زرت
موريتانيا بدعوة كريمة من " المركز العربي –
الأفريقي للإعلام والتنمية " للمساهمة في ندوة
دولية حول " الديمقراطية في الوطن العربي
وأفريقيا: الواقع والآفاق "، وفي
هذه البلاد
التي
لم تشهد فترة استقرار تُذكر،
على مدى قرن تقاسمه الاستعمار والفساد والعسكر،
تتوج التجربة
مسارا
ديموقراطيا
انتقاليا
نموذجيا
في العالم العربي، وقطيعة مع حقبة حكم العسكر
الشمولي والانتخابات المزورة، عبر تسليم
السلطة
إلى
المدنيين.
ولكن
تنتظر
موريتانيا
تحديات كبيرة
من طبيعة
سياسية واقتصادية
واجتماعية
وثقافية، إذ
سيكون على
النظام الجديد
تأسيس دولة
الحق والقانون،
وتحسين
مستوى
معيشة
السكان،
حيث
يعيش
مليون
من مواطنيها ( عددهم 3.1
ملايين نسمة
)
تحت خط الفقر،
والقضاء
على
مخلفات الرق وترسيخ ثقافة الديمقراطية،
وإيجاد حل
لقضية
الزنوج الموريتانيين المبعدين منذ
أكثر
من 17 سنة،
واعتماد
مبدأ نظام فصل السلطات، وترسيخ العدالة في
إطار بناء دولة المؤسسات،
وإنشاء
بنى تحتية للبلد،
ومحاربة الفساد.
إنّ
رهانات
موريتانيا
عديدة ومتشعبة بحق، نظرا لحجم التحديات
وارتفاع
مستوى
التطلعات المشروعة
لفئات اجتماعية
عديدة
ظلت خلال العقود الماضية من عمر
الدولة تعاني الفقر والحرمان والتهميش.
إنّ
الرهان الأكبر
هو
ترسيخ الخيار
الديمقراطي،
الذي يعزز
الشرعية
الدستورية،
ويحقق
الاستقرار السياسي،
ويوفر
الثقة في من يتولون تحديد الخيارات المصيرية
للدولة،
ويفتح الأفق أمام التنمية الشاملة، بما فيها
جذب الاستثمارات العربية والأجنبية. وهنا تبرز
أهمية انتباه رجال الأعمال العرب للفرص
الاستثمارية الكبيرة الموجودة في موريتانيا،
إضافة إلى الأمن والاستقرار المتوفرين في ظل
العهد الجديد.
ومما يجعل بناء دولة الحق والقانون ممكنا أنّ
الرئيس سيدي
ولد الشيخ
بن
عبد الله
أكد
عزمه على
تطبيق برنامج الإصلاح
الواسع الذي تعهد به،
ومن أهم بنوده:
تعزيز الوحدة الوطنية،
وفتح
مجال المشاركة السياسية أمام الموريتانيين،
وإصلاح
الدولة تسييرا وإدارة
في ظل فصل
السلطات
الثلاث ( التنفيذية والتشريعية والقضائية )
واحترام القانون وترسيخ الديمقراطية القائم على
التسامح
والعدالة،
مع
احترام دور المعارضة السياسية،
وتحقيق نمو اقتصادي يقلص من البطالة ويحد من
الفوارق
الاجتماعية
ويمكّن
المواطن الاستفادة من الخدمات الأساسية كالصحة
والتعليم،
ومحاربة
الفساد والرشوة وتبديد المال العام،
والالتزام
بمعايير الكفاءة في تولّي
الوظائف
العمومية،
وهو مطلب شعبي هام يحرص عليه الموريتانيون
الذين يتخوف
بعضهم
من عودة
أعوان نظام الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع.
إنّ
التحدي الأكبر هو التعامل مع ملفات الفساد
خلال الحقبة الماضية،
خاصة أنّ
الفساد الإداري أفقد
المواطن الثقة في الدولة،
وأنّ
الرشوة والمحسوبية أضعفت هياكل مؤسساتها
وقللت من
أدائها
الخدمي.
ولئن كان الوقت لم يحن بعد لاستنتاج الدروس
مما أصبح يطلق عليه
"
الأنموذج
الموريتاني
"،
إلا أنّ
مجموعة
حقائق
أضحت واضحة:
أولاها،
أنّ
الآلية الديمقراطية من حيث هي إدارة حرة
وسلمية للتنوع السياسي ليست خاصة بمجتمع
بعينه، بل هي
قابلة للاستنبات في كل السياقات المجتمعية،
كما أنها أداة التنظيم السياسي المثلى في
المجتمعات الهشة اقتصاديا
واجتماعيا.
وثانيتها،
اضطلاع
المؤسسة العسكرية الموريتانية بدور محمود في
تحقيق التحول الديمقراطي الناجح الذي عرفته
البلاد، وقد تمكنت من إدارة الإجماع الوطني
خلال المرحلة الانتقالية، مما يعزز لأول مرة
فرص قيام مؤسسة عسكرية جمهورية تحمي المؤسسات
الدستورية، وتصون النظام الديمقراطي التعددي.
إن ما تحقق
للشعب
الموريتاني
من إنجازات ومكاسب على
الطريق
الديمقراطي لا يمثل سوى
البداية،
مما يدعو
إلى
السعي الحثيث إلى
خلق وعي راسخ ومضطرد لدى
المواطنين
الموريتانيين
بأنّ
الانتقال الديمقراطي الكامل لا يمكن أن يتحقق
في ظل مجتمع ما زال أبناؤه يكرسون
خيارهم الديمقراطي على
أساس من قيم الانقسام الإثني
والقبلي والجهوي.
وهكذا،
هل
سيتم
تأهيل وتفعيل الطبيعة الجمهورية لنظام الحكم
السياسي في
موريتانيا،
بما يقيم
دعائم ثابتة لتأسيس الجمهورية الثالثة ويمكّنها
من الاضطلاع بجدية وكفاءة بكامل
مهامها ومسؤولياتها،
على
أساس من الحكمة والانفتاح في عملية تفاعل
وتكامل وتطور واعٍ
ومسؤول لخدمة مصالح الشعب الموريتاني ؟ وهل
سيتم
بناء جسور حقيقية وجادة للحوار الديمقراطي بين
مختلف الفاعلين السياسيين
؟ وهل سيتم
إيجاد
حل جذري للمعضلة المزمنة المتمثلة في
تسييس وتجيير مؤسسات الجيش والأمن الوطني في
لعبة استغلال واحتكار العنف العمومي
كوسيلة للوصول
إلي
السلطة والتمسك بها تحت أي ذريعة
؟
إنّ
موريتانيا توجد حاليا
في مفترق طرق حاسم،
وتشير المقدمات، التي لمستها من خلال الحوارات
المتعددة التي أجريتها مع بعض ممثلي السلطة
والمعارضة ونشطاء المجتمع المدني، أنها قررت
الدخول في خيارات استراتيجية
إصلاحية
شاملة، تضمن للبلاد استقرارها السياسي
وتنميتها الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية
المتوازنة.
نواكشوط
في
12/8/2007
الدكتور عبدالله
تركماني
كاتب
وباحث سوري مقيم في تونس
(*)
– نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية –
16/8/2007.