عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

النعمة........النقمة - محمد علي الحلبي

 

2007-08-09

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

                          

          تميزت العقود الزمنية الأخيرة من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي بصعود العالمين العربي والإسلامي إلى واجهة الأحداث الكونية وتصدرهما لها،بل الاستئثار بها فغدت الأخبار المنقولة عن وقائع تجري على وجه المعمورة ثانوية ولا أهمية لها إذا ما قيست بها حتى بات يُعتقد أنه ولولا ضخامة تفاعلاتها وتأثيراتها لألغيت نشرات الأخبار من كل وسائل الإعلام،فما ينقل ويبث وينشر يثير مشاعر وانفعالات غامرة تنوس بين قطبين،قطب مؤيد ومحرك لها وعامل على تأجيجها والاستمتاع بمآسيها من صور الدمار والقتل والوجوه المشوهة وجثث يصعب التعرف على أصحابها أطفالا ً....نساءً.....شيوخاً وأعدادها اليومية تزداد باضطراد ألفها العارفون بها وتآلفوا معها فأصبحت حكاية يومية فقدت معناها وأصبحت عادية بالنسبة لهم ،وعلى النقيض فهناك القطب الآخر الكثير العدد في كل صقع من أصقاع الكرة الأرضية،إنه قطب المتألمين التائهين في سراديب عامرة بأسئلة يحار بعضهم بالإجابة عليها لماذا؟!.....ولمَ؟!....ومن أجل أي هدف لكن سرعان ما يتبدى من ثنايا الحيرة، ويسطع جواب قاسٍ لا إنساني.....إنها المصالح....إنه السطو الهمجي القديم بمناهج وطرق جديدة وحديثة، والعنوان الجلي الواضح له، الاستعمار الحديث.

          لقد خص الله جلت قدرته الأمة العربية برسالته السماوية الشاملة السمحة الغنية بالمعاني الإنسانية   لتعمل على نشرها داعية البشرية للإيمان بها والنهل من ينابيعها القيمية وصولا ًلإطار معرفي يجمع بني آدم كلهم على حب الله وحب الآخرين وتقديس للإنسان لأنه خليفة الله في أرضه مصادقاً لقوله تعالى:

"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"سورة الحجرات،الآية13.

          ثروة عطاء إلهي وإرث ثقافي جامع حدد هويتها فازداد تاريخها الحافل بالأمجاد في كل نواحي الحياة إنسانية وقيماً وعلما و حضارة بمفهوميها المادي والمعنوي ، ذلك لا ينفي أن ظلالاً بل عتمات قاتمة شابته خلال عمرها المديد ،   كما خص الله جلت قدرته هذه الأمة بثروات طبيعية دفينة حتى تجمع ما بين المصادر المادية والروحية خدمة لأبنائها بل وأبناء البشرية كلهم،لكن هذه النعم حوّلها الطغاة واللصوص وتجار الموت إلى نقمة،وتعريف النقمة في اللغة العربية وفي معجم لسان العرب بأنها المكافأة العقوبة.....وعقوبات الأعداء تتكاثر وتتنامى مستهدفة الثروتين المادية والروحية،فالروحية منها معادية العداء كله لكل نوازع الشر التي باتت تنطلق من العالم الغربي منذ قيام الثورة الصناعية وبدايات التكون الرأسمالي وصولا ًإلى ما يطرح اليوم من فكر سمي تجنياً "بالعولمة" وفي حقيقته مجرد استغلال للثروات الكونية من قبل القلة القليلة من الرأسماليين والاحتكارات العالمية وأسواق المال، والثروات المادية الطبيعية  عديدة  كانت ومازالت وستبقى والالتزام الوطني يوجب الحفاظ عليها والاستفادة منها لشعوبنا-معقد الرجاء وبؤرة الحب- والظاهر والطافي منها على السطح النفط،ومؤتمر لمجموعة السياسة الوطنية للطاقة التي تضم مديري كبريات الشركات الأمريكية العاملة في مجال الطاقة الحكومية أوصت وفي اجتماع لها في آذار2001بدعم مبادرة الشرق الأوسط لفتح جزء من قطاع النفط لديها أمام السيطرة الأجنبية ووزير الخزانة الأمريكي قال:"إن الولايات المتحدة سوف تتحمل نفقات الحرب على العراق مهما كان الثمن باهظاً وإن لم يدعمها أحد لأن أهمية هذه الحرب تفوق مخاوف تكاليفها"ويوضح هذه الأهمية بجلاء فاضح جيمس بول المدير التنفيذي لمنتدى السياسات العالمية ويقول:"إن السيطرة على النفط العراقي ستؤدي إلى زيادة الإنتاج وبالتالي خفض الأسعار،وتؤدي إلى ربح29دولارا للبرميل الواحد،وهذا سيثبت الاستحواذ على تريليونات الدولارات من النفط،وإنه لشيء كثير يستحق الحرب".

إذاً الحرب بل الحروب والقتل لا من أجل قيم يدعونها بل لسرقة ثروات الشعوب، ،وما نراه في هذه الأيام من اضطرابات واختلالات في الأرض العربية بل أحياناً هزات بمقاييس عالية مردها جميعها النعمة النفطية.....

حروب....قواعد عسكرية.....نشاطات مخابراتية تآمرية......أنظمة تحارب شعوبها مدعمة بركائز مستوردة.......أساطيل تجوب البحار......طائرات تخرق الأجواء......وجثث ترمى في عرض الشوارع ، كلها من صنع الاستعمار الأمريكي الجديد المتحالف مع ربابنته القدامى فرنسا وإنكلترا وبعض الدول الغربية إضافة للحليف الدائم  في المنطقة "إسرائيل" وصولاً لأستراليا في أقصى جنوب الكرة الأرضية،ومن أجل هذه الغايات الدنيئة الوضيعة كان لابد من رسم ووضع أسس سياسية لا يُحاد عنها ولا تبدل ولا تعدل....إنها الاستراتيجيات التي تتنوع وتتعدد إلى استراتيجية كونية واستراتيجيات جغرافية سياسية للأقاليم والبلدان ،والكونية منها  همها الحفاظ على المصالح وتوسيع وتكبير الدور الأمريكي ليظل القطب الأوحد ، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال احتواء القوى الدولية  الصاعدة ووضع كل العراقيل أمام نمو قدراتها العسكرية والاقتصادية،ويتبدى ذلك في توسع وتوسيع مهام حلف الناتو وزيادة الانتشار العسكري الأمريكي في مناطق قريبة من الصين وروسيا وبأفضلية متميزة لمناطق تواجد الثروة النفطية والسيطرة عليها إنتاجاً وتوزيعاً،أما الاستراتيجية السياسية والمحددة لمنطقتنا العربية فالمحافظون الجدد ركزوا فيها على:

1-                              السيطرة على النفط.

2-                              دعم إسرائيل ومحاولة إبقائها قوة توازي مجموعة القوة العربية،بل تتفوق عليها.

               واجتماعات وزيرة الخارجية الأمريكية السيدة رايس مؤخراً ومنذ أيام مع وزراء خارجية ما سمي بدول الاعتدال أو6+2ومعها وزير الدفاع الأمريكي وإقرارها لصفقات أسلحة تقدر قيمتها بالمليارات لهذه الدول طمأنت قبلها ويعدها العدو"الإسرائيلي"بإغداق المزيد من عناصر القوة العسكرية عليه ليبقى في الإطار التفوقي المرسوم.

3-                              إضعاف المنطقة بكل الوسائل وحتى محاولات محو تاريخها وإرثها الثقافي ومعتقدها الديني،وتعميم الانقسام والفرقة لذلك يجب أن لا نستغرب مقولة الصحفي الأمريكي رأي حنانيا:"يميل بوش أن يرى الشرق الأوسط أكثر ظلاماً من أية منطقة أخرى".

والإستراتيجية السياسية  للقارة الإفريقية لها مرتسمها المحدد في :

1-                              استغلال القارة اقتصادياً تحت عنوان الشراكة الاقتصادية.

2-                              النظرة الأمنية الأمريكية بمحاربة ما أسموه بالإرهاب. وبما تخفيه من نوايا لتعزيز مصالحها

          وفي خمسينات القرن الماضي قال دالاس وزير الخارجية الأمريكي:"إن اعتبارات الأمن في منطقة البحر الأحمر هي التي حكمت علينا أن نضم إريتريا إلى الحبشة.هذه الصورة وهذا الرأي يسهل علينا فهم الأحداث التي تقع اليوم في الصومال،وغزو الحبشة له بمباركة أمريكية وعمالة ساقطة لحكومته المؤقتة،والباحثون المختصون في منهجيات السياسة الأمريكية يرون أن عوامل ثلاثة تدفع بها إلى هذه المناحي،دوافع مادية...ودوافع دينية...وعنصر القوة،ويقول والتر راسيل الباحث الأمريكي المتخصص في هذا المجال:"  لقد عملت القوة العسكرية وجاذبيتها الثقافية على إبقائها على رأس النظام العالمي"  ،  ويرى باحثون آخرون أن الجشع المادي والنهم يلازمان حياة الفرد الأمريكي , والدين برأيهم عامل رئيسي خاصة لدى البروتستانت الذين هاجروا من أوروبا و وجدوا  في العهد القديم ما يبرر لهم أعمالهم فهم يشبهون هجرتهم بالهروب من ظلم فرعون وعن ذلك يقول ميشيل بوغنون في كتاب له شارحاً هذا الشعور:"إنه يتجسد حقيقة سياسية واجتماعية بلا حدود مدعوة إلى فرض نفسها في كل مكان وما زال مستمراً في كل أعمال الأمة الأمريكية حتى اليوم ، وهي حقيقة لا تخطيء لأن الله يؤيدها  "   ولذا فتبريرات الرئيس بوش لجرائمه وإسباغ المسحة الدينية عليها تنفيذاً وبرأيه لأوامر الله منبعثة من هذا المنطلق المنحرف والله العزيز القدير بريء  منها وحساب مرتكبيها سيكون عسيرا في العاجل والآجل ً.

- السودان-

         تقصدت التوسع في بدايات البحث جامعاً المنطلقات لما يحاك  أمريكيا للوطن العربي وللسودان ، هذا البلد العربي تعيس الحظ فلقد انصبت الإستراتيجيتان الشرق أوسطية والإفريقية عليه في :

استغلال النفط في إطار ما يسمي بالشراكة الاقتصادية مع أفريقيا ,   ومحاولة تفتيته تمشياً مع المخطط المرسوم للأرض العربية،وقصة الأطماع قديمة قدم التاريخ المعاصر،وبريطانيا وفي نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كانت المعبر الأمثل عنها في احتلالاتها فمنذ عام1899وقيام الحكم الثنائي المصري البريطاني في السودان عملت حكومة الخرطوم  المستعمرة على إضعاف الثقافة العربية في الجنوب وعلى إذكاء الصراعات القديمة،  و عمدت وفي مراحل متعددة إلى تخويل بعض زعماء القبائل صلاحيات إدارية والاستعانة بالبعثات التبشيرية التنصيرية تحت عنوان(تمدين البشر)،وفي السابع من كانون الأول عام1917خرج من الجنوب آخر جندي سوداني من قوات الشمال،ورغم تقصير الحكومات المتتابعة بالاهتمام بالشأن الجنوبي إلا أن السودانيين كوّنوا مؤتمراً للخريجين بشكل مؤسسي الغرض منه الاهتمام الشمالي بالجنوب كان أن رفع مذكرة عام1942أي بعد ست سنوات من تكوين المؤتمر عبرت عن مخاوف الشماليين من الخطط الرامية إلى إبعاد الجنوب عن الشمال،  تضمنت :

1-                              إلغاء قانون المناطق المقفلة.

2-                              رفع القيود عن حرية التجارة والتنقل بين الشمال والجنوب.

3-                              إلغاء الإعانات الممنوحة للإرساليات.

4-                              توحيد برامج التعليم بين الشمال والجنوب.

وناقش في عام1947مؤتمر إدارة السودان مسألة مستقبل الجنوب ووصل إلى رأي أن مستقبل السودان يعتمد على توحيد سكان البلاد،وأن هذه الوحدة ستسير بخطى أسرع إذا ما كان للجنوب ممثلون في الجمعية التشريعية،وطالب المؤتمر بتعليم اللغة العربية وتوحيد السياسات التعليمية.

          وبالعودة إلى الماضي نجد أن عمر الخلافات قديم  لكن الصراعات الشمالية والجنوبية سبقت العثور على النفط بعقدين من الزمن،ورغم ذلك فلم يلتفت إلى مشاكله أحد لأن الفقر كان السمة المميزة لهذا البلد,  في تلك الآونة   كانت النزعات الإنسانية في سبات عميق لدى مدعيها اليوم  بل كانت غائبة وغير موجودة لكن ما إن اكتشف النفط وبدأ الإنتاج حتى استدارت الوجوه الطامعة نحوه،وبدأ الجيش الشعبي لتحرير السودان وبدعم خارجي يهدد مناطق النفط وأنابيبه،والأقسى من ذلك أن  تزيد البعثات التبشيرية نشاطاتها حتى وصلت أن منظمة الإغاثة الكندية منعت الشركة الكندية من العمل في مجال استخراج النفط بحجة أن ذلك يدعم الحكومة في حربها.

          لقد علمتنا مدرسة الحياة أن المبادئ والعقائد والثقافات وحتى المصالح تجمع ما بين أصحابها ومعتنقيها ،  لكن يستثنى منها أغلب الأنظمة العربية ،  وفي دراسة للدكتور رفعت سيد أحمد لكتاب وثائقي صدر عام2002عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة تل أبيب للعميد في المخابرات الإسرائيلية موشي فرجي والكتاب بعنوان(إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان)يوضح الكاتب أن بن غوريون أسس الانطلاقة لفرضية رئيسية أقام عليها " الإسرائيليون " تعاونهم ودعمهم اللا محدود للأقليات العرقية والدينية في الوطن العربي ونصها تركز في قوله:"نحن شعب صغير وإمكانياتنا ومواردنا محدودة ولابد من اختزال هذه المحدودية في مواجهة أعدائنا من الدول العربية من معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات الإثنية والطائفية حتى تضخم،وتعظم هذه النقاط إلى درجة التحول إلى معضلة يصعب حلها أو احتواؤها"وهكذا أصدر بن غوريون أوامره إلى أجهزة الأمن للاتصال بزعامات الأقليات في العراق والسودان وإقامة علائق مختلفة معها وقد سبق ذلك خلق محطات اتصال في كل من إثيوبيا-أوغندا-كينيا-زائير،وكان القرار الإسرائيلي بدعم حركات المقاومة وفق تعبير المؤلف و جون جارانج كان  صلة الوصل الرئيسية قُدم له الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي،وانتشرت شبكات الموساد في شمال العراق وجنوب السودان وجمعت المعلومات عن الأوضاع العامة في كل من الحيزين الجغرافيين،ومعلومات خاصة عن جارانج الحاصل على درجة الماجستير من جامعة إيفا في الولايات المتحدة الأمريكية وفور انتهاء دراسته تلقى دورات عسكرية فيها إضافة إلى دورة عسكرية خاصة في كلية الأمن القومي الإسرائيلي،وهنا يتبادر سؤال كبير  كيف احتضنته القاهرة؟!....وبناء على توصيات " إسرائيلية " أمريكية نال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من الجامعة ذاتها"إيفا"والملامح الشخصية له وخلال قيادته للجيش الشعبي في حركة تحرير جنوب السودان أنه يريد الانفصال ومعاد للعروبة والإسلام،وجارانج وفي بداية عام2002قال في أسمرة العاصمة الإرتيرية أثناء زيارته لها  ولقائه مع مسؤول إسرائيلي كبير في وزارة الدفاع معترفاً بفضل إسرائيل عليه وعلى حركته:"أنتم ظهر الجماعات والأقليات المقهورة ولولاكم لما تحرر الأكراد من العبودية العربية ولما نفض الجنوبيون في السودان عن كاهلهم غبار الخضوع والخنوع والذل والعبودية،ونحن نتطلع إلى استمرار هذا الدور حتى بعد أن يتمكن الجنوبيون من تشكيل كيان سياسي وقومي خاص بهم متسلحاً ومنفصلا ًعن سيطرة الشمال"  ،  واستمر الدعم بكل أنواعه زمن حكومات رابين-شامير-نيتنياهو وضباط من أصل إثيوبي يخدمون في الجيش " الإسرائيلي " ومنذ عام2002 تولوا مهمة تدريب الجيش الشعبي السوداني وتسليحه ووضعوا تحت تصرف العقيد جون جارانج وهم من يهود الفلاشا هاجروا إلى  الأرض المحتلة منتصف الثمانينات،وفي نهاية الكتاب وفي الفصل الختامي يقول المؤلف:"إن دور " إسرائيل " بعد انفصال الجنوب وتحويل جيشه إلى جيش نظامي سيكون  رئيسيا وكبيرا ويكاد يكون تكوينه وتدريبه وإعداده صناعة كاملة من قبل" الإسرائيليين "،    وسيكون التأثير  " الإسرائيلي "  عليه ممتد حتى الخرطوم وجنوب السودان ولن يكون قاصراً على مناطق الجنوب،بل سيمتد إلى كافة أرجائه ليتحقق الحلم الاستراتيجي " الإسرائيلي " في تطويق مصر ونزع مصادر الخطر المستقبلي المحتمل ضدنا ، ومن خطورة هذه الكلمات ينبعث من أعمق أعماق كل عربي مصري أين النظام المصري من كل ذلك؟!....والذي أدار ظهره لكل الأمة العربية بل أضحى منفذاً أحياناً لسياسات الأعداء حتى أمنه الوطني الاستراتيجي تخلى عنه خاصة وأن مصادر مياهه مياه النيل اقترب كثيراً منها أعداؤه وحطوا رحالهم عندها  ذلك إن كان لا يزال يعتقد ويؤمن بهذه المقولة-مقولة الأعداء- والواضح والبيّن تخليه عنها.

إنها تحالفات عدائية استراتيجية جمعت بين أعداء الأمس واليوم في استهدافهم للأمة العربية من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها.

     التركيب السكاني لهذا البلد يتكون من53% عرب،39% أفارقة،6% البجا،2% أجانب،المجموعات الأخرى1% يعتنق80% الدين الإسلامي،15% المعتقدات المحلية والباقي5% مسيحيون،وهو غني بالثروات الباطنية ففيه الغاز الطبيعي ومخزون صغير من الحديد الخام إضافة للفضة والذهب واليورانيوم،وفكرة البحث عن الثروة النفطية بدأت عام1974لكن الرئيس النميري دعا شركة شيفرون الأمريكية عام1979للاستثمار في السودان على حساب الصناعة السوفيتية، إلا أن الأوضاع الأمنية واستهداف الشركة أدى إلى اتخاذها قراراً بتعليق نشاطها في عام1984،وفي عام1992باعت الشركة حصة امتيازاتها للشركة السودانية.

بعد ذلك بدأت شركات صينية وماليزية وبريطانية وألمانية باستثماره،وفي عام1999وفي آخر تقدير للاحتياطيات النفطية وصل إلى12.5بليون برميل،وفي نهاية العام ذاته بدأ التصدير بحوالي150ألف برميل يومياً،ارتفع الرقم ليصل إلى500ألف برميل والخبراء يتوقعون وصوله إلى700ألف برميل،والشركات المستخرجة له مكونة من الشركة الماليزية الوطنية للنفط،وشركة الصين الوطنية للنفط والشركة الهندية والشركة الوطنية السودانية بنصيب مقداره5%.

70% من الكمية مستخرجة من الجنوب و30% من الشمال،لكن أغلب الاكتشافات الحالية تقع في الشمال،ومركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بالتعاون مع مركز التدريب النفطي نظم دورة حول صناعة النفط في السودان،وفي ورقة قدمت للندوة بينت أن40% من مساحة السودان مغطاة بأحواض رسوبية فيها شواهد نفطية وقد تعرضت الندوة للمناخ الدولي المشبع بالصراع على سلعة النفط تحف به وتحاصر مستقبله الصراعات الداخلية واستراتيجيات ومصالح الدول المشاركة في عملية الإنتاج،وطموح الولايات المتحدة وطمعها لوضع يدها بالكامل على نفط السودان،ومساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية ذكر عام2002أن:"نفط غرب أفريقيا أصبح يشكل لدينا مصلحة استراتيجية وطنية"،وفي آب عام2005كتب ديفيد موريس في مجلة ذي نيشن نيويورك قائلا ً:"البترول هو القوة الدافعة وراء الحرب الأهلية في السودان،والنفط هو القوة المحركة في دارفور"ويتابع:"ذلك شبيه بالصراع الدافع الرئيسي بين الشمال والجنوب بعد اكتشاف شيفرون النفط في الجنوب عام1978"والسودان في رأيه من أفقر بلدان القارة.

 

          كانت المشاكل القديمة بين الشمال والجنوب عمل على تأجيجها المستعمر البريطاني واشتدت حدة الصراع بعد اكتشاف النفط،ثم تحول أحيانا إلى دافع للدخول في عملية التسوية الشاملة بضغوط أمريكية بريطانية،إيطالية،نرويجية لأن الهدوء بسمح للشركات بتطوير ثرواتها من النفط سيما وأن أمريكا الحالم والطامع الأكبر في الاستثمار،ووقع الطرفان على اتفاق نيفاشا في25سبتمبر-أيلول-2003وقد سبقته مبادرات ومؤتمرات واتفاقات بلغت13مبادرة،وتفوح منه روائح التقسيم فهو يوقف الحرب بين الطرفين ويعتبر القوتين سواسية بوصفهما قوات مسلحة وطنية خلال الفترة الانتقالية الممتدة لست سنوات يجري بعدها استفتاء لتقرير المصير في الجنوب،كما أن  من بنوده إعادة انتشار القوات المسلحة شمال الحدود والوحدات العسكرية المدمجة تتكون من أعداد متساوية من الطرفين تعتبر البداية والنواة للقوات المزمع تشكيلها إذا أقرّ الاستفتاء الوحدة،ويتقاسم الطرفان عوائد النفط مناصفة بعد منح2% على الأقل من المبالغ المحصلة للولاية التي يتم استخراج النفط فيها،وللمجتمعات التي تعيش في مناطق الاستخراج كلمتها في العقود كما تمادى الاتفاق في بنود له فأقام نظاماً مصرفياً ثنائياً يكون النظام إسلامياً في الشمال-تمنع الفائدة بموجبه-ونظام عادي في الجنوب، مقررا أن البنك المركزي ملزم عند إصدار العملات الوطنية الجديدة بإظهار تنوع الثقافات أثناء طباعة أوراقها.

لقد دقت أسافين التقسيم ومنذ أكثر من عامين صدر تقرير عن الأمم المتحدة يركز على أن عدداً من الدول الجديدة في أفريقيا سيظهر خلال الألفية الثالثة وقد يكون الجنوب السوداني منها،والذي يشكل23% من مساحة السودان الإجمالية،وتتوسع النقمات والكوارث،وتزداد شراستها بعد أن أعلنت الحكومة في نيسان عام2005عن اكتشاف النفط في جنوب دارفور،والدراسات الجيولوجية تبين أن الثروة النفطية المتواجدة في دارفور تحاذي بحيرة النفط الممتدة من إقليم الغزال مروراً بتشاد والكاميرون وذات المنطقة غنية بالنحاس واليورانيوم،وجريدة الغار ديان البريطانية تحدثت عن المكاسب النفطية التي ستحصل عليها أمريكا من جنوب إقليم دارفور وجنوب السودان في حال غزو هذا البلد.

          وفي هذا الزمن الرديء أصبحت الأمم المتحدة وقراراتها الواجهة والبرقع للتمويه والتغطية على الاستعمار الجديد في العراق.....في لبنان....في فلسطين.......في الصومال.....وفي السودان،وانهالت القرارات وهتنت هتن المطر الغزير لإرسال القوات الدولية لمعالجة الحالات غير الإنسانية في هذا الإقليم،وهنا لابد من الاعتراف بوجود طفرات وخصومات  بين قبائل المنطقة،   كان القرار1706لمجلس الأمن وفيه إرسال القوات الدولية الذي امتنعت الصين وروسيا عن التصويت عليه،وكان قبلا ًاتفاق أبوجا في مايس1706للسلام في دارفور وافقت عليه حركة تحرير دارفور بينما رفضته حركة العدل والمساواة......ومنذ أيام صدر قرار دولي زاد من أعداد القوات وضم إليها أفراد من الشرطة وقد أقر بالإجماع وفي تقدير من سعوا له ووضعوا مشروعه  أنه سيؤمن السلام، ومصالحهم  ستتحقق بعدها  وبعثاتهم التبشيرية فيه سيزداد نشاطها وقد ارتفع عددها مؤخرا إلى أكثر من30منظمة.

مَهد للقرارات الدولية قرار مجلس الشيوخ في شباط2006المتضمن طلب قوات عسكرية من حلف شمال الأطلسي في دارفور إضافة إلى قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة،والرئيس التشادي -جار السودان-  إدريس ديبي له  الدور الرئيس في إشعال وإذكاء الفتن عام2004في دارفور تمشياً مع السياسة الأمريكية،حصل لقاءها على دعم أمريكي كبير،وبالغرب من حدود دارفور السودانية وفي الأراضي التشادية تقوم شركتا شيفرون واكسون موبيل ببناء خط أنبوب نفطي بكلفة3.7مليار دولار يحمل هذا الأنبوب160ألف برميل من المناطق القريبة في دارفور،ويصل إلى المحيط الأطلسي ولربما ربط هذا الخط مستقبلا ً،ووسع لينطلق من ميناء ينبع السعودي مروراً بالبحر الأحمر وشرق القارة الإفريقية وبدارفور وصولا للشاطئ الغربي.

          ويعود التاريخ الاستعماري لتكرار مساوئه بإخراجات جديدة وفور انتهاء الحرب العالمية قال ونستون تشرشل الانكليزي  وبوقاحة :"أنا أقف إلى جانب استخدام الغازات السامة ضد الأقوام غير المتحضرة،إن التأثير المعنوي سيكون جيداً وسوف تؤدي إلى نشر رعب واضح".

كان ذلك أثناء قصف العراق بالغازات السامة،ولقد حلت أمريكا عن جدارة وتفوق محل بريطانيا ففي طوكيو دمرت334طائرة أمريكية ما مساحته16ميلا ًمربعاً بواسطة القنابل الحارقة مما أدى إلى قتل100ألف شخص وتشريد مليون نسمة،وتكرر ذات العمل بدرجات مع64مدينة يابانية أخرى إضافة إلى ضرب هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة النووية،ومنذ1945قتلت القوات الأمريكية مائة ألف قتيل كوري،وبين عامي1952-1973ذبحت عشرة ملايين صيني وكوري وفيتنامي ولاوسي وكمبودي،وراهب بوذي فيتنامي اسمه(شن هاو)  يقول:"تم تعذيب700ألف شخص واغتصاب31ألف امرأة،ونزعت أحشاء300شخص وهم أحياء،وحرق400حتى الموت،وقصف مدينتي هانوي وهايفونغ الفيتناميتين عام1972 أدى إلى إصابة30ألف طفل بالصمم"،وحتى لا نبعد كثيراً والجرائم الأمريكية مستمرة عن ذلك يقول"بوب نيكولز"الخبير العسكري مشيراً إلى حجم الإشعاع الذي أطلق على العراق عام2003يعادل مئات القنابل النووية مما أدى إلى  ارتفاع نسبة الإصابات بالسرطانات،وازداد عدد الولادات المشوهة،ووزارة الصحة العراقية تحدثت عن وجود ما بين120-140ألف عراقي مصابين بالسرطان عام2004يضاف إليهم سنوياً7500مصاباً.

ولتكرار مثل هذه الجرائم لابد والنوايا الجرمية ما زالت موجودة وحاضرة في الذهن الاستعماري وعمادها مادة اليورانيوم الموجودة عالمياً في كندا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا وأستراليا ونيجيريا والسودان،وفي دارفور تحديداً يتواجد مخزون جيد لها والكميات العالمية قليلة لأن القشرة الأرضية تحتوي في الطن الواحد3غرامات،وفي مياه البحر نسبة3مليغرامات،واليورانيوم العادي يتفرع منه نوعان المستنفد والمنضب تختلف نسبة التركيز فيهما فالمستنفد يستعمل في صناعة دروع الدبابات الثقيلة والذخائر المضادة للدبابات والقذائف والمقذوفات بسبب شدة كثافته وارتفاع نقطة انصهاره والأسلحة المصنوعة منه تصنف تحت اسم الأسلحة التقليدية يتسرب منها بعد إطلاقها على شكل جسيمات دقيقة أو غبار يمكن استنشاقه أو ابتلاعه ويظل عالقاً في البيئة وأنواع منه تشع لمدة لا تقل عن4500مليون سنة،وانعكاساته خطرة  على جسم الإنسان فجسيماته تؤدي إلى إتلاف أنسجة الرئة وتزيد من احتمال الإصابة بسرطانها  كما ويؤدي إلى سرطانات في الأجهزة الأخرى،والمنضب منه يستعمل في توليد الطاقة الكهربائية ففي عام2000تمكنت الطاقة النووية- وهو عمادها-من إنتاج31% من الكهرباء المستهلك في أوروبا الغربية،15% في الولايات المتحدة و38% في أمريكا اللاتينية،و24% في أفريقيا،والنفط واليورانيوم إضافة للذهب الذي بدأ السودان باستخراجه وبيعه جميعها حملقت نحوها العيون وانفتحت الأشداق على أواخرها،والأيدي الآثمة امتدت من أجل السرقة ولكل ذلك  ,   بدأت عوامل الإضعاف واستنزاف ما يمكن استنزافه من الثروة وإثارة كل النعرات في المجتمع السوداني.....تحت غرض استعماري جديد هو تحويل النعمة إلى نقمة مكافئة أمتنا بأقصى العقوبات.

وفي هذه الحقبة الزمنية حيث تخلت بعض القيادات السياسية عن مسؤولياتها وخلفتها وراءها تاركة عبث العابثين يصول ويجول على الأرض العربية حتى الحقوق الوطنية راحت تباع في أسواق من نوع جديد سميت بأسواق  البيع المجاني لكل شيء إلا كراسي المناصب فهي وقف عليهم وعلى أسرهم ،والشراة يحصلون على مايريدونه جيوبهم خاوية عند دخول السوق مليئة عند الخروج منه،وقدر الأمة العربية أن يطلق على هذا العصر عصر الشعوب فعليها المسؤولية الأولى،وفي السودان فالشعب العربي السوداني مطالب اليوم حكومة ومنظمات وأحزاب أن يغلبوا التناقضات الرئيسية مع المستعمرين الجدد على كل التناقضات الثانوية مهما كان حجمها،ولو استمرت الأوضاع على ما هي عليه من اختلاف في الرأي المحلي على الجزيئات يقابل ذلك تمسك وتعصب وإصرار على تنفيذ الإرادات المعادية فإن المستقبل سيكون قاتماً وشديد القتامة فليتعاون الجميع بل لتتعاظم نية المواجهة والتصدي لكل هذه المؤامرات لتدمير الأرض وقتل الحرث والنسل،وليبدأ التحضير الشعبي الجاد للمقاومة المسلحة معتمدين  فقط على الشعب العربي في مصر  وعلى دعم الأمة العربية بكاملها لا على الأنظمة الشمولية  فالمعركة قادمة تحت عناوين النهب-التفتيت-محو الثقافة و تغيب المعتقد الديني،ومن اختار هذا الطريق فهو يلبي نداء ربه جلت قدرته.

قال تعالى في كتابه العزيز:

"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"سورة البقرة، الآية190.

"وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم"سورة البقرة، الآية244.

وقال تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم"سورة آل عمران، الآية31.

فيا من أحب الله العلي القدير وازداد حباً له وإيماناً به النصر لكم إن أحسنتم النية والعمل،والخزي والهزيمة للذين يعتدون عليكم.

لنحافظ على هبة الله النعمتين الروحية والمادية و ولنجيّر ونحول النقمة على من يريدون سوءاً بنا.

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة