|
حورات |
|
|
|
|
|
مصالحة الإستعمار دون خروجه...تقاسم الوطن مع العدو:عزمي بشارة كحالة دراسية (الجزء الأول) -عادل سمارة |
||
|
2007-08-05 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
|
ملاحظة من "كنعان":
آثرنا في "كنعان" ان ننحو منحى يتوخى تناول قضية د. عزمي بشارة من مدخل يتجاوز الشخصنة ويتحاشى إختراع البطولات (والمعارك) الدونكشتية، ويسعى الى رؤية هذه القضية من خلال المعطيات الموضوعية المادية، كي يستطيع المواطن والمثقف أن يفهم معنى هروب بشارة من ساحة الوطن، كما يقول الزميل عادل سمارة في خلاصته، في سياق دخوله الى الكنيست وقسم يمين الولاء للدولة اليهودية وفي إطار الفهم الشامل لطبيعة الصراع في بلادنا. * * * تشتد وتمتد هجمة العدو المعولمة ضد الوطن العربي هذه الأيام لتصل من أقصاه إلى أقصاه وتفيض. قوى من الداخل وأخرى من الخارج، طبقات محلية وأمم أجنبية وقوى استيطانية، مجهزة كلها بأكثر مما يلزم، وليس على حسابها، بل من ثروة الأمة، ومن أجل هذه الثروة. وهذا يطرح التحدي الدائم: كيف تقاوم، من اين ومع من؟ ويكون الجواب دوماً: حتى لو كنت وحدك، فلا بديل عن المنازلة! ولكنهم لا يمهلوك كي تختار الموقع فهم كثيرون مثل عديد الشرور، مثل شياطين المؤمنين، وهنا تكون المشكلة: كيف يمكنك اغتنام لحظة صغيرة تركز فيها الذهن والأعصاب لتختار أية معركة تدخل. وفي كثير من الأحيان تدخل معارك عنوة وقسراً، لكنها مع ذلك هي مقاومة، وتصبح أكثر جمالاً وأهميّة لأنها في حقبة العولمة. هذا شعور قوى المقاومة سواء حاملي السلاح أو القلم حين مواجهة وباء مثقفي التسوية، والعولمة. لعل الأشد خطورة في معسكر العدو، هو الشر الناعم الذي يحاول اختراق نسيج الطبقات الشعبية العربية عبر الفضائيات كالمرض الخبيث. يدخل الأمة باسم الأمة، ويدخل الطبقات الشعبية باسم الحرص عليها، نعم فلا أخطر! (1) نظرية ما بعد الاستعمار...دون أن يخرج الإستعمار أصبح لا بد من مدخل نظري لتفكيك خطاب مثقفين متصالحين مع الإستعمار الإستيطاني. مثقفون فلسطينيون، وطنهم مغتصب، وشعبهم مطرود إلى منافي الفقر والمذلة والجوع، بينما يتصرف هؤلاء كما لو كانوا ابناء شعب يعيش حياة طبيعية، ولا يشغله سوى نكد بعض المشاكل الحدودية التافهة مع الجيران. يذكرني هذا بسؤال من طالب في جامعة ماكماستر في كندا، حيث دعاني الصديق د. عاطف قبرصي للحديث في القاعة العامة عام 2001، وهناك سألني طالب مستهجناً: " ولماذا لا يلعب الشباب الفلسطينيون كرة القدم بدل أن يرجموا جنود الجيران الإسرائيليين بالحجارة؟" نعم، حينما انتصر التيار الرسمي الفلسطيني والعربي وتفَّه حقوقنا إلى : "إزالة آثار العدوان عام 1967" رسخ في روع العالم أن الإحتلال الأول 1948 هو "أرض إسرائيل"، ولاحقاً، أن اتفاق أوسلو قد أعطى الفلسطينيين دولة! فيا للمصيبتين! كم نحتاج من الوقت والجهد كي نعيد للعالم حقيقة أن أرض فلسطين احتلت استيطانيا عام 1948، وأن بقيتها احتلت عام 1967 والمهم أن الإحتلال كاستعمار استيطاني لم يخرج، ولذا، فإن تصرف مثقفين فلسطينيين من طراز عزمي بشارة وإدوارد سعيد ومحود درويش ومريديهم، (كما لو أن المشكلة هي في 1967، وأن أوسلو قد حلتها بدولة، وما يجب استكماله هو تجاوز بعض الإشكالات)، هو تصرف كارثي. لقد تصرف هؤلاء كما لو أن أوسلو تعني زوال الإستعمار أو أن الفلسطينيين دخلوا مرحلة ما بعد الإستعمار. لذا، كان لا بد أن تكون الحلقة الأولى من هذه الورقة تناولاً أو الاتكازاً على نظرية ما بعد الإستعمار، في حدود تعلقها بموضوع المعالجة. لم يخرج الإستعمار من الوطن العربي، وإن خرج من بعضه فجزئياً، وفي البعض وإلى البعض عاد، وربما كان هذا الوطن الوحيد الذي يجمع بين: - وجود استعمار استيطاني (فلسطين والجولان)؛ - استعمار مزدوج بين الإستيطان والاستعمار الكلاسيكي (الأهواز وإنطاكية؛ وسبتة ومليلة وطنب الصغرى والكبرى وابو موسى)؛ - وخروج شكلي للإستعمار (مختلف القطريات العربية- والخروج من سيناء الذي يشتمل على خروج مصر كذلك!)؛ - واستدعاء الإستعمار (مختلف القطريات النفطية والقطريات التي تتمدد على شرفها قواعد أميركية هي الأكبر في العالم)؛ - واستدعاء الإستعمار دون قدرته على الرجوع (لبنان)؛ - وعودة الإستعمار بشكله العسكري (العراق والصومال). أما وهذا حال الوطن العربي، بكل هذه البشاعة والفظاعة، فليس هناك ما يمنع تجريم المثقف الذي لا ينتمي إلى الأمة بلا تردد. لا يمكن قبول ستائر من طراز التأدب الأكاديمي، والحوار العلمي، والترفع عن ذكر الأسماء كي لا تُدرج الكتابة في قائمة التشهير الشخصي...الخ. في هذا الصدد ستكون معالجتنا لهذه المسألة التي تحتاج إلى مجلدات، مقسمة إلى ثلاثة أقسام: الأول: التستر وراء نظرية ما بعد الإستعمار وخاصة إدوارد سعيد. والثاني: وقائع حالة د. عزمي بشارة نموذجاً. والثالث: السيناريوهات لرحيل بشارة الطوعي. فشل التستر بما بعد الإستعمار لعل الميدان الرئيسي لمنظري ما بعد الإستعمار هو رفضهم للإستعمار من جهة، وعجزهم عن تفهم العالم الثالث في وضعية ما بعد الإستعمار من جهة ثانية، مما يضعهم في التحليل الأخير كمن يتفجعون على الإستعمار نفسه، اي ينحازون في التحليل الأخير للسيد باسم تمثيل المضطَهَدين! وكأننا أمام حالة من دونية المحيط الثقافية لثقافة المركز. وهو الأمر الذي وإن زعم منظرو ما بعد الإستعمار التوقف عنده، بما هم مرتكزون ومركزون على الثقافة والخطاب، فهم إنما يخدمون مصالح المركز الطبقية الراسمالية وهذا بيت القصيد، وهذا ما يرفضون رؤيته لأن اعترافهم برؤيته يدينهم بشدة. يشير ألان والد إلى: " العلاقة بين من حاولوا تجاوز الماركسية بالمابعديات ما بعد البنيوية وما بعد الماركسية وما بعد الحداثة والمسماة "نظام النجوم" والتي كان المشاركون الراديكاليون فيها بعيدين على الأغلب عن المنظمات الإشتراكية والنضالات العادية للشعب العامل. لقد قام الجيل الجديد من الأكاديميين ذوي النفوذ بإعادة التفسير وبتوسيع نطاق الكتابة عن المنظرين الذين كتبوا نظريات ثقافية ضدالاستعمار ليحشروا تحت عباءة نظرية ما بعد الإستعمار مناضلين نشيطين أمثال فرانز فانون، في "معذبو الأرض" (1963) ، وأميلكار كابرال في "العودة إلى المنبع" (1973) ... وكانت نتيجة هذا التمطيط والمزاوجة أن طلاب نظرية ما بعد الإستعمار قد أخذوا يتكلمون لغة خفية لا يسهل فهمها إلا على القوم ذوي الإمتيازات[1]". والسؤال هو: ماذا حينما نربط الأمر بالفضائيات العربية وما تصنعه من نجومية لا سيما في بلدان تفتقر حتى لأكاديميا حقيقية؟ لقد خلقت الفضائيات العربية مثقفين فضائيين يجري تلميعهم في حدود انسجامهم وتماهيهم مع سياسة الأنظمة العربية التي في النهاية قرارها أميركي. وتكون اللعبة أخطر حين يصبح المثقف ليس مجرد نجم فضائي "صورة" يلمع لأنه على الشاشة بغض النظر عن ما يقول، بل حينما يسقط في هواه العديد من المثقفين والأكاديميين العرب محفوزين بلا وعي ولا ضوابط في حمأة: - البحث عن بطل "فكري محلي" لموازاة ما لدى الغرب الراسمالي. - محاولة الوصول إلى احترام الأكاديميا الغربية عبر المثقف المقبول من هذا الغرب. هنا، نجد هؤلاء المثقفين وقد استبطنوا الدونية بمرتبتين مما يحول دون قدرتهم على تفكيك هذا المثقف أو حتى مناخ بروزه وإبرازه. وعليه، حتى وهم لا يستطيعون الدفاع عن مواقفه وأطروحاته، فإنهم لا يتزحزحوا عن محض ولائهم فاصلين بين ما يقوله وبين ما يصرخ به واقع الوطن والأمة مما يضع هذا المثقف حقاً في صف الأعداء، ويضع كذلك تلامذته، وتابعيه ومريديه العاجزين عن التخطي علماً بأن التخطي شرط الإبداع والتطور، في حالة من الوعي الجبان، والجهل المتعالم! في هذا السياق كان الغفران للمرحوم إدوارد سعيد الذي توسط بين الإدارة الأميركية والأكاديميا الغربية، وبين الإدارة الأميركية والمقاومة الفلسطينية، وقبل عضوية المجلس الوطني الفلسطيني بالتعيين، وعمل مستشاراً للسيد ياسر عرفات قبل أن يستقيل ويشن الحملة على إتفاقية أوسلو، ودعا الفلسطينيين العرب داخل الكيان للمشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني ليصوتوا لصالح عزمي بشارة الذي استخدم القومية العربية للوصول إلى الكنيست. كانت جماعة بشارة قد استضافته في الناصرة، بينما عارضت زيارة درويش الأخيرة إلى حيفا. وبهذا كان إدوارد سعيد، الأول بين منظري ما بعد الإستعمار الذي أرسى حجر الأساس لتجاهل وجود استعمار إستيطاني في فلسطين. وعلى الأساس نفسه كان الغفران لمحمود درويش الذي غادر الوطن بعد أن غنى له طويلاً، وما زال كثيرون يغنوا للوطن على تفعيلات غناء درويش، أي بعد أن أصبح الوطن بالنسبة لدرويش لغة وقصيدة وحياة مرفهة، يشرب الإسبرسو دون أن يدفع الثمن، كما كتب عنه أحمد أشقر، وما زالوا يغنون، بل ويسمعوا الهجران الفعلي من محمود للوطن، ولا يتوقفوا عن ضجيج الغناء، ربما كي لا يسمعوا[2]. كما عاد درويش بالتطبيع من خلال اوسلو، وانتهى إلى الدعوة لوطن رمزي ونضال رمزي، ونقل الجدل من النضال اليومي للطبقات الشعبية إلى نقاش فني مجرد مما يعفيه واعفاه من اي نقد بل أنه ومن على صفحات صحيفة "هآرتس" مؤخرا رفض فكرة الحوار مع حماس، واشترطها باعتذارها وتسليم المقار "الأمنية" في غزة إلى فتح.. ويكون بذلك قد ردد ما قاله محمود عباس في شرم الشيخ. ولكن، لنتحدث قليلاً عن نظرية ما بعد الإستعمار. تشكل فلسطين حالة فريدة في كثير من جوانب قضيتها. فهي آخرحالة للإستعمار الإستيطاني زمنياً. لكنها حالة تواصل مع استعمار استيطاني محتمل في العراق وأفغانستان مثلاً. قد يكون هذا الحديث عجيباً. ولكن ما معنى قرابة مئتي ألف جندي أميركي في العراق بكل مستلزماتهم؟ هناك كيانات عربية في الخليج يبلغ تعداد سكانها أقل من هذا العدد. وما معنى حديث وزير الحرب الأميركي جيتس: "اننا باقون هنا لسنوات طويلة قادمة". وما معنى إقامة سبع قواعد هي بمثابة سبع مدن للجيش الأميركي في العراق. إذن، وجود الكيان الصهيوني وعدم قدرتنا على تحرير فلسطين، كان مثابة تمديد لحالة الإستعمار الإستيطاني. والجانب الإستعماري الكلاسيكي في حالة فلسطين هو فريد ايضاً، بمعنى أنه في حين يتجاوز العالم مرحلة الإستعمار، بقي الإستعمار في فلسطين، وهو ما مهد نفسيا وعمليا لعودته، وها هو يعود إلى العراق وأفغانستان والصومال، هذا إذا لم نقل إلى أوروبا الشرقية بأسرها. وهكذا، فالكيان الصهيوني هو مثابة جسر يمتد، لكي يجدد، من مرحلة الإستيطان الأبيض القديم إلى تجديده، ومن مرحلة الإستعمار إلى استمراره في حقبة الإمبريالية، وتجديده في حقبة العولمة. وربما كانت هذه من أخطر وظائف هذا الكيان. وما اتفاق أوسلو إلا محاولة من محاولات تجديده وإعادة إنتاجه حيث يعزز الإستيطان في الضفة الغربية نفسها. ليست صحيحة مزاعم منظري ما بعد الإستعمار حين يُدرجوا فرانز فانون كأب روحي لهم[3]. فرانز فانون، نموذج المثقف الثوري الواقعي بتحدٍ وامتياز. فقد تجاوز اصله الدموي "جزر الأنتيل" ليؤكد مواطنته وانتمائه العربي الجزائري[4]. فالانتماء القومي هو حالة كفاحية في المكان والمرحلة بالنسبة لفانون. ولأنها كذلك، فإن قناعته القومية ليست محصورة في الفهم المصلحي البرجوازي، فهي قومية كفاحية بالإمتداد والديمومة، ولذا يرى أن الأممية الحقة هي النتاج الطبيعي والضروري للقومية الكفاحية. والحقيقة، أن تكويناً كالذي توفر لفانون أو خلقه لنفسه هو من الأمور أو الحالات النادرة. فهو يجمع بين تاريخية هيجل، ومادية ديالكتيك ماركس، وعلم النفس الفرويدي، وميدانية ونضال حرب الغوار لدى تشي جيفارا وبشرته هو السوداء. لقد انتهى فانون إلى أن القومية هي المدخل الطبيعي والعملي إلى الأممية. ومن هنا كان تفهمه للأمر وانتمائه القومي مع الحفاظ على النظرة لما بعد. ولأنه أراد للقومية مرحلة جذرية، فقد قطع مع الثقافة الأوروبية وقطع مع الإستعمار تماماً. ما الذي يجمع فرانز فانون مع هومي بابا الذي يرفض بوضوح كافة القوميات من موقعه في المنفى، بينما قرر فرانز فانون الإنتقال الكلي من المنفى إلى الميدان. هذا إضافة إلى أن فكر هومي بابا في النهاية أكاديمي بحت، يصلح للنقاش او مواجهة اللغة باللغة في الصف الأكاديمي ولا يصمد في معركة التطبيق. بالنسبة لهومي بابا، فإن المنفى أو الشتات، تحرر المثقف من الحاجة إلى التماهي او التماثل مع الجمهور ، أي يحرّره من الإرتباط بالمشروع العملي الجماعي. فتحت العنصرية المجتمعية في أميركا من جهة، والدعم الطبقي الحاكم الأميركي، والكتابات الصحفية والسياسية في أميركا ضد العرب في أعقاب هزيمة 1967 من جهة أخرى عيون إدوارد سعيد على كونه عربياً تربى وتثقف في المنفى. ومنها تدرجت وطنيته "قوميته" التي توقفت في منتصف الطريق بين الشعور الإنساني، أكثر مما هو القومي تجاه فلسطين، وطن المولد أو الأصل من جهة، والحذر من الإشتباك الفعلي مع الصهيونية الذي يتطلب أبطالاً من طراز فرانز فانون كي يدفعوا ثمن مواجهة قوتها في المركز الراسمالي من جهة ثانية. أما والثمن عالٍ إلى هذا الحد، فقد قرر إدوارد سعيد اللجوء لانتقائية انهته بلا هوية نضالية. فهو لم يشارك في الكفاح المسلح ولم يدعمه، بل كان ممن أوقعوا به وأغووه للتورط في المساومة، وهو قد دفع باتجاه الحوار مع الصهاينة حتى وهم لا يريدون حواراً، وهو ممن شعروا بأن حق العودة عبئاً ثقيلاً، لا يسهل حمله، كما لا تتوفر لديه الجرأة على المجاهرة بنبذه أو النصح بذلك، وهو الذي رأى أن الحل يتمثل في المماثلة بين نكبة الفلسطينيين من جهة والمحرقة النازية لليهود من جهة اخرى، وطالب أن يسعى كلا الطرفين الى الاعتراف بمأساة الآخر كي يتسنى الاقتراب من الحل. نعم انتهى ضد كافة اشكال القوميات زاعماً أن فيها النزوع والقابلية لمرض القوة، لذا فهو اساسا لا يرتاح للإستراتيجيات القومية وخاصة بعد حصول توقف الإستعمار، علماً بأنه لم ينته في فلسطين! وكذلك ينتهي إدوارد سعيد إلى القول أن القومية مثل كل الخطاب/ات التي تخلق وهم الإستقرار او الهوية الاجتماعية المتماسكة، لذا، لا بد من فضحها لأنها تهدد بخلق ذاتية زائفة. ويرى سعيد ان القومية تهديد لحقوق الإنسان، لذات الفرد، لأنها تميل إلى وباء القوة بمعنى سياسي محدد وانها خطرة بشكل خاص على حقوق مجموعات الأقليات التي يفترض ان تكون جماعات شفافة ومستقرة. نظرية ما بعد الإستعمار هي جوهرياً، تصالحية لصالح الاستعمار وفكفكة جميع أشكال المقاومة والممانعة. فأحد الأهداف الأساسية لنظرية ما بعد الإستعمار هو متابعة كيفية تشكيل كل من عالم الإستعمار والمستعمرات للآخر سياسياً واقتصاديا وفوق كل شيىء ثقافياً. ومن هنا لجوء إدوارد سعيد إلى "الإنسانية" مقابل القومية من جهة والأممية الشيوعية من جهة ثانية. فلا تتصور ما بعد الاستعمار انفكاك ثقافة الطرفين عن بعضهما. يرتكز كتاب سعيد الثقافة والإمبريالية اساساً على عملية التبادل الثقافي بين المركز الإستعماري والمحيط المستعمر. لذا يركز على ظهور معارضة المستعمَر إلى المركز والتشرب اللاواع واستدخال قيم الإستنارة والإنسانية العالمية في النضال الهادف إنهاء الإستعمار، وتطوير تحالف أخلاقي مع القوى التقدمية في المجتمع المستعمِر باسم او نيابة عن الحرية للمستعمَر. أما دور الإمبريالية الأميركية وتصدرها للحروب في ارجاء الأرض الأربعة وحتى في الفضاء، فلم يقل لنا عنها سعيد شيئاً. وهكذا، فإن هذه المدرسة، إذا جاز التعبير، لم تجمع على تحليل متقارب من مسألة القومية في بلدان ما بعد الاستعمار بل ما توصلت إليه هو تعميمات متشككة ومتخاصمة. وعليه، فالثابت بالنسبة لها هو نقد قومية ما بعد الإستعمار، ونقل العلاقة إلى التلاقح الثقافي الذي في جوهره تعميم ثقافة المركز على المحيط، وهي في النهاية ثقافة راس المال من جانب الإستهلاك وتقويض الإنتاج. وهكذا، فإن مدرسة ما بعد الإستعمار عجزت عن توفير أو بلورة موقف أو بلورة إشكالية الموضوع، ولعل أهم إخفاقاتها عجزها عن التعامل مع المسألة القومية بشكل متماسك كونها مشكلة سياسية وأخلاقية برأيهم وحسب. قد يكون لهذا الوضع علاقة بطبيعة الدور الشخصي (المقصود الموقع) للمنظرين أنفسهم. فسعيد وهومي بابا عملياً تربيا في المنفى، وبالتالي فإن علاقة كل منهما بالمنطقة الأصل هي علاقة انتساب لا علاقة نضجت في معمعان الصراع. وهذا الفارق بينهما وبين فانون، الذي تحدد موقفه بالموقع عبر الحيّز، وليس عبر الموقف الفكري المجرّد فجاء أكثر اصالة. على أن هذا ليس قانوناً عاماً فإن منفى اللاجئين وشباب المخيمات لم يمنعهم من حمل عبء المقاومة، مع أنهم كانوا خارج "المنطقة الأصل"، وكان لهم عبر المنفى "انتماء" لا "انتساب" إلى المنطقة بوصفها وطنًا سليبًا – فلنقل: منفى عن منفى يفرق، على راي غسان كنفاني: "خيمة عن خيمة تفرق". وقد يتقاطع هذا مع استنتاجنا فيما يخص كثرة من منظري مدرسة التبعية في التنمية[5] Dependency School الذين بالغوا في الدور القومي والتنموي لأنظمة برجوازية المحيط. فلو كانوا من مناضلي الطبقات الشعبية لتوصلوا باكراً إلى عجز هذه البرجوازية عن حمل مشعل التنمية، ولعرفوا أن قومية الطبقات الشعبية وحدها التي تقود إلى التنمية. وهكذا، فنحن أمام فهمين خاطئين لدور برجوازية المحيط، كل خاطىء من مدخل واساس آخر. ولكن، ونحن نعيش حقبة العولمة بما فيها من عودة واستدعاء للاستعمار، وبالمقابل، انتفاضة أممية ضد الحرب والعولمة من جهة، واندفاعة في الوطن العربي والعالم الإسلامي لأكثر من إسلام، منه السياسي والتكفيري والجهادي والمقاوم، فأين يقف من اعتقدوا أن الاستعمار قد انتهى خلال حقبة الإمبريالية، ودعوا إلى التفاعل الثقافي والتصالح؟ ما قولهم والاستعمار بدأ وخرج وعاد لأهداف اقتصادية ومصالح مادية، وأن الثقافي ليس إلا مكياجاً للوجه القبيح؟ هم لا يخفون أن الجانب الثقافي من مشروعهم وظيفته ترويضيّة، وليست تجميلية وحسب.. لأنه لكي يقنع الاستعمار الشعوب المنهوبة بأنه يعمل لصالحها، عليه أولاً أن ينهب وعيها بمشروعه الثقافي.. وأن يقنع هذه الشعوب أن "ميراثها الثقافي" يفرّخ الإرهاب. هكذا يصبح الاستعمار "شراكة" كما هي في صيغة كولن باول. بل ماذا لديهم ليقولوه بشأن تنظيرات المخابراتي صامويل هنتنجتون الذي يستخدم الثقافي للحرب وليس للتفاعل؟ وفي حقيقة الأمر، فإن إبراز الثقافي من قبل المركز، وتقديمه على أساس دعوة مفتوحة للمحيط لإلتهام ثقافة المركز، فإن المركز لا يعني ذلك قط ولا يؤمن بنشر ثقافته ولا يعتبر المحيط مؤهلاً لذلك[6] وهنا مركز الإشكالية، وربما ليس ذنبهم بل ذنب موقعهم. فالوصول إلى بديل عملي، والانتقال من الحالة الوسطية أو الـتأبد فيها يحتاج إلى انخراط في الواقع كي يحلحله. يحصر منظرو ما بعد الإستعمار موقفهم من القومية في قومية بلدان المحيط بعد الإستقلال، وهي ما نعتبرها الحقبة الثانية للقوميات، على اعتبار أن الحقبة الأولى كانت في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر. وحيث لا يتطرقوا للحقبة الأولى، فإنهم يتجنبوا الحديث عن دورها الإستعماري وخاصة عن استمرار هذا الدور إلى درجة عودة الإستعمار من جهتها واستدعائه من جهة القومية الكمبرادورية في المحيط. فالدولة القومية في المركز لم تفقد دورها، وإن كان خطابها مغلفاً بشكل ناجح. ومما يزيد إشكاليتهم، ان العالم يعيش اليوم حقبة القومية الثالثة، القومية في حقبة العولمة، حيث ترتد القومية البرجوازية في المحيط لاستدعاء الإستعمار. فإذا كانت موجة القومية الثانية تقدمية وثورية، رغم مصيرها المنحط، فإن موجة القومية الثالثة بدأت في معظمها "عميلة"، حيث يقوم المركز الرأسمالي نفسه بتحريك برجوازيات إثنية هنا وهناك كي يفتت دولاً لم تنضوي تحت عباءته (العراق، السودان، روسيا، يوغسلافيا...الخ)[7]. بعبارة أخرى وبقدر ما كان منظرو ما بعد الإستعمار ضد الإستعمار، أو هكذا يبدون، فإنهم كانوا ايضا ضد قومية ما بعد الإستعمار في المحيط ولا سيما إدوارد سعيد وهومي بابا حيث اعتبرا هذه القومية عدوانية بالضرورة. ولعل الجانب الذي لم يتطرقا له هو وجوب الفصل بين القومية تحت الإستعمار بما هي ثورية وتقدمية، والقومية ما بعد الإستعمار، التي ليست عدوانية بالضرورة والقطع. ضمن القومية تحت الإستعمار، تندرج القومية العربية، قومية الطبقات الشعبية التي يتهمها منظروا ما بعد الإستعمار بأنها عدوانية وقامعة للأقليات غير العربية. والحقيقة أن هذا موضوع يطول فيه الحديث، ولكنه يفتح على موضوعنا في هذه المقالة بشكل واسع. فالقومية العربية متهمة بالشوفينية بينما أجزاء واسعة من وطنها تحت استعمار متعدد ومتنوع في حين يتم عرض الصهيونية كما لو كانت حركة "تحرر وطني" إنسانية بريئة تتحفز القومية العربية لالتهامها. بهذا ننتقل إلى مثقف آخر يوظف مزاعمه القومية في خدمة الصهيونية.
|
||
|
|
|
حورات |


