|
محاولة قتل نجيب محفوظ بدلا من مناقشة اعماله الروائية.
فرض
الرقابة علي الأيام لطه حسين، بدلا من قراءته في شكل نقدي.
تفريق نصر حامد
ابوزيد عن زوجته، بدلا من تحليل كتاباته.
اغتيال حسين مروة ومهدي عامل وسمير
قصير
بدلا من الرد علي اطروحاتهم الفكرية والتاريخية.
الهياج علي منح رشدي لقب
فارس
في بريطانية، بدلا من مناقشة كيف يقبل كاتب بتكريم طوني بلير له بعد البيان-
الموقف الذي اصدره هارولد بنتر ضد حكومة بلير وسيدها جورج بوش.
احراق كتاب قول
يا
طير في مدارس فلسطين، بقرار من وزير التربية السابق.
بيع
عفش احمد عبدالمعطي
حجازي في المزاد العلني، بدلا من خوض معركة ثقافية معه.
والي
آخره...
اكتب
الي
آخره، كي اعني الي ما لا آخر له، فالثقافة العربية تعيش في هذه الحقبة
مرحلة
الاستبدال، اي مرحلة تحويل الكتابة الي تهمة، والابداع الي عورة. صار الخبر
الثقافي
مرتبطا بالقمع او المصادرة او الاغتيال. بدلا من ان يكون الخبر صدور رواية
جديدة او
ديوان شعر او دراسة علمية، صار الكاتب خبرا والقمع مبتدأ في زمن الفعل
العربي
الناقص.
المحتسب الشيخ يوسف البدري، الذي كان بطل تفريق ابوزيد عن زوجته، مما
اضطر
احد كبار المفكرين المصريين والعرب الي الهجرة الي هولندا، هو بطل قصة
جديدة
مفادها بيع عفش منزل الشاعر احمد عبدالمعطي حجازي بالمزاد العلني من اجل
دفع تعويض
للشيخ المذكور عن مقال كتبه حجازي في مجلة روز اليوسف عام 2002، حيث قارن
الشاعر
بين
حزب شاس في اسرائيل وبين المحتسبين الجدد في مصر، وعلي رأسهم البدري
المذكور.
مسألة البدائل صارت تثير السخرية المرة، الي درجة ان المثقفين العرب
فقدوا شهية خوض المعارك دفاعا عن حقهم في الأوكسجين، هكذا يسكتون عن اعتقال
ميشال
كيلو
ورفاقه في السجون السورية، وهم معتقلو رأي بكل ما في الكلمة من معني،
ويتعاملون مع قضية حجازي بخفة، وينسون شهداء الرأي والحرية في لبنان،
ويشهدون حفلة
تهريج ثقافية في فلسطين، والي آخره...
اكتب
الي آخره كي اعني ما لا آخر
له.
تحطيم حرمة طه حسين الرمزية، من اجل الدفاع عن الأزهر، مرت بهدوء مريب، كما
ان
منفي نصر حامد ابوزيد صار وكأنه مسألة طبيعية، والحملة البحرينية علي مجنون
ليلي
لقاسم حداد ومارسيل خليفة، بدت جزءا من المشهد، ودم سمير قصير المسفوك
دفاعا عن حق
بيروت في ان تكون مدينة الحرية في لبنان وفلسطين وسورية، يجري محوه بمزيد
من الدم
والكثير من العهر الاعلامي.
انه
زمن الفعل الثقافي العربي الناقص.
والفعل
الناقص له وجهان:
الأول اسمه التخجيل، والثاني اسمه الترهيب.
يتجسد التخجيل
في
رفع الشعار الديني في مواجهة الثقافة. وهو يأتي من جهل عميق لتاريخ الثقافة
العربية وواقعها. منذ متي كان علي الثقافة والابداع ان تأخذ ترخيصا او فتوي.
ان
تاريخ الابداع في الثقافة العربية شعرا ونثرا، من امرئ القيس الي ابي نواس،
ومن
المتنبي الي السياب، ومن ابن المقفع الي الجاحظ الي احمد فارس الشدياق، هو
تاريخ
مواز
بل معارض لعلم الفقهاء، ورفض لقدسية اللغة. غير ان التخجيل يجد مسوغه في
الانحطاط السياسي للحركة الوطنية والقومية، التي يهيمن عليها ديكتاتور احمق
يقود
امته
الي الهزائم والمذلة.
آن
الاوان كي ترفع الثقافة الحديثة صوتها ضد
الديكتاتور، وتعيد الحق الي نصابه، وتخوض معركة حرية الفكر في وصفها جزءا
من معركة
حرية
المجتمعات العربية وتحررها من الهيمنة الصهيونية والبلطجة الامريكية.
اما
الترهيب فلا حدود له. عاد الشيخ لينتقم من العلماني، وهدفه تحطيم المجتمع
وتكبيله.
وهو
شيخ رأسمالي ومعولم، يعطي الصدقات للفقراء كي يسلبهم حقوقهم، ويهاجم الفساد
كي
يعيد
المجتمعات العربية مئات السنين الي الوراء.
الترهيب يمارس القتل، ويتحالف
مع
الشيطان من اجل ابادة خصومه، لا يمانع في ان يكون اداة الطغاة المرحلية كي
ينقلب
عليهم، مثلما فعل بالسادات، او ان يهادن اسرائيل كي يستطيع، متي قوي عوده،
مصادرة
المقاومة.
بين
التخجيل والترهيب، تجري احدي اكبر المحاولات، في تاريخ العرب،
لتحطيم الثقافة، ووأد الروح، من بلاد الرافدين التي انتهكت آثارها، وتحولت
هجرة
مثقفيها وشعبها الي دياسبورا كبري، بفعل وحشية الاحتلال الامريكي، الي مصر
التي
يداس
تراثها التنويري بأقدام المحتسبين، الي لبنان الذي يقتل مثقفوه، الي سورية
التي
صارت سجنا للثقافة والرأي الحر الي آخره...
اكتب
الي آخره كي اعني الي ما
لا
آخر له.
لقد
وصل القاع الي قاعه، الأزمة الكبري التي تعيشها العرب ليست ازمة
سياسية الا بمقدار ما هي ازمة ثقافية. لقد كانت هزيمة الانتفاضة الفلسطينية
الثانية
مؤشرا علي هزيمة كل العرب. فعندما يختنق الخطاب الوطني العلماني بالفساد
والعجز،
ويستبدل بخطاب ديني لا يفقه من الاستراتيجية سوي التفاصيل الصغيرة، نكون في
الأزمة.
السكوت الثقافي العربي، والمهادنة، وتدوير الدوائر، والخنوع والي آخره،
سوف
تقود الي الموت والاندثار.
اكتب
الي آخره، كي اعني الي ما لا آخر له.
|