التبعية ومن الاستعباد ومن النيوكونيالية الجديدة، لهذا أعتقد أن موضوع الكرامة الشخصية هو جزء من الكرامة العامة نحن نقاتل ونكافح للاحتفاظ بخصوصيتنا الشخصية، بكرامتنا الشخصية وبالوقت نفسه نحن جزء من الكرامة والسيادة الوطنية العامة الجامعة، التي أنا قلت منذ البداية أنه لا معنى للحرية والوطن مغتصب. صحيح أن هناك تطورات حصلت بميدان حرية التعبير وان كانت قد ارتكست وتراجعت وجرى نكوص كبير فيها لدرجة أن تلفزيون الجزيرة يُغلق، تلفزيون العربية يُعطل العديد من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء والصحافة يُبيت عليها رسمياً وحكومياً. هناك نحو مائتي صحفي قتلوا ونحو 350 عالماً وأكاديمياً ونحو 200 طبيباً ومئات المثقفين في العراق بسبب هذه الموجة الشديدة الصرامة من جانب الحكومة من جهة ومن جانب الجماعات التكفيرية من جهة ثانية. ناصر: دكتور عرف عنك التحليل السليم لما يجري في العراق عبر وسائل الإعلام لكن السؤال المطروح ما هي الخطوات العملية التي يقترحها الدكتور شعبان لمشكلة العراق؟ دكتور عبد الحسين شعبان: أعتقد المدخل الأول والأساسي الذي لا يمكن الحديث عن أي تحدي آخر يواجه العراق والعراقيين هو تثبيت جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية. المدخل السليم لحل المشكلة العراقية وضع هذا الجدول لإنهاء الاحتلال. ثانياً التعويض عن ذلك بقوات الأمم المتحدة، الإتيان بدور جديد للأمم المتحدة انتقالي ثم تشكيل حكومة قوية مؤقتة لفترة انتقالية تمدد سنة أو سنتين على أن لا تشترك هذه الحكومة في أي عمل سياسي لاحق أي افتراض كفاءتها ونزاهتها، عدم مشاركتها بالسياسة لاحقاً بالإضافة لذلك حكومة تكنوقراط من الكفاءات بعيداً عن المحاصصات الإثنية والمذهبية والطائفية، هذا شيء مهم. وبالطبع هناك حزمة(بكج) أي منظومة من الاتفاقات ينبغي أن تحصل على هذا الصعيد. استعداد الولايات المتحدة للانسحاب مقابل أن تكف ايران عن التدخل بالشؤون الداخلية للعراق. أعتقد أن أي صفقة الآن بين الولايات المتحدة وإيران ستكون لمصلحة العراقيين. لكن هذا يحتاج لقوة عراقية تتفق وهذه الآن مبعثرة مشتتة، قوى أقصد من داخل الحكومة العراقية ومن خارجها من المؤمنين بالعملية السياسية ومن الرافضين لها وبنفس الوقت يحتاج الأمر إلى اتفاق عربي وإقليمي وتعاون دولي لدعم مثل هذا التوجه، الذي يمكنه أن ينقل البلاد من حال إلى حال، بالطبع هذا بحاجة إلى تهيئة بعض المستلزمات من هذه المستلزمات حل هذه الميليشيات، المستلزمات الأخرى تحريم الطائفية بإصدار قانون يمنع الطائفية ويحاسب من يشجع عليها أو من يتستر عليها أو من يدعو لها هذا بحاجة إلى تعاون دولي إقليمي عربي مع قوى عراقية، أن تتنازل جميع الأطراف السياسية العراقية وصولاً لتحقيق مثل هذه اللحظة وإلا نحن سائرون باتجاه الحرب الأهلية التي ستكون مخاطرها كبيرة وربما أكثر مما نتوقع على العراق والعراقيين. ناصر: من خلال المقترحين الذين قدمتهم الأول هو تثبيت جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة فلو افترضنا أنه تم الاستجابة لهذا الطلب على أن يتم جدولة الانسحاب خلال 15 عاماً ، بمعنى لماذا لايكون هناك موقف واضح في إزالة الاحتلال وليس جدولة الانسحاب؟ دكتور عبد الحسين شعبان: المطلوب خروج الاحتلال، عندما أقول بحاجة إلى جدولة أي تحديد جدول زمني سنة أو سنتين على سبيل المثال، هذا الحد المعقول لخروج الاحتلال وبالتالي أنا حددت أيضاً مهمة الحكومة الانتقالية سنة أو سنتين بما يرتبط مع جدولة الاحتلال. ناصر: الاقتراح الثاني الذي قدمته حول حل أممي عن طريقة الأمم المتحدة. مع العلم أن العراق جزء من الجامعة العربية، هل لعدم وجود ثقة بالجامعة العربية لديك في حل المشكلة العراقية، ذهبت في اقتراحك أن يكون الحل أممياً؟ دكتور عبد الحسين شعبان: كلا ليس بحكم عدم الثقة أولاً أنا شخصياً أميل إلى مسؤولية الأمم المتحدة، ثانياً لا أريد أن أشرك الجامعة العربية ودول الجامعة بالوضع العراقي، لا بإرسال قوات ولا بمساهمة إرسال قوات عربية من دول الجوار، وكل من له علاقة قريبة أو قربى بالعراق، لأن الأمر سيؤدي الى حدوث نوع من الاحتكاكات ومن الالتزامات وتختلط الأوراق وكذا وكذا.... بما يساعد على زيادة تعكير العلاقات العربية – العربية، وأنا مع حل أممي عبر الأمم المتحدة طالما ان الأمم المتحدة هي التي أصدرت قرار 1441، الذي لم يرّخص للاحتلال، أي لم تعطي الولايات المتحدة تفويضاً بالاحتلال، ثم أصدرت القرار 1483 الذي اعترفت فيه أن الولايات المتحدة وبريطانيا هما قوتا احتلال أي " شرعنت الاحتلال"، ثم بعد الاحتلال في 22/ 5/ 2003، ثم بالقرار 1500 و 1511 فيما يتعلق بمجلس الحكم الانتقالي، وفيما يتعلق بنقل السيادة وأهم هذه القرارات ربما القرار 1546، القاضي بنقل السيادة العراقية والصادر في 8 حزيران (يونيو) عام 2004 والذي ما يزال الحديث حوله بشأن تجديد مهمة القوات المتعددة الجنسية، لذلك القرار هو بيد الأمم المتحدة ويمكن العودة للأمم المتحدة وإذا ما حصلت الأمم المتحدة على دعم من الولايات المتحدة ومن المجتمع الدولي يمكن أن يكون الحل من نوع آخر، يمكن أن يهيئ مستلزمات لحل وطني عراقي بالتعاون مع المجتمع الدولي، مع الوضع العربي والإقليمي. ناصر: دكتور عبد الحسين منذ عشرين عاماً وأنت تعمل في أطر مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان ، ما هو تقديرك أو تقييمك للعمل الحقوقي في العالم العربي؟ دكتور عبد الحسين شعبان: من باب المكاشفة، ومن باب الصراحة والصدقية ولنكن أمام الجمهور، صادقين أقول أن المجتمع المدني يعاني ما تعاني منه بعض الأنظمة العربية، هناك إشكاليات فكرية وإشكاليات عملية أو مشكلات عملية تتعلق بالمجتمع المدني العربي، فالكثير من مؤسسات المجتمع المدني تعاني من عدم الجهوزية، ليس لديها الجهوزية الفكرية خصوصاً القيادات فقسم منها استنفذ دوره، وأصبح متشبثاً بالبقاء في أماكن لا يستحقها وربما أصبح يعيق عملية التطور، وفي بعض الاحيان يستخدم وسائل لا تختلف عن وسائل الحكومات. هناك قلة من التجارب التي تقول بالتناوبية والتداولية بالمسؤوليات، وتطبق ذلك وحتى الأنظمة الأساسية التي تقوم على أساس منظمات المجتمع المدني فإن معظمها تقترب من الأنظمة الداخلية للأحزاب والنظم الشمولية أو الدساتير الجامدة بحيث لا يمكن تغييرها، ونصف الجمعيات العمومية تنتخب النصف الآخر بمعنى أن مجالس الأمناء أو مراكز القرار في المنظمات، وفي الجمعيات هي التي تكون مسيطرة على توجهات هذه المنظمات لاحقاً. أريد أن أقول أن منظمات المجتمع المدني لم تبحث في كثير من الإشكاليات التي بحاجة إلى إجابات معمقة، أي أنها استغرقت بالعمل اليومي المسلكي وابتعدت عن القضايا الفكرية التي بحاجة إلى إجابات نظرية، إلى حوار جدي، بحثي، ثقافي، معرفي معمق، قضايا مثل التدخل الإنساني أو التدخل لأغراض إنسانية مثلاً: مفهوم السيادة، قضية العولمة، دور المجتمع المدني في التحوّل الى قوة اقتراح وقوة اشتراك وليس قوة احتجاج وقوة ممانعة أو معارضة حسب. دور المجتمع المدني في اقتراح أنظمة ولوائح ومشاريع قوانين للبرلمانات، للحكومات بحيث يكون شريك حقيقي. وهناك ظاهرة يمكن الحديث عنها هي أن العلاقات الداخلية داخل أوساط المجتمع المدني في الغالب هي علاقات غير ديمقراطية، وأنت تسمع الكثير من الشكاوى من أوساط الحقوقيين ومن ناشطين داخل مؤسسات المجتمع المدني ممن يضيقون ذرعاً وتبرماً بالأساليب التآمرية أحياناً، الاستبدادية أحياناً أخرى، ومصادرة حقوق الأعضاء بوسائل مختلفة، ثم هناك الآن أيضاً مشكلة جدية هي موضوع التمويل الخارجي، من أين نأخذ التمويل؟ كيف السبيل لإنشاء صناديق التمويلات؟ مثلاً كيف السبيل للحصول على تمويل دولي نزيه مع الأخذ بعين الاعتبار الأجندات الوطنية وليس الخضوع أو التبعية للأجندات الخارجية، ما هو دور العامل الدولي، ما هو دور المجتمع المدني الدولي بالعلاقة مع المجتمع المدني العربي؟ كيف يمكن أن يحصل التراكم في إطار مؤسسات المجتمع المدني فأنت تعرف أن هناك بعض المؤسسات 20 أو 30 مؤسسة، كلها تشتغل على برامج مصغرة لكنها لا تُضم هذه البرامج إلى بعضها بسبب الحساسيات وبسبب النزعة بالتفرد بالقرار، وبسبب النزعة بالتزعم في داخل إطار مؤسسات المجتمع المدني، وبسبب الحساسيات الموجودة بين قيادات المجتمع المدني. هذه كلها مشكال يعاني منها المجتمع المدني وعلينا أن نعترف بالمزيد من الشفافية بالمزيد من الديمقراطية في إطار المجتمع المدني. هناك الكثير من المؤسسات المعلنة هي عبارة عن أفراد، فردين أو ثلاثة ليس إلاّ، لاوجود لجمعيات عمومية، لا وجود لأنظمة أساسية وتغيب كل اللجنة التنفيذية وكل مجالس الأمناء ويؤتى بمجالس أمناء ولجان تنفيذية لستة أشهر أو لسنة، لسنتين، لثلاث سنوات دون مساءلة من أحد. من " حق" الحكومات أحياناً أن تلوم بعض مؤسسات المجتمع المدني، ومن حق بعض نشطاء المجتمع المدني الذين قلوبهم على المجتمع المدني أن يقولوا الحقيقة لجمهورهم، لهذه المؤسسات حيثما أمكن بهدف معالجة الثغرات والنواقص والعيوب والمسالب التي يعاني منها المجتمع المدني وهذا الكلام لا يصب في طاحونة الحكومات، ولا يصب في طاحونة الجهات المعادية لدور المجتمع المدني وهو ليس يهدف لنشر الغسيل الوسخ كما يقال، إنه محاولة للنقد الذاتي، وأبدأ من نفسي وأمرّ بأقرب الناس لي لكي نتبيّن حقيقة أن المجتمع المدني مثل أي ظاهرة اجتماعية وتنظيمية وإدارية وسياسية وفكرية تعاني من مشكلات علينا أن نتصارح لمعرفة حقيقة وجوهر هذه المشكلات لمعالجتها. ناصر: هذا يدعوني لأسال سؤال حول الثقة، على أساس أن منظمات حقوق الإنسان جزء من منظمات المجتمع المدني. هناك أزمة ثقة مابين الإنسان العربي وبيم منظمات حقوق الإنسان العربي، ماهي هذه الإشكالية برأيك؟ وما هي الحلول التي يجب أن تخرج بها منظمات حقوق الإنسان لتكسب أو لتعيد هذه الثقة مابينها وبين الإنسان العربي؟ دكتور عبد الحسين شعبان: أعتقد أن هناك ضعف في الثقة في العديد من مؤسسات المجتمع المدني وفي العديد من الشخصيات الإدارية العاملة في هذا الميدان وضعف الثقة ناجم عن ممارسات سلبية من بعض هذه الأوساط، وهناك نماذج معروفة أعتقد أساءت لحركة المجتمع المدني، لذلك ضعفت ثقة الإنسان العربي ببعض مؤسسات المجتمع المدني وببعض الإدارات أو القيادات في المؤسسات وبالطبع هناك جانب موضوعي أن حيث الحكومات الغير مؤمنين بحركة المجتمع المدني بما فيهم بعض قيادات الأحزاب السياسية المعارضة تشكك وتشوّه من حركة المجتمع المدني، بل إنها تتهمه اتهامات ظالمة أحياناً، باعتباره جزء من فكرة غربية، جزء من اختراع مريب، هو امتداد للخارج، هو صوت الخارج في الداخل إلى آخره من القضايا. وهناك شيء مهم آخر في تقديري هو أن المجتمع المدني يعاني من نقص في الثقافة الحقوقية وثقافة حقوق الإنسان وبثقافة المجتمع المدني خصوصاً لدى العاملين في مؤسسات المجتمع المدني، من النخبة، ولدى الشارع العربي أيضاً، لذلك كلما تعززت وانتشرت وتعمّقت ثقافة المجتمع المدني وثقافة حقوق الإنسان لدى النخب الفكرية السياسية الحاكمة وغير الحاكمة، في السلطة ومن معارضاتها، وخصوصاً في الإدارات وفي مراكز القرار، وهذا مهم في المراكز التربوية والتعليمية، وأيضاً أمر مهم جداً في وسائل الإعلام، وهذا ينعكس إيجاباً على على حركة الشارع، وبالتالي يمكن أن يستعيد الثقة من جهة، ويضع هؤلاء القادة والإداريين أمام المساءلة من جانب الناس وأمام جمهور الأعضاء، الذي ينبغي أن يتعرف على حقوقه قبل غيره من جهة أخرى، وإذا ما تحولت هذه الحقوق إلى عملية " إيمانية" أي انتقلت من المفاهيم على القوانين إلى المؤسسات، ستصبح قوة مادية لدى الأفراد والجماعات والمؤسسات يصعب اقتلاعها، وبالتالي يُعوّل عليها في انجاز عملية التحول الديمقراطي وعملية الإصلاح عبر التراكم وعبر التطور التدرجي السلمي الطويل الأمد. ناصر: هل تعتبر هذا الموضوع عبارة عن حالة حرفية أم حالة نضالية؟ دكتور عبد الحسين شعبان: الاثنين معاً، لم يعد المناضل هو الذي يشتغل بالعمل السري أو يوزع المناشير أو يعيش في الأوكار الحزبية، المناضل بحاجة إلى تأهيل، بحاجة إلى ثقافة، بحاجة إلى إجابات على الأسئلة الكبيرة، التي تطرحها الحياة، هذه لن تتم إلاّ بالمران، بالتدريب، بالحرفية، بالمعرفية، ولكن بقلب حار ورأس بارد، بيقظة للضمير وهذا أمر مهم، لأن خمول الضمير وذهوله، أصاب الكثيرين في ظل حالة التردي والانحسار التي تعاني منها الكثير من مؤسسات المجتمع المدني. ناصر: يوم أمس ومن خلال حديث جانبي تحدثت عن تكلس منظمات حقوق الإنسان، أريد بوضوح من الدكتور عبد الحسين شعبان دون مجاملة لأحد. ماهو قصدك في ذلك؟ دكتور عبد الحسين شعبان: أنا أعتقد أن معظم الهيئات المعنية بحقوق الإنسان خصوصاً في السنوات العشرين الأخيرة تراجعت وخصوصاً على المستوى الداخلي وفي مستوى أداء ما يتعلق بجهوزية قسم من الشخصيات التي نضبت أو جفّ عطاؤها، في حين كان لها أدوار في السابق وأصبح وجودها على رأس مؤسسات المجتمع المدني يجعلها عائق أمام تطور مؤسسات المجتمع المدني. أعتقد الكثير من مجالس الأمناء هي شكلية بكثير من المنظمات ويتحكم دائماً في هذه المنظمات شخص أو شخصين أو أكثر قليلاً، هي مؤسسات فردية وأصبحت شخصانية تسمى منظمة فلان، مركز فلان وجمعية فلان إلى آخره وهذه حالة غير صحية علينا أن ننقد هذه الحالة باتجاه التصحيح، وليس الهدف الإساءة لأحد فلكل منهم أدواره، ولكن بقاء الحال كما هو أدى فيما أدى إليه إلى أن الكثير من المنظمات تتحجر، أو تكون خاوية من الداخل، لا يوجد حراك أو حوار جدي داخلها، اجتماعاتها شكلية، بياناتها بيروقراطية، الجهات التي تتأثر بها أو تقرأها محدودة، لا تستطيع أن تحرك شيء بهذا المعنى، لا على الصعيد الخارجي بالقضايا الكبرى الوطنية، ولا على الصعيد الداخلي قضايا ملحة ولإشكالات تواجه مجتمعاتنا العربية. لهذا أعتقد أنه آن الأوان لمراجعة شاملة لعمل ولأداء هذه المنظمات، وإعادة النظر في هيئاتها الداخلية وفي مواصفاتها وفي أنظمتها وفي لوائحها وفي توّلي المسؤولية، وفي تحديد سقف زمني لهذه المسؤوليات وأعتقد أن ذلك عنصر مهم وحيوي لاستعادة هذه المنظمات لدورها التاريخي المهم الذي ينبغي أن يتعزز ويُدّعم على كل الصعد. لاحظ كيف ابتدأت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في عام 1983 ولاحظ دور وحجم الشخصيات الفكرية والثقافية، التي أسهمت في تأسيس المنظمة، والتي تولت مسؤولياتها واشتركت في أنشطتها وكيف ابتعدت هذه الأوساط عن إطار العمل الحقوقي بسبب المناهج والسياسات والتصرفات البيروقراطية لإدارات هذه المنظمة. ولاحظ أن العديد من الشخصيات المهمة بعيدة الآن عن الحركة الحقوقية، هذا الأمر له أسبابه الذاتية وأسبابه الموضوعية، خصوصاً وأنها بدأت حركة واعدة تأسست على أساسها العديد من المنظمات الحقوقية في العديد من البلدان، وهذه المنظمات الفرعية أيضاً سارت على نهج المركز، وهناك منظمات وهمية شكلية هي من فرد واحد أو شخص واحد، وهناك منظمات مسيّسة، الحزب الفلاني له حصة واتفاق مع الجهة الفلانية داخل الحزب الفلاني، داخل المنظمة الفلانية، وهناك منظمة لم تعقد مؤتمر لعشر سنوات أو أكثر وهي موجودة وممثلة ويجري الحديث عن التداولية والتناوبية وحرية التعبير كأنه كل واحد يتحدث عن الآخر، ولكن لا يتحدث الإنسان عن نفسه، وهذه معضلة حقيقية تواجهنا الآن، والحكومات تعرف نقاط ضعفنا قبل أن نتكلم نحن عن نقاط ضعفنا. لذلك أنا أقول عندما نتحدث عن نقاط ضعفنا عندما نتناول السلبيات، والنواقص، والعيوب، والثغرات والمثالب فإن الهدف هو تعزيز دور هذه المنظمات، وتقويتها وإعادة تأسيسها وفقاً لاعتبارات جديدة لأسس جديدة بما ينسجم مع الأنظمة واللوائح والأهداف النبيلة التي جاءت أو تأسست من أجلها، فعلى سبيل المثال دعني أقول لك قضية فرعية، الغالبية الساحقة لمنظمات المجتمع المدني تجهل نظام إدارة الجلسات وهذا أمر بسيط هناك قواعد اسمها(روبرت روز) وهي موجودة في كتاب والكتاب مترجم ولا أحد قرأ هذه القواعد ولذلك ترى أحياناً بعض الجلسات تتحول إلى هرج ومرج إلى آخره وفي الوقت فان هذه القواعد تنطبق على البرلمانات وعلى الجمعيات والشركات وعلى مؤسسات المجتمع المدني وعلى منظمات حقوق الإنسان. ناصر: كثير من المثقفين السوريين يعتبرون الدكتور عبد الحسين شعبان على المستوى الوجداني . متفاعل مع الهم الوطني السوري وله إسهامات كبيرة فيما يدور في سورية والعلاقة مابين سورية والوضع العراقي. بداية ماذا يقترح دكتور عبد الحسين شعبان على هذا المستوى مابين سورية والعراق. ثانياً كأستاذ قانوني دولي ماذا يقترح للشعب السوري والحكومة السورية آليات العمل لاسترجاع الجولان؟ دكتور عبد الحسين شعبان: بدايةً أقول لك أنا كعراقي لا أستطيع إلاّ أن أشعر أني سوري الهوى أو شامي الهوى، وكوني بالشام لا أستطيع إلاّ أن أفكر بطريقة عربية، بهذا المعنى هناك تداخل ونوع من الهارموني التناسقي الاشتباك بين ما هو عراقي وما هو عربي بحيث يكمّل أحدهما الآخر. أشعر أن العراق صغير عليّ وإني أنتمي إلى أمة عظيمة هي الأمة العربية. وحتى الأمة العربية أشعر أحياناً أنها ضاقت بي، أي أشعر أنني أنتمي إلى فضاء إنساني، والفضاء الإنساني هو الذي يجسدني إنساناً حيثما أكون وأينما أكون هذا أولاً، للأسف منذ استقلال سورية وحتى الآن أي منذ 61 عاماً لم تشهد العلاقات السورية -العراقية فترة من العلاقات الطبيعية ولن أقول الحميمية إلاّ باستثناء ربما بضعة أشهر أقل من سنتين في كل فترة ال 61 عاماً واعتقد أن هناك خطاً أحمر يحول دون التلاقي السوري العراقي لا على المستوى الشعبي ولا على المستوى الحكومي. ناصر: هل تعتقد أن هناك دور للخارج في ذلك؟ عبد الحسين شعبان: أعتقد أن للخارج دور كبير والصراع العربي- الإسرائيلي له دور كبير في منع ذلك. الشيء الثاني معاناة النخب الفكرية والسياسية في كلا البلدين خصوصاً من وصل إلى السلطة كان سبباً في ذلك. ولاحظ أن فترة العهد الملكي كان هناك صراعاً سورياً -عراقياً، وكان هناك تآمراً من جانب حلف بغداد ضد سورية لقلب نظام الحكم في سورية، قلنا أن الأمر انتهى عندما حصلت ثورة 14 تموز بعد أشهر بدأ الصراع الشيوعي- الناصري بين سورية والعراق، فدخلنا في دهليز جديد من سوء العلاقات السورية -العراقية. وحصل انقلاب في العراق عام 1963 وجاء حزب البعث إلى السلطة، وحصل انقلاب في نفس العام في الثامن من آذار (مارس) وجاء حزب البعث إلى السلطة في سورية وقلنا ليكن ما يكن هذان حزب واحد في بلدين، يمكن أن يحدث نوع من التقارب السوري -العراقي لكن الأمر كان يحتوي على كثير من الحساسيات خصوصاً بفشل مشروع الوحدة الثلاثية(السورية- المصرية- العراقية)، التي اقتُرحت في 17 نيسان عام 1963 وبسبب حملة معاداة الديمقراطية التي شملت اليساريين والناصريين فيما بعد. بعد مجيء حزب البعث مرة ثانية الى السلطة في العراق عام 1968، قلنا أن حزبين بعثيين يمكن أن يتقاربا، وساءت العلاقات أكثر إلى أن وصل الأمر إلى اواخر 1978 وأوائل العام 1979 تم توقيع ميثاق العمل الوطني بين سورية والعراق، قلنا إن هذه الفترة فترة انفراج ويمكن أن تتحسن العلاقات السورية- العراقية، ثم حصل الذي حصل وابتدأت الحرب العراقية -الإيرانية عام 1980، وتباعدت المواقف أكثر وأكثر إلى أن انقطعت العلاقات رسمياً من عام 1982 إلى عام 2003. وحتى فترة الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق، كان يمكن أن تهيئ مستلزمات لإعادة العلاقات لكنها لم تعد رغم أن بعض الاتصالات التجارية والاقتصادية والاجتماعية قد جرت منذ أواخر التسعينات بين سورية والعراق لكن ليس على أساس تمثيل دبلوماسي كامل بين البلدين وحصل الاحتلال وانهار النظام السابق وقلنا يمكن أن تنفتح فرصة جديدة للعلاقات بغض النظر عن وجود الاحتلال لكن الأمر زاد سوءاً عندما اتهمت الحكومات العراقية المتعاقبة سورية بأنها تقف وراء الإرهاب أو قل تقف وراء المقاومة أو تدعم المقاومة بما يؤثر على العلاقات ما بين البلدين وأعتقد من خلال هذا العرض الأولي بدون رأي مسبق أريد أن أتوصل إلى استنتاج هو أنك تشعر أحياناً بأن هناك قوى خفية تقف وراء عدم عودة العلاقات الطبيعية بين الشعبين. ناصر: بين حكومتين أو بين شعبين؟ دكتور عبد الحسين شعبان: بين شعبين بفعل أن هناك حكمتين، أعتقد أن أكثر علاقات قوية ومتينة بين أكثر شعبين في العالم هما بين سورية والعراق ومع ذلك لاحظ هذا التباعد، هذا الافتراق، هذا الاحتراق، هذا التآمر أحياناً، هذا هو الشيء المقلق بالنسبة لي كمثقف عراقي عاش فترة في سورية أو تردد كثيراً على سورية ولديه علاقات وصداقات ويعتبر الهم السوري همه. لذلك عندما أتحدث عن ظاهرات المجتمع المدني لا أقصد سورية ولا أقصد العراق حصراً، إنما أقصد العالم العربي كله.حساسيتي بالعلاقة مع المثقفين السوريين تنبع من معرفتي الدقيقة بالوطنية العالية الصادقة التي يتمتع بها المثقفون السوريون، وأشعر بمقارنة عفوية مع بعض المثقفين الآخرين بمدى التصاق المثقفين المعارضين السوريين بوطنيتهم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وخصوصاً في موضوع التغيير المنشود، ربما هناك قلة قليلة تلك التي تعوّل على الخارج أو التي تحتمي بالخارج أو تتعكز على الخارج، وهذه معزولة حتى في أوساط المعارضة الوطنية التقدمية، ومن ألوان مختلفة من سورية ولذلك اشعر أن على المثقفين السوريين دور كبير بالقدر الذي ينقدون الواقع أحياناً، بالقدر الذي يشخصون الأخطاء، بالقدر الذي يدعون لفسحة أوسع من الحريات، بالقدر الذي يتناغمون مع بعض أوساط السلطة التي تدعو للإصلاح وتدعو للديمقراطية، وإن كانت هناك كبوات وكوابح قد حصلت على هذا الطريق، بكل هذا أشعر أن من واجبهم قوى الدفاع عن سورية إزاء الخطر الخارجي، الذي يريد تحويل سورية على الطريقة العراقية، يريد لسورية مزيد من التفتت، المزيد من الانقسام، المزيد من الطائفية، المزيد من التشظي على الطريقة العراقية وربما التقسيم على الطريقة العراقية. هذا الأمر سلاح ذو حدين الوطنية من جهة والديمقراطية من جهة، الوطنية من دون الديمقراطية ستقود إلى تأييد الاستبداد والدكتاتورية وأنظمة العسف، والديمقراطية لوحدها بدون الوطنية ستقود للاستتباع وقبول منطق الهيمنة والوصاية الخارجية والتعويلية على الأجنبي وعلى الخارج، وهذا ما وقعت به أوساط غير قليلة من المعارضة العراقية ودفع الشعب العراقي الثمن باهظاً. في الوقت الحاضر أنا أعتقد أن هذه الدوائر الثلاث ينبغي أن تستمر، ولا يمكن التفريط بأي دائرة من هذه الدوائر سواءً الوطنية أو الديمقراطية أو الدائرة الإنسانية أقصد الإنسانية احترام حقوق الإنسان على آخره. كلها دوائر متقاربة متداخلة مشتبكة بعضها مع البعض الآخر لا يمكن ترك دائرة على حساب دوائر أخرى. ناصر: ما تقدمه على المستوى القانوني بالنسبة للجولان المحتل؟ دكتور عبد الحسين شعبان: التمسك بالمزيد من القانون، التمسك بالمزيد من قرارات الأمم المتحدة التي أدانت ضم الجولان منذ عام 1981 وقد صدر قرار من الجمعية العامة عام 1981 أدان به ضم الجولان إلى إسرائيل، واعتبر القرار هذا الإجراء هو إجراء غير شرعي وغير قانوني، فضلاً عن ذلك أن ميثاق الأمم المتحدة لا يؤيد الاستيلاء على الأراضي وضمها بالقوة استناداً إلى مكاسب سياسية، لأسباب العدوان أو لأسباب الحروب أو النزاعات الدولية. هذا الأمر مرفوض في إطار القانون الدولي. أعتقد أن سورية تسير بالطريق الصحيح على هذا الصعيد، أولاً هي تتمسك بحقوقها ولا تريد التنازل عنها، والشيء الثاني هي لا تترك فرصة في إطار الأروقة الدولية والدبلوماسية إلاّ وتدعو فيها إلى هذه الأمور. الشيء الثالث أن صلتها بمواطنيها العرب السوريين من ألوان مختلفة داخل الجولان المحتل ما تزال مستمرة. والشيء الرابع أنها بحاجة ربما على توسيع دائرة التضامن الدولي عندما يجري الحديث عن تسوية عادلة وسلمية للصراع العربي -الإسرائيلي ولا يمكن إحداث هذه التسوية دون حل قضية الجولان، دون حل قضية المستوطنات، دون حل قضية القدس باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية، دون حل موضوع الحدود، تحديد وترسيم الحدود على نحو واضح، دون حل قضية حق العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، وهذه حقوق ثابتة وغير قابلة للتصرف من أي كان حكام أو غير حكام. أريد أن أقول أن توسيع دائرة الديمقراطية في سورية وتعزيز دائرة الحريات، وإطلاق سراح المعتقلين لأسباب سياسية خصوصاً من المثقفين الوطنيين السوريين سيسهم إيجاباً في تعزيز الوحدة الوطنية، في تدعيم صمود سورية ضد العدوان الصهيوني، ضد المشاريع الخارجية الإمبريالية. ناصر: ربما كان هذا سؤالي الأخير أنت أجبت عليه بشكل عام ولكني أريد إيضاحاً أكثر. بحكم تجربتك ومعرفتك بالوضع السوري ماذا تنصح الحكومة السورية بالنسبة لاعتقال أحد رموز المثقفين السوريين إن كان الدكتورعارف دليلة أو الأستاذ ميشيل كيلو؟ وأنت تعرفهم جيداً. دكتور عبد الحسين شعبان: الاثنين من أصدقائي، وتألمت ألماً شديداً عند صدور الحكم على عارف دليلة وميشيل كيلو، وأدعو بحكم علاقتي التاريخية الصداقية مع السوريين بمختلف اتجاهاتهم من بعثيين وشيوعيين وقوميين، مثقفين ونخب فكرية حاكمة وغير حاكمة، أدعو لإطلاق سراحهم لأن هذا سيعزز من دور سورية ومن وحدتها الوطنية في التصدي للعدوان الإسرائيلي، للحملات التي تريد التشكيك بسورية وبدورها وبنفس الوقت سيعزز من دائرة القوى الداعية للإصلاح في السلطة وخارجها بهدف توسيع دائرة الحريات وتوسيع الدائرة الديمقراطية، لأنها السبيل الذي لا غنى عنه بالتصدي للمشاريع الخارجية والمشاريع الظلامية التي لا تريد الخير لسورية ولمثقفيها. ناصر: شكراً لك دكتور عبد الحسين شعبان.
|
||
|
|
|
حورات |


