مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية

 

اللقاء السنوي السابع عشر الديمقراطية و الانتخابات في الدول العربية يعقد اللقاء يوم السبت 18/8/2007

في

 

Bernard Sanely Room, St. Cathrine’s College, Universtity of Oxford, Manor Road, Oxford, OX1 3UJ, UK.

 

 

الانتخابات التشريعية الجزائرية انتخابات استقرار... أم ركود ؟

 

 

مقـدمـة

 

·        الانتخابات على الطريقة الجزائرية

·        التعددية ولعنة الانتخابات

·        شروط العودة إلى المسار الانتخابي

 

الانتخابات والتشريع مايو 2007: تفاصيل الحدث

 

·        من مرض الرئيس  إلى فضيحة الخليفة

·        سوسيولوجيا المرشحين

-                       القوائم المستقلة :أزمة الحزب وظهور المال 

-                                   ترشيحات الأحزاب: اهتمام شخصي الانتخابات

-                                   المرأة والانتخابات:نخب محافظة أم مجتمع محافظ ؟

-                                    صراع الشيخ والمريد: داخل الأحزاب

-                                   فئات السن للمرشحين : صراع الشباب والشيوخ

 

نتائج الانتخابات : هل كانت الانتخابات خالية من التزوير

 

·        الدور الجديد للجنة  المراقبة السياسية

-                       المشاركة في الانتخابات :

-                       نتائج  الانتخابات

-                       مقارنة الأحزاب

الخـلاصـة

 

مقدمة

  من مفارقات الانتخابات التشريعية الجزائرية الثالثة، التي جرت منذ العودة للمسار الانتخابي( ماي 2007)، أنها تمت بعد التعديلات القانونية التي أدخلت على قانون الانتخابات[1] باقتراح من المجموعة البرلمانية لحركة الإصلاح الوطني التي دخلت هذه المنافسة الانتخابية وهي مقسمة بين  مؤيدي قيادتها التاريخية بقيادة الشيخ عبد الله جباللة، الداعي إلى مقاطعة الانتخابات والتيار المنشق عليه بقيادة أغلبية  نواب الحركة وقيادييها.صراعات أثرت على نتائج الحركة  الانتخابية كثيرا، فلم تحصل القوائم التي تقدم بها المنشقون ، إلا على ثلاث مقاعد، في حين كانت القوة السياسية الثالثة في العهدة الماضية ب 47 نائب .مما يؤكد هشاشة الظاهرة الحزبية ،ضمن الخارطة السياسية الجزائرية .

القانون الانتخابي الجديد الذي حسن جزئيا من شروط إجراء الانتخابات بفرضه لبعض القيود على الإدارة احتراما لشفافية أكبر للعملية الانتخابية، من ذلك السماح لأعضاء قوات الجيش ، الشرطة والدرك ، لحرس البلدي والحماية المدنية ....الخ بالتصويت في أماكن سكناهم وهو ما يعني إلغاء "المكاتب الخاصة "لتي اشتكت منها الكثير من الأحزاب وطالبت بإلغائها ،كما منح نفس القانون الحق في الاطلاع على القائمة الانتخابية لممثلي الأحزاب المرشحة للانتخابات وممثلي القوائم الحرة والحصول على نسخة منها،كما فرض التعديل القانوني في المادة 40، نشر قائمة أعضاء مكاتب ومراكز التصويت من المؤطرين  وتسليم نسخ منها ،إلى ممثلي الأحزاب السياسية والقوائم الحرة ،خمس أيام قبل من قفل قائمة الترشيحات. في نفس الإطار دائما لم تكتف المشرع بما فرضته المادة 56 من القانون، بتصريح رئيس المكتب بنتيجة الاقتراع وتعليقها بمجرد تحرير محضر الفرز،بل فرضت عليه تسليم نسخة من محضر فرز الأصوات، مصادق على مطابقتها للأصل ،من قبل رئيس مكتب التصويت إلى الممثل المؤهل قانونا ،لكل مترشح حر أو مترشحين حزبيين، مقابل توقيع باستلام، فور المحضر محضر ،قبل مغادرة مكتب التصويت .

هذا الغطاء القانوني الذي جرت فيه الانتخابات،لم يمنع البعض من الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام ومن ورائها المواطن من التشكيك في نزاهة العملية اعتمادا على ترسبات التجربة التاريخية للعملية الانتخابية في الجزائر وخصائص النظام السياسي الجزائري نفسه.رغم أن الأصوات المشككة في نزاهة الانتخابات،قد خفت هذه المرة بالمقارنة مع الاستحقاقات السابقة التي عرفت تشكيك كبير في نتائجها[2] ،فما الذي جد من جديد حتى تخف الأصوات الحزبية المتعودة على التشكيك في الانتخابات ؟ بمعنى أخر ماهي ميزات الظرف الذي تمت فيه هذه الانتخابات التي قد تكون وراء هذه الموقف؟ أم أن الأمر يتعلق باتجاهات عامة مرتبطة  بخصائص النظام السياسي الجزائري وما يكون قد طرأ عليه من تغييرات مع الوقت في اتجاه احترام أكبر لأراء المواطنين وقناعاتهم السياسية بمناسبة الانتخابات ؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بنوعية الانتخابات التشريعية بالذات ،بالمقارنة مع أنواع الانتخابات الأخرى كالرئاسية وحتى المحلية ؟

الإجابة عن هذا الأسئلة  تفرض علينا ونحن نتحدث عن تجربة  الانتخابات التشريعية في الجزائر، وضع الفروق الواضحة بين الاتجاهات العامة التي تميز النظام السياسي الجزائري ،وتحدد سولوكاته في تعامله مع القوى السياسية المختلفة بمناسبة هذه الاستحقاقات الانتخابية التي لجأ إليها منذ الاستقلال ،في عهدي الأحادية والتعددية ،وبين ما قد يميز لحظة الانتخابات بالذات من أحداث أو متغيرات ظرفية ،ذات طابع سياسي أو اقتصادي اجتماعي، يمكن أن يكون لها تأثير هي الأخرى على نتائج الانتخابات ومصداقيتها في أعين الفاعلين السياسيين  .

الانتخابات على" الطريقة الجزائرية "

تعود النظام السياسي في الجزائر  على تنظيم انتخابات ، لأسباب عديدة، نجد على رأسها :

1.         محاولة إقناع المواطن بنوع من المشاركة السياسية المؤطرة و المناسباتية .

2.          محاولة إضفاء مسحة من الشرعية الداخلية والدولية  على المؤسسات السياسية الرسمية.

3.         إفراز نخب سياسية، يمكن أن تشارك جزئيا، في عملية تسيير المؤسسات، تستعمل كوسيط بين المؤسسات المركزية والمواطن خاصة عندما يتعلق الأمر بالانتخابات المحلية.

4.         محاولة إشراك _ الهاء ،لبعض  أفراد النخبة المركزية الموجودة على هامش المؤسسات أو في مواقع التحفظ كالوزراء القدماء وضباط الجيش المسرحين وبعض الوجوه التقليدية والشخصيات السياسية المبعدة عن مراكز القرار الفعلي ،عن طريق الانتخابات البرلمانية على وجه الخصوص، حتى لا يتطور تهميشها إلى نوع من المعارضة  وولوج  الاستفادة من الريع المالي الناتج عن مواقعها في الهيئات المنتخبة .

نفس الشيء يمكن قوله حول أنواع الاستفتاءات الكثيرة التي نظمت [3]منذ الاستقلال، فقد جرت انتخابات في أول سنة للاستقلال، لتكوين المجلس التأسيسي، كما جرت انتخابات رئاسية غير مباشرة ( بن بللة ) ورئاسية مباشرة ( بومدين  والشاذلي[4])تمت كلها في ظل النظام الأحادي الذي اختارته النخب السياسية والعسكرية المسيطرة،بعد الاستقلال.انتخابات واستفتاءات كانت من تنظيم الإدارة والحزب الواحد حصريا، أعلن عن نسب مشاركة عالية جدا فيها ،كما جرت العادة في الكثير من دول العالم الثالث ،خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي،بالطبع دون أدنى إمكانية للتحقق من صدق الأرقام المعلنة أو مراقبة لسير عمليات الاقتراع والتنظيم، من قبل المواطنين أو الفاعلين السياسيين المستقلين[5].

عملية الانتخاب التي سيطر على تنظيمها ، ثلاثي مكون من حزب جبهة التحرير كغطاء سياسي  و الإدارة ( الولاة ) تحت المراقبة الصارمة للأجهزة الأمنية ومخابرات الجيش التي كانت لها اليد الطولى في مراقبة الترشيحات وتأطير العملية الانتخابية ككل واتخاذ القرار بشأنها ،رغم دور الواجهة الممنوح للحزب الذي "تخصص " مناضلوه وإطاراته وهياكله المحلية والمركزية في التسيير المباشر للعملية واحتكار الترشيحات لها، في ضل القطاعية التي ميزت النظام السياسي الجزائري ولازالت جزئيا ،فقد كان من نتائج الاستعمار الاستيطاني الطويل الذي عرفته الجزائر،ظهور نخبة ضعيفة السمك الاجتماعي ،منقسمة على أساس لغوي وقيمي ،تخصصت في القيام بمهام مختلفة واحتلال مواقع اجتماعية مختلفة هي الأخرى كذلك، في علاقاتها بالمجتمع وداخل الهياكل  والمؤسسات التي احتلتها قبل وبعد الاستقلال .

انقسامية النخبة[6] هذه هي التي كونت الأرضية السوسيولوجية للقطاعية التي ميزت مؤسسات الدولة، بموجب تقسيم المهام الذي عرفت به النخب الجزائرية المختلفة المتمترسة داخل مختلف  الهياكل والمؤسسات، تقسيم مهام كان من نتائجه، أن "منحت" المؤسسات الإيديولوجية، كهياكل حزب جبهة التحرير والمنظمات الجماهيرية[7]، بالإضافة إلى وزارات إيديولوجية أخرى كوزارة التربية والعدل والشؤون الدينية إلى النخب المعربة ،مقابل "منح" المؤسسات الاقتصادية والإدارية إلى النخب المفرنسة التي أعادت إنتاج سيطرتها داخلها .تقسيم مهام ومؤسسات تم أساسا على النظرة السائدة اجتماعيا إلى اللغات،فمقابل اللغة  العربية التي اعتبرت لغة دين وآخرة وتواصل شفهي مع المواطنين ومن ثمة تأطير سياسي وإيديولوجي لهم ،تم النظر إلى الفرنسية كلغة دنيا ،عمل وملفات ، "لغة الخبز " كما يقول الكثير من الجزائريين عنها .

تقسيم المهام هذا، الذي جعل الانتخابات من اختصاص النخب _ المعلمون بمختلف فئاتهم  على رأسها _المعربة المسيطرة على المؤسسات الأيدلوجية ،كحزب جبهة التحرير المكلف رسميا بتأطير المواطنين, انتخابات تحولت مع الوقت  إلى وسيلة لإعادة إنتاج هذه الانقسامية والقطاعية التي تميز النظام السياسي الجزائري بما تحتويه من نزاعات وصراعات، كتلك التي تميز العلاقة بين المؤسسات المنتخبة كالبلديات التي يسيطر عليها المنتخب المعرب في مواجهة الإدارة  المفرنسة بمختلف مراتبها.هذه الانتخابات التي كان التنافس فيها محصورا داخل نفس النخب التي تملك نفس المواصفات والخصائص والبرامج،مما جعل الاقتراعات بالنسبة للمواطن من دون رهانات سياسية فعلية ، المواطنين الجزائري الذي قل اهتمامهم بهذه الانتخابات  مع الوقت،باستثناء تلك  " المناوشات " ذات الطابع الشخصي والعائلي[8]،و بما يمكن أن تجنده  هذه الانتخابات من قوى وروابط تقليدية وعائلية في الغالب، خاصة في المناطق الريفية التي استمرت فيها قوة ،مثل هذه الروابط، عكس المدن المتوسطة و الكبرى خاصة التي برز عدم اهتمامها بمثل هذه الاستحقاقات مبكرا،ليتحول مع الوقت إلى اتجاه غالب حتى بعد الانتقال إلى التعددية.المدن التي تحول إلى العيش فيها أغلبية المواطنين الجزائريين .

التعددية ولعنة الانتخابات .

لم يكن غريبا ،أن تظهر الحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير في المدن الكبرى [9]بالذات التي كانت إحدى وسائل تعبيرها السياسي ،مقاطعة الانتخابات الأحادية، ليتحول هذا السلوك بعد الإعلان التعددية إلى الاقتراع ،لصالح قوى المعارضة والدينية منها على وجه الخصوص، على حساب القوى الحزبية السياسية الرسمية التي أخرجت من هذه الفضاءات الحضرية التي تحول أغلبية الجزائريين للعيش فيها.بالطبع لم تكتف هذه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي كانت ورائها القوى الشابة الشعبية،كقاعدة اجتماعية ،بهذا الشكل السلمي للمطالبة عن طريق الانتخابات، بالمشاركة فيها أو مقاطعتها ،بل لجأت في الغالب إلى أشكال تجنيد ومطالبة  أكثر جذرية ، خاصة بعد أن تم ركوبها من قبل التيار الديني الجذري ذو التوجه السلفي ابتداء من نهاية الثمانينات من القرن الماضي .

تحولت الانتخابات رسميا ، إلى احد مفاتيح الحل، لإنجاز المرحلة الانتقالية التي انطلقت بعد الموافقة على دستور 23 فيفري 1989الذي أقر التعددية السياسية، الإعلامية والنقابية واعترف بحق الإضراب والمظاهرات في جو اتسم بالكثير من نقاط التصادم بين النخب البارزة، مع الظاهرة التعددية الجديدة والقديم منها ،في ضل أزمة متعددة الأوجه ،زادها تعقيدا تدهور الوضع الاقتصادي والمالي كحدث ظرفي وبروز الكثير من علامات التشنج وسيطرة الأطروحات الأيدلوجية الاقصائية بين النخب المتصارعة ،لما عرف عنها من انقسامية، زادت حدتها وعبرت عن نفسها  أكثر ،في جو من الانفتاح الإعلامي والسياسي.

علما بأن هذه المكانة الممنوحة للانتخابات ،كمفتاح لتسيير وإنجاح المرحلة الانتقالية ،لم تكن نتيجة لاتفاق بين الأطراف السياسية الفاعلة الرسمية والشعبية، بل تمت كل العملية على العكس، تحت ضغط الحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي لم تكن تملك في الغالب أي تنشئة اجتماعية ديمقراطية أو تعددية ،باعتبارها بنت النظام السياسي الأحادي كأجيال ، تربت في ضل قيمه الإقصائية وداخل مؤسسات تنشئته  الأحادية ،بما فيها المنظومة التعليمية التي كانت وراء الكثير من أوجه التغيير في المجتمع الجزائري، نتيجة لما عرفه انتشار التعليم من سرعة وعمق  شعبي ،بعد الاستقلال. استفحلت الأمور أكثر،عندما تمكنت التيارات الدينية  السياسية الجذرية، من ركوب هذه الحركات الاجتماعية الخام  ومنحها أهداف قيمية ودينية ،لم تكن هي السائدة لديها في الأصل. هذه الحركات التي فشلت كل القوى السياسية والفكرية الأخرى من ركوبها،بما فيها القوى الدينية المعتدلة واليسارية والوطنية.

عكس ما كان يُنتظر من النظام السياسي الجزائري ،المتعود على تسيير طبخات انتخابات غير شفافة، فإن الانتخابات المحلية 10جوان 1990التي دشن بها المرحلة التعددية، لم يتم التشكيك في نتائجها الكلية ،رغم ما شابها من تجاوزات طفيفة ،لم تكن دائما من قبل الإدارة المتعودة على التدخل في تحديد نتائج الانتخابات وتسير مراحلها الأخرى ،بل من قبل جماهير الحركة الاجتماعية المأطرة من قبل التيار الديني،في جو من تخبط كبير،ميز الأداء الإداري المركزي والمحلي،زاده تعقيدا، اضطراب واضح في الرؤية السياسية لدى النخب الحاكمة ومؤسسات القرار الرئيسية ( الحكومة ، الرئاسة ، المؤسسة الأمنية ....الخ ) التي حاول أكثر من طرف فيها، استغلال هذه الانتخابات ومن ورائها القوى الاجتماعية الشعبية التي جندتها، لتصفية حساباته، مع النخب المنافسة الأخرى وتحضير مشاريع سيطرته على مؤسسات الدولة ، في غياب حد أدنى من الإجماع  والتوافق بين هذه النخب الحاكمة، ميز كل المرحلة الانتقالية.

تغيرت الكثير من المعطيات ،بعد هذه التجربة الانتخابية التعددية الأولى، نتيجة سيطرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ على السلطة المحلية في أغلبية المدن الكبرى والمتوسطة على حساب الأحزاب السياسية ،بما فيها جبهة التحرير التي تقوقعت داخل الفضاءات الريفية بالهضاب العليا والجنوب.فقد فتحت نتائج هذه الانتخابات، في حالة التخبط التي تعيشها الكثير من مراكز القرار الرسمية ،شهية التيارات السياسية المسيطرة داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بما فيها تلك التي لا تؤمن أصلا بالانتخابات كوسيلة للتداول السلمي على السلطة، لتطالب بانتخابات تشريعية وحتى رئاسية مسبقة في هذا الجو السياسي المتشنج المميز بحالة صعود للحركات الاجتماعية الاحتجاجية ،الذي كان يقابله  حالة تخبط سياسي قصوى ،لدى مؤسسات اتخاذ القرار المختلفة  .

مرحلة التحضير للانتخابات التشريعية وصدور القوانين المنظمة لها [10]،كانت الشرارة التي استغلتها، بعض قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ للقيام بإضراب وطني عام ،كان من المقرر له أن يستمر لمدة ثلاثة أيام ،تحول فيما بعد إلى إضراب  وطني مفتوح قريب من العصيان المدني[11]،كان من تداعياته إلقاء القبض على قيادة الجبهة نفسها ،إعلان حالة الطوارئ ، بعد تدخل الجيش وتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في  بداية صيف 1991 لغاية نهاية السنة ،بعد ذهاب الحكومة التي نظمت الانتخابات المحلية التعددية الأولى .

لعنة الانتخابات،كانت أكبر أثرا هذه المرة، بمناسبة تنظيم الانتخابات التشريعية المؤجلة لشتاء 1991، فقد فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بنتائج دورها الأول رغم سجن قيادتها وبروز العديد من مؤشرات العنف المنظم تحت تسميات إسلامية  مختلفة ،بحيث لم تتوقف تداعيات الانتخابات عند هذا الحد، فقد تدخل الجيش لإلغاء نتائج الدور الأول منها، بعد إقالة /استقالة رئيس الجمهورية الذي عوض برئاسة جماعية،كانت بداية تنصيبها، مرحلة لدخول الجزائر عشرية كاملة  من الاضطراب السياسي والعنف .

التفسير الذي يمكن تقديمه لتفسير لعنة الانتخابات هذه وما ميزها من عنف واضطراب سياسي، هو أن الانتخابات لم تعد تقوم بنفس الوظائف التي تكلمنا عنها ،كوسيلة لتجديد جزئي في النخبة أو خلق وسائط بين الدولة والمجتمع  أو محاولة لإضفاء شرعية اكبر على المؤسسات لمؤسسات....الخ  ،كما كان الحال في ضل الأحادية واستقرار المؤسسات السياسية ،في الوقت الذي لم يحصل فيه أي تفاهم بين الفاعلين السياسيين للاتفاق حول أهداف محددة للانتخابات التعددية الجديدة، بما ميزها من تجنيد شعبي واسع سمح بتدخل قوي للشباب والكثير من القوى الاجتماعية التي همشتها اللعبة السياسية الأحادية وتعدد في الفاعلين السياسيين المتمتعين بمستوى كبير من الاستقلالية والمبادرة ، فقد ارتبطت هذه الإلية لدى التيار الإسلامي الجذري المستفيد الأول منها ،بتغيير عميق ،هو أقرب للانقلاب والتغيير الكلي لنظام الحكم، نخبه ومؤسساته،في المقابل سادت ضبابية كبيرة لدى النخب الحاكمة ومؤسسات اتخاذ القرار الرسمية ،مما جعلها عاجزة عن التدخل لتوجيه نتائج الانتخابات لصالحها ،كما تعودت على ذلك في ضل الأحادية السياسية .ضبابية زادتها عتمة، الصراعات المتعددة الأوجه( شخصية ، جهوية ...الخ ) بين النخب الرسمية الحاكمة والمؤسسات المختلفة التي تمترست فيها ،النتيجة الأساسية كانت أزمة سياسية ومؤسساتية حادة ،في ضل وضع اقتصادي واجتماعي في غاية التشنج ،تزامن مع بداية تغيير في نمط التسيير الاقتصادي الكلي المتجه نحو تدخل أقل للدولة .

 شروط العودة إلى المسار الانتخابي

دشنت الجزائر عشرية التسعينيات  من الفرن الماضي بمواجهات مسلحة وحالة عنف كبيرة واضطراب  مؤسساتي ، بعد فشل انتخابات 92 التشريعية التعددية الأولى ،كان احد فاعليها الرئيسيين الجماعات الإسلامية المسلحة بمختلف تسمياتها [12]،لتدشن الألفية الجديدة ،عشر سنوات بعد ذلك ،بحالة عنف واضطراب بدرجة  محدودة جغرافيا هذه المرة  ،في منطقة القبائل، كان من  نتائجها مقاطعة انتخابات 2002 التشريعية والمحلية من قبل القوى السياسية الفاعلة في المنطقة ( جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية ).

عشرية كاملة( 1992/2002)، كانت كافية لكي تصل فيها الحركة الاجتماعية الشعبية التي كانت وراء الحراك الاجتماعي والسياسي الذي عرفته الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988إلى مأزق فعلي ،عبر عن نفسه من خلال حالة العنف والانسداد السياسي، بعد أن كانت قد  أوصلت هذه الحركات الاجتماعية  الاحتجاجية [13]،حالة التجنيد الشعبي إلى مستوياتها القصوى.

مستوى تجنيد أبان عن نفسه من خلال النتائج الانتخابية التي حققتها الأحزاب والقوى السياسية التي عبرت بدرجات متفاوتة عن هذه الحركات الاجتماعية الشعبية وطنيا وجهويا،كحال الجبهة الإسلامية للإنقاذ وطنيا  وجبهة القوى الاشتراكية  محليا بمنطقة القبائل ،خلال انتخابات بداية التسعينيات الملغاة التي كانت ذات رهانات سياسية أكيدة. هذه الأحزاب السياسية  التي دفعت الثمن غاليا، بعد ذلك عندما وصلت هذه الحركات الاجتماعية إلى المأزق الذي عرفته، جراء ما ميز هذه الحركات نفسها من عفوية وجذرية و قوة تجنيد، مع ضعف في التأطير و تخبط في تحديد للأهداف ،نتيجة الخصوصيات المميزة للوضع الثقافي الجزائري ونخبه المنقسمة على نفسها على أكثر من صعيد ، لغوي ، قيمي.

لم يكن من الممكن العودة إلى المسار الانتخابي، بعد هذه التجربة بالنسبة لصاحب القرار، إلا بعد التغييرات الجوهرية التي أدخلت على الخارطة السياسية وإعادة تأطيرها من جديد، دون المس بالمبدأ ألتعددي شكليا ،الذي تم الحفاظ عليه في أحلك الظروف الأمنية ،فقد أبعدت قيادة جبهة التحرير التي ظهرت عليها الكثير من علامات الاستقلالية ،إزاء السياسات الرسمية، في الوقت الذي أعلن فيه عن تشكيل حزب جديد للسلطة ( التجمع الوطني الديمقراطي )،كبديل مضمون للقيام بالأدوار المناطة تقليديا بجبهة التحرير في علاقاتها بالنظام السياسي الجزائري، بعد أن حلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ وانطلقت محاولات تفعيل ساحة سياسية تعددية هشة ،مؤلفة من العديد من التنظيمات السياسية الصغيرة  والآلاف من الجمعيات[14] .

كما ارتبطت الانتخابات بانطلاق موجة العنف في الجزائر في بداية التسعينيات،عرفت الانتخابات الرئاسية 1995 والتشريعية 1997 بداية انحسار لأعمال العنف والإرهاب،بعد سنوات من المواجهات الدامية بين الجماعات الإسلامية المسلحة وقوات الأمن المختلفة ،لتخسر هذه الجماعات رهانها السياسي بمقاطعة شعبية لمؤسسات الدولة ومشاريعها ،بعد خروج المواطنين بقوة إلى المشاركة في الانتخابات  الرئاسية التعددية الأولى في تاريخ الجزائر السياسي، مما جعل هذه الجماعات تلجأ إلى عمليات إرهابية واسعة انتقاما من المجتمع الذي صدرت فتاوى  عديدة بتكفيره  وردته ،فتاوى زادت في عزلة هذه الجماعات وفقدانها للغطاء  والدعم الشعبي الذي حققته جزئيا  في عديد المناطق  بأشكال ووسائل مختلفة   .

 تمت الانتخابات التي نظمتها الجزائر بعد هذه التجربة،في نفس الإطار السياسي والقانوني الذي ميزه ،قانون حالة الطوارئ المعلنة منذ 1992الذي قلص من فرص نشاط الأحزاب السياسية وأثر سلبا على ممارسة الحريات الجماعية والفردية.تمت الانتخابات التي عرفتها نهاية التسعينيات إذن، بعد العودة التدريجية للاستقرار للكثير من مؤسسات الدولة وعلى رأسها رئاسة الجمهورية بعد الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 على وجه الخصوص التي تزامنت مع تحسن في أسعار النفط وبداية تقليص ضغوط المديونية الخارجية وانطلاق العديد من مشاريع الإصلاحات الاقتصادية ،التي زادت من حدة الفروق الاجتماعية بين الجزائريين المتعودين على ثقافة سياسية  مساواتية ،عبرت  بصدق عن مسارهم التاريخي كشعب .

فروق اجتماعية كان من نتائجها ظهور الكثير من علامات التهميش التي مست ،زيادة على الفئات الشعبية التي تأثرت وضعيتها سلبا بالتحولات الاقتصادية الجارية وتقليص الأدوار التقليدية للدولة في المجال الاجتماعي، جزء كبير من الفئات الوسطى الأجيرة التي التحقت بصفوف الفقراء الجدد وهي الفئات التي كانت ذات علاقة خاصة بالعملية الانتخابية ،لا من حيث الترشح لها فقط، بل تأطيرها والترويج لها.في المقابل طفت على السطح فئة الأغنياء الجدد الذين استفادوا من التحولات الاقتصادية الجارية للحصول على تراكمات مالية سريعة ، ظهرت نتائجها في سلوكات وأنماط استهلاكية جديدة،لم يتعود عليها المواطن الجزائري ابن الثقافة المساواتية واقتصاد الندرة.الأغنياء الجدد الذين سيظهر اهتمامهم بالعملية الانتخابية بشكل واضح ،بمناسبة هذه الانتخابات التشريعية، مستعملين فيها نقاط قوتهم الجديدة التي تحصلوا عليها في سنوات العنف:المال الذي ظهر بقوة كعامل حاسم خلال هذه الانتخابات.

زيادة في  ضمانات التأطير السياسي للخارطة الحزبية و عدم تكرار سيناريوهات بداية التسعينيات ،تم استحداث التحالف الرئاسي المكون من أحزاب جبهة التحرير،التجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم ( الإخوان المسلمون ) 2003 الذي كان من أولوياته ضمان نجاح رئيس الجمهورية في انتخابات العهدة الثانية التي نافسه فيها الأمين العام لحزب جبهة التحرير ،خالقا بهذا الترشح  حالة اضطراب، لم يتعود عليها النظام السياسي الجزائري، بعد أكثر من عشرة سنوات من الإعلان عن التعددية السياسية التي تقر بمبدأ التنافس السياسي وتنظمه شكليا [15].

التحالف الرئاسي الذي كان عامل "استقرار سياسي" كبير للمؤسسات وصل إلى حد الركود وغلق المجال السياسي التنافسي، خاصة في علاقات السلطة التنفيذية بالبرلمان الذي ظهر بشكل باهت، متنازل حتى عن الصلاحيات الممنوحة له قانونيا.مقابل الضمور الذي مس المؤسسات السياسية المختلفة ومستوى أدائها ،بما فيها الأحزاب السياسية، ظهرت شخصية الرئيس بوتفليقة كأول مؤسسة سياسية تتحكم في الكثير من مصادر القوة واتخاذ القرار حتى في علاقاته بالمؤسسة العسكرية، قوية الحضور تقليديا،داخل دواليب السلطة واتخاذ القرار في النظام السياسي الجزائري منذ فترة ما قبل الاستقلال .

الانتخابات التشريعية لمايو 2007: تفاصيل الحدث

بعد أن تعرفنا على الخطوط العامة للاتجاهات الكبرى المؤسساتية،والسياسية التي تمت فيها العملية الانتخابية في الجزائر تاريخيا، سنحاول ضمن هذا القسم من الدراسة التطرق إلى المتغيرات المتعلقة بالجانب الحدثي الذي ميز هذه الانتخابات وكان له  تأثير على نتائجها من دون شك وعلى أكثر من صعيد، كنسب المشاركة فيها وحتى نتائجها جزئيا، ونوعية القضايا المطروحة أثناء الحملة الانتخابية ومدى التجنيد الذي قامت به للناخبين ، دون إهمال للتأثيرات التي تفرضها الاتجاهات العامة المعروفة  المرتبطة بخصائص النظام السياسي وتجربته التاريخية في التعامل مع الانتخابات .

 من مرض الرئيس إلى  فضيحة " الخليفة "

عدم الاستقرار الذي ميز النظام السياسي الجزائري ،كانت له نتائج سلبية على أداء الكثير من مؤسسات الدولة. رئاسة الجمهورية كانت من بين المؤسسات المركزية التي تأثرت سلبا بهذا الوضع الذي ميز فترة بداية الاعتراف بالتعددية ، فقد فشل الرئيس الشاذلي بن جديد في إنهاء عهدته الثالثة بعد إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية 92، لتدشن الجزائر بعد ذلك مرحلة الرئاسة الجماعية التي اغتيل رئيسها، ستة أشهر فقط بعد تعيينه .الرئيس  ليامين زروال الذي كان أول رئيس جزائري ينتخب في منافسة تعددية بعد المصادقة على الدستور الجزائري لسنة 1996 الذي حدد عهدة الرئيس بواحدة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط،لم يكمل عهدته الأولى، لأسباب مجهولة حتى الآن ،رغم ما قيل عن علاقاتها بملف الاتصالات بين مؤسسات الدولة والجيش الإسلامي للإنقاذ ،مفضلا الاستقالة وتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، فاز بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي عبر أكثر من مرة، عن عدم رضاه عن الدستور الحالي الذي يريد تغييره في اتجاه صلاحيات أكبر، لرئيس الجمهورية على حساب رئيس الحكومة والبرلمان وإلغاء تقييد عدد العهدة الرئاسية .

ما لم يكن في حسبان مثل هذه الاستراتيجيات الرئاسية ،حصل في خريف 2005، عندما أٌعلن عن دخول الرئيس بوتفليقة احد المستشفيات الباريسية لإجراء عملية جراحية في جو من الشائعات حول حقيقة المرض ،الذي فرض عليه الدخول مرة ثانية إلى نفس المؤسسة الاستشفائية، كما فرض عليه هذا المرض التقليص بشكل واضح من نشاطاته خارج وداخل البلاد بعد الإعلان الرسمي عن عودته إلى القيام بنشاطاته العادية .لم يؤثر هذا التقليص الكبير في النشاط على المؤسسات الرسمية فقط،بل أثر حتى الآن على مشاريع الرئيس ،فيما يتعلق بتغيير الدستور وإمكانية الحصول على عهدة  رئاسية ثالثة ، مما قد يؤدي إلى اضطراب في أداء مؤسسة الرئاسة من جديد ،كما بدأت توحي بعض المؤشرات  المرتبطة بالعملية الانتخابية  الأخيرة نفسها ، خاصة وان الرئيس قد استحوذ على الكثير من الصلاحيات وتحول عمليا إلى الفاعل السياسي الوحيد على مستوى الساحة السياسية والإعلامية الرسمية .

 فقد عرفت عملية الإعلان عن اللجنة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات ، تأخير في الإعلان عنها ،مما منعها من القيام بنشاطاتها بطريقة عادية ،كما ظهر هذا الاضطراب على مستوى التعامل الشكلي القانوني  مع نتائج الانتخابات التشريعية وتداعياتها، فتأخر تنصيب المجلس الشعبي الوطني الذي لم تراعى فيه شكليات التنصيب القانونية،كعدم استقالة الحكومة في الآجال المطلوبة قانونا،بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التي ترشح لها 19 وزيرا من أحزاب التحالف الرئاسي، مما جعل الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان ،ينتخب رئيسا للمجلس الشعبي الوطني، قبل استقالته من منصبه كوزير،كما أعيد تكليف نفس رئيس الحكومة المستقيل،بعد عدة أيام من قبول استقالته  المتأخرة وتعيين وزراء بالنيابة لتسير الأمور، لمدة أقل من أسبوع ، وزراء كانوا قد تعرضوا أكثر من مرة إلى توبيخ  ولوم رئيس الجهورية على المباشر، أمام أعين المواطنين ،الذين كانوا ينتظرون مغادرتهم لمواقعهم الحكومية في أول فرصة تغيير .

أمثلة تدل بشكل واضح على تخبط في أداء العمل الرئاسي،لا يمكن إلا ربطه ،بالحالة الصحية للرئيس التي لا يتم التكتم عنها رسميا بل وتكذب في بعض الأحيان[16]، لكنها حاضرة بقوة كخلفية لتفسير الكثير من القرارات المعلنة والمسكوت عنها، بما فيها تلك المرتبطة بالمحطات الانتخابية المقبلة ،كالانتخابات الرئاسية لسنة 2009 .

التحولات الاقتصادية التي تعيشها الجزائر منذ بداية التسعينيات، بتزامنها مع أزمة سياسية وأمنية حادة كانت الأرضية التي سمحت بظهور واستفحال الكثير من مظاهر الفساد، الرشوة وتبذير المال العام أوصلت الجزائر إلى مراتب متدنية في التقارير الدولية الصادرة عن عديد المؤسسات الدولية المهتمة بقياس الفساد على المستوى الدولي ."فضيحة الخليفة " كانت من بين أهم هذه القضايا التي كان لها صدى شعبي كبير، نظرا للعدد الكبير من المتورطين فيها ونوعيتهم، ناهيك عن المبالغ المالية المتداولة أثناء المحاكمة التي عرفت وقوف 104  متهم وشاهد من بينهم وزراء  حاليين وسابقين ومديرين عامين و قياديين نقابيين  والكثير من الشخصيات العمومية المعروفة  .

انطلقت المحاكمة تحت تغطية إعلامية واسعة  بوم 8 جانفي 2007  لتعلن الأحكام يوم 21مارس من نفس السنة ،أي أقل من شهرين من تاريخ الانتخابات التشريعية ،مما يكون قد ساهم في تنفير المواطنين من المشاركة في الاقتراع وترك آثار سلبية في نظرة المواطن الجزائري للنخب و المؤسسات القائمة،وشرعيتها،انعكس سلبا على الكثير من المؤشرات المرتبطة بالانتخابات التشريعية ،كضعف نسبة المشاركة وازدياد في عدد الأصوات الملغاة وعدم اهتمام واضح بيوميات الحملة الانتخابية الذي لاحظته الكثير من وسائل الإعلام. 

سوسيولوجيا المرشحين

من سيترشح لهذه الانتخابات التي وصفت بأنها من دون رهانات سياسية ،نظرا للسيطرة التي فرضها ما يسمى بالتحالف الرئاسي المكون من ثلاث أحزاب كبرى، أعلنت مسبقا أنها ستحصل على أغلبية المقاعد النيابية،رهانات سياسية  منعدمة تقريبا،إذا راعينا كذلك  الصورة الباهتة التي ظهر بها المجلس الشعبي الوطني خلال العهدة الماضية ،في علاقاته بالسلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية تحديدا الذي تعود على التشريع عن طريق أوامر رئاسية  حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا هامة تستدعي النقاش العام وأخذ رأي نواب الشعب.

القوائم المستقلة ...أزمة الحزب وظهور المال

تميزت هذه الانتخابات التشريعية بمشاركة واسعة من قبل العديد من الأحزاب السياسية، باستثناء جبهة القوى الاشتراكية التي وصفتها بـ "زواج المتعة " الذي ترفض أن تكون احد أطرافه ،مع النظام السياسي الجزائري.في المقابل نية في مشاركة كبيرة ،عبرت عنها الأحزاب والمرشحين الأحرار كأفراد وقوى سياسية منظمة ،كما هو حال "حركة العروش " وقيادات الجيش الاسمي للإنقاذ، التي لم تتمكن من الترشح في نهاية الأمر،بعد فشل مسعاها لدخول المنافسة عن طريق قائمة حزب صغير( حركة الوفاق الوطني )، نفس الشيء بالنسبة "لحركة العروش"  التي لم تفلح في تكوين قوائم مستقلة بمنطقة القبائل ،بعد التآكل السريع الذي عرفه تأثير الحركة بالمنطقة، فكما تميزت "حركة العروش " بسرعة البروز وقوة التأثير لمدة قصيرة ، عرفت نفس السرعة في أفولها وفقدان تأثيرها بالمنطقة .  

رغم الموقف المعادي الذي وقفته الإدارة من ظاهرة القوائم المستقلة، والتخوف الكبير الذي أبدته الأحزاب السياسية الكبرى منها، فإن عدد القوائم التي دخلت الانتخابات وصل إلى 100 قائمة من بينها 95 داخل الجزائر و5 بالهجرة .ظاهرة المستقلين التي لم تفلح رغم ذلك في التقدم للانتخابات في 17 ولاية من مجموع 48 ولاية، فقد اختفت القوائم الحرة في ولايات كالجزائر العاصمة ، سطيف ، باتنة ، الواد ، خنشلة وسوق هراس ...الخ، لتظهر بقوة في ولايات مثل  عين الدفلى بـ 9 قوائم ، الاغواط بـ 8 قوائم ، بجاية   وقالمة  بـ6 ، و بسكرة، تبسة ،سكيكدة ، عنابة بـ  5قوائم ...الخ .

تفاوت في الحضور للقوائم الحرة عبر الولايات [17]، لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى يوميات الحياة السياسية،داخل لولاية نفسها والصراعات التي تعرفها والتحولات التي تعيشها، حتى في أبعادها التقليدية،فقد ارتبطت القوائم الحرة في بعض الحالات  بالصراعات بين القبائل والعروش ومدى تمثيل أبنائها وترتيبهم داخل القوائم الحزبية في المناطق التي لازالت تعرف حضورا قويا لمثل هذه الظواهر الاجتماعية ،كما هو حال منطقة الهضاب العليا على سبيل المثال.

التحولات الاقتصادية وما أنتجته من فرز اجتماعي جديد ،كانت وراء ظهور القائمة الحرة التي تعكس من هذه الزاوية بروز فئة رجال الأعمال الجدد بمختلف أصنافهم  وقطاعات نشاطهم ، ظاهرة ارتبطت بظهور المال كوسيلة عمل وإقناع داخل المجال السياسي، تم ربطها بالفساد المستشري في الجزائر، داخل دواليب السلطة والإدارة، بل وحملتها بعض التحاليل مسؤولية عزوف المواطن عن المشاركة في الاستحقاق نفسه[18] .

الصراعات داخل الأحزاب السياسية ونوعية تسييرها البعيدة عن المقاييس الديمقراطية، يمكن عدها هي الأخرى أحد أسباب هذه الظاهرة التي عبر من خلالها ، جزء من النخبة الحزبية المغضوب عنها ، المعارضة أو المقصاة ، كما حصل في العديد من الأحزاب بدرجات متفاوتة.الصراعات الداخلية التي عرفتها بعض الأحزاب والموقف الذي أخذته الإدارة من هذه الصراعات ،كما حصل مع حركة الإصلاح الوطني ،فرخ هو الآخر  العديد من القوائم الحرة وحتى التقدم للانتخابات  من خلال أحزاب صغيرة ،كما حصل مع الإصلاحيين في قوائم الحركة  من أجل الطبيعة و النمو .

ترشيحات الأحزاب ....اهتمام شخصي الانتخابات

 زيادة على القوائم الحرة التي برزت كظاهرة ملفتة للنظر في هذه الانتخابات، لا يمكن للمتتبع إلا تسجيل تلك المفارقة المتمثلة في الاهتمام الكبير الذي عبرت عنه النخب السياسية والأحزاب بالانتخابات، مقابل عدم الاكتراث بل الإهمال الذي قابل به المواطن الجزائري نفس الظاهرة، عبّر عنه بعدة أشكال منها ،عدم المشاركة في الانتخابات يوم الاقتراع وضعف  الاهتمام بمجريات الحملة الانتخابية ومواضيعها  .

أربع وعشرون حزب شارك في هذه الانتخابات، بما فيها الأحزاب التي تعودت على المقاطعة كالحركة الديمقراطية والاجتماعية ( الحزب الشيوعي سابقا ) أو الحزب الاشتراكي للعمال ( تروتسكي ).حضور حزبي يمكن تلمسه في كثافة القوائم على مستوى الولايات وحتى المهجر ، لنجد على رأس قائمة الحضور:

·                           أحزاب التحالف الرئاسي ( جبهة التحرير، التجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم ) المتواجدة في المنافسة على كل المواقع،بما فيها المهجر ،بخمس وخمسين قائمة .

·                           أغلبية الأحزاب الأخرى المشاركة في أكثر من أربعين دائرة انتخابية ( 17حزب )، رغم عدم تجانسها من حيث القوة والحضور والنتائج المحققة ، فهذه القائمة تضم أحزاب مثل حزب العمال والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحركة الإصلاح والجبهة الوطنية الجزائرية وحزب التجديد والعديد من الأحزاب الصغيرة التي لا تظهر عادة إلا في المناسبات الانتخابية التي لم  تحقق  فيها نتائج ،رغم هذه المشاركة الشكلية القوية. مشاركه أو عزها البعض إلى ما سمي بظاهر " البزنسة " بمناسبة الانتخابات على مستويين على الأقل ،مرحلة وضع القائم ،التي تحدثت عنها الكثير من وسائل الإعلام والسياسيين، عن بيع  للمواقع الأولى داخل القوائم  وبأسعار كادت أن تكون معروفة ،ويتعلق الأمر الثاني بالمستحقات المالية المدفوعة من قبل الحكومة عن  الحضور الحزبي داخل لجان المراقبة السياسية الوطنية الولائية والمحلية والمرتبط بعدد القوائم المرشحة ، التي كانت هي الأخرى مجال لبروز مظاهر فساد ، فالأحزاب الصغيرة  لا تملك العدد المطلوب من المناضلين لتمثيلها في كل اللجان المحلية  ومن باب أولى المكاتب والمراكز الانتخابية ،مما يجعلها تلجأ إلى توظيف المال المتحصل عليه كمستحقات مشاركة ،لتجنيد مؤطرين وملاحظين تعجز أغلبية الأحزاب باستثناء تلك الكبرى عن توفيرهم [19]  مما يترك الإدارة وجها لوجه مع بعض الأحزاب الكبرى  فقط أثناء عمليات فرز الأصوات والإعلان عنها.

·                           الأربع أحزاب المتبقية المسجلة لحضور ضعيف نسبيا ويتعلق الأمر بالمعروف منها ،كحزب العمال الاشتراكي ( التروتسكي ) و الحركة  الديمقراطية  والاجتماعية ( الحزب الشيوعي سابقا )التي دخل جناح منها فقط الانتخابات ،بعد إعلان المقاطعة من قبل الجناح الثاني الذي رفض نتائج آخر مؤتمر للحزب .حزبين تعودا على المقاطعة ومن دون قواعد شعبية فعلية ،لم تسمح للحزب الأول من الحصول على أي مقعد في حين حصل الثاني على مقعد واحد فقط  .

مشاركة  قوية حزبية ولقوائم الأحرار في الانتخابات  جعلت بعض الولايات تسجل ترشح  واحد ثلاثين قائمة، كما هو حال ولاية الاغواط و 30 في بجاية و 29 في قالمة و 28 في كلا من الجلفة وبسكرة ، مشاركة كبيرة  تكون وراء ازدياد نسبة الأصوات الملغاة ،حسب بعض الملاحظين،في مجتمع لا زالت مستويات الأمية تسجل فيه نسب  عالية خاصة في المناطق الريفية وبين النساء ،خاصة وانه لم يتم الاتفاق على شعارات للأحزاب تكون في متناول المواطنين الأميين ، بل تم الاكتفاء بوضع اسم الحزب وصورة رئيس القائمة .عدد كبير في القوائم فسر به البعض النتائج المحصل عليها بالنسبة لبعض الأحزاب التي وضعت ورقة قائمتها في أول الطاولة أو في آخرها ، قبل المرور إلى القيام بالعملية الانتخابية بوضع الورقة في الصندوق [20]

المرأة .. والانتخابات : نخب محافظة أم مجتمع محافظ ؟

من مجموع المرشحين الإجمالي ( 12225 ) لم تترشح إلا 1018 امرأة على المستوى الوطني في انتخابات 2007 وهو ما يعادل 8,33 بالمائة فقط  من الترشيحات الإجمالية، في حين لم تتجاوز هذه النسبة 6,90 بالمائة فقط خلال انتخابات 2002 التشريعية ، مما يعكس الحضور  المتواضع للمرأة الجزائرية على مستوى الساحة السياسية كفضاء عام،رغم النجاحات التي حققتها على مستوى التعليم وعالم الشغل بدرجة أقل،منذ الاستقلال .ضعف حضور في الفضاء العام، تعاني منه المرأة الجزائرية كنتيجة منطقية لخصوصيات التاريخ الاجتماعي  السياسي والثقافي الجزائري ذات العلاقة الأكيدة بالظاهرة الاستعمارية وما ميزها من طول وطابع استيطاني. الخصوصيات التي أعيد إنتاجها بعد الاستقلال عن طريق الكثير من المؤسسات، بما فيها الحزب السياسي الذي لازال مغلقا أمام المرأة الجزائرية ،رغم بعض الاختراقات التي قامت بها لدى بعض العائلات السياسية ،كما هو حال حزب العمال وزعيمته لويزة حنون[21] المرشحة الرسمية  للانتخابات الرئاسية لعام 2004،ورغم بعض المبادرات التي قامت بها بعض الجمعيات النسوية للحث على مشاركة أوسع بمناسبة كل عملية انتخابية[22] .مجهود لم يكن له تأثير كبير إذا نظرنا إلى نتائج الانتخابات،من وجهة نظر النوع،التي تمخضت عليها الانتخابات التشريعية حتى الآن، لا على المستوى التشريعي فقط، بل كذلك على مستوى الانتخابات المحلية [23] التي تميزت تقليدا بحضور متواضع للمرأة، أقل بالمقارنة مع الانتخابات التشريعية .

تميزت ترشيحات المرأة داخل قوائم الأحزاب بالحضور الكمي الضعيف في مختلف القوائم الحزبية باستثناء حالة حزب العمال الذي مثلت فيها المرأة أكثر من أربعين بالمائة من الترشيحات ، منها 16 قائمة كانت على رأسها نساء[24] .الأحزاب التي تساوت تقريبا في معاملتها للمرأة ، فلم يرشح حزب جبهة التحرير إلا 72. امرأة من مجموع 525 مرشح إجمالي ، نفس الشىء بالنسبة للتجمع الوطني الديمقراطي الذي كانت ترشيحاته اقل   بـ41 امرأة في كل القوائم التي تقدم بها وطنيا في كل الدوائر الانتخابية داخل والجزائر وفي الهجرة  كما هو الحال بالنسبة لجبهة التحرير .

الأهم من الكم ، النوع ،فقد رشحت جل الأحزاب المرأة داخل قوائمها في مواقع لا تملك فيها الكثير من حظوظ النجاح وهو ما بينته نتائج الانتخابات ،فلم تفز إلا 11 امرأة على سبيل المثال ضمن قوائم جبهة التحرير وامرأة واحدة مع التجمع الوطني الديمقراطي  وامرأة واحدة  أخرى في قوائم التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية الذي  يقدم نفسه كحزب علماني، في حين لم تفز ولا امرأة واحدة ضمن قوائم حركة مجتمع السلم  الذي لم يرشح إلا سيدتين  في المرتبة الثانية ضمن قوائمه على المستوى الوطني ،مما يؤكد  مرة أخرى الطابع المحافظ للتيار ألإخواني.طابع محافظ بينت هذه الانتخابات التشريعية،توزيعه العادل بين مختلف النخب السياسية الحزبية الجزائرية التي عادة ما تتحجج بسيطرة القيم المحافظة لدى القواعد الحزبية  والناخب الجزائري لكي لا ترشح المرأة.حجج كذبتها قوائم حزب العمال الذي فازت في مناطق مختلفة من التراب الوطني،بما في ذلك التي تصنفها النخب الحزبية بالمحافظة والتقليدية، فقد فازت قائمة الحزب التي كانت على رأسها امرأة في ولايات مثل،قسنطينة ،سكيكدة بالشرق و تلمسان ،سيدي بلعباس،مستغانم  بالغرب و بليدة والجزائر العاصمة التي فاز فيها الحزب بعشر مقاعد كاملة  كان من بينهن ثلاث نساء .

هذا الحضور الضعيف للمرأة في القوائم الانتخابية الحزبية وحتى للأحرار ،كميا ونوعيا خاصة ، هو الذي افرز ذلك الحضور المحتشم للمرأة داخل الهيئة التشريعية بحيث لم تمثل النساء الجزائريات إلا بـ 29 امرأة من مجموع  389 برلماني ، لتحتل الجزائر بذلك المرتبة الأخيرة مغربيا بعد موريتانيا، تونس والمغرب في التمثيل النسوي داخل البرلمانات [25] 

 

صراع "الشيخ والمريد " داخل الأحزاب

الكثير من الصور التي تضمنتها دراسة "الشيخ والمريد " لللأنثربولوجي المغربي عبد الله حمودي، يمكن تلمسها داخل هياكل ومؤسسات الحزب السياسي الجزائري بين نخبه ،قياداته وقاعدته ،كما تبينه  محطة وضع القوائم وترتبيها بمناسبة الانتخابات التشريعية ،فقد تراوحت عملية إعداد القوائم بين حالة  حزب جبهة التحرير التي احتكرت فيها قيادة الحزب عملية وضع القوائم وترتيبها  وبين حالة حركة مجتمع السلم التي تكفلت بذلك  مجالس الشورى الولائية ، لتكون حالة التجمع الوطني الديمقراطي المزج بين الأسلوبين ، منح دور كبير للهياكل الولائية  وتطعيمه بتدخل للقيادة الوطنية ،في  حدود العشرين بالمائة كما قدرته وثائق الحزب [26].

عملية إعداد القوائم التي عرفت صراعات كبيرة مست، كل الأحزاب السياسية بدرجات متفاوتة، فقد استغلت  قيادة الحزب العملية في جبهة التحرير لتصفية الحسابات مع الوجوه السياسية المحسوبة على الأمين العام السابق علي بن فليس التي لازالت ذات حضور أكيد في الكثير من محافظات الحزب على المستوى الولائي، مما جعل قيادة الحزب تحتكر عملية إعداد القوائم وترتيب المواقع داخلها.عملية أثارت الكثير من مظاهر الاحتجاج ليتغلب في الأخير منطق الانضباط  الحزبي والركون إلى مهادنة موازين القوى الحالية في انتظار فرص أخرى،  مما خلق حالة تذمر غير معلنة في الغالب خوفا من تبعاتها ، قد لا تكون بعيدة عن تفسير نتائج الحزب في هذه الانتخابات .

رغم أن الصراع كان اقل بروزا داخل حركة مجتمع السلم بمناسبة إعدادا القوائم التي تكفلت بها مجالس الشورى، للانضباط الأكبر الذي يتحلى به المناضل ألإخواني تقليديا ، بالمقارنة مع مناضلي الأحزاب الأخرى ،فإن ذلك لم يمنع من ملاحظة الكثير من علامات التذمر البادية على قيادات الحزب من النواب القدماء الذين لم يتيسر لهم  تقديم ترشيحا تهم  بعد تدخل ، رئيس الحركة ب وطلبه  من النواب الذين امضوا عهدتين بالمجلس النيابي عد م الترشح للمرة الثالثة .

القرار الذي تم النظر إليه  كجزء من الصراع بين  رئيس الحركة وبعض من قيادييها المتحفظين أصلا على وصول ابوجرة سلطاني إلى قيادة الحركة بعد وفاة مؤسسها الشيخ محفوظ نحناح، الذي كان أكثر شرعية في عيون قيادات الصف الأول من شباب الحركة، مما هو عليه رئيسها الحالي  الذي أعاب عليه بعضهم، قبول منصب وزير دولة داخل الحكومة وتصريحاته الإعلامية  حول الفساد [27]، مما يكون قد أوعز للشيخ بالاستنجاد بقيادات الصف الثاني المتواجدة على مستوى مجالس الشورى، ضد قيادة الصف الأول وتشجيعها على الترشح بدلها  تحت شعار إعطاء فرصة لقيادات جديدة بديلة لاكتساب تجربة برلمانية[28] .

 أخذت الصراعات داخل التجمع الوطني الديمقراطي، منحنيات أخرى راعت قوة وسيطرة الأمين العام للحزب وطموحاته السياسية الواسعة المنسوبة إليه على وجه الخصوص. احمد أويحي الذي لم يجد صعوبة كبيرة في "إقناع"  الكثير من قيادات الحزب المتواجدة بقوة على رأس الكثير من الجمعيات الوطنية  بعدم الترشح لعهدة  برلمانية جديدة ،كالأمين العام لمنظمة المجاهدين والأمينة العامة لاتحاد النساء والقائد العام للكشافة الإسلامية والأمين العام لمنظمة أبناء الشهداء والأمينة العامة لمنظمة ضحايا الإرهاب ...الخ، رغم الدور الكبير الذي كان لهذه الجمعيات في ظهور الحزب نفسه في ربيع 1997 و"فوزه" بعد أقل من ثلاثة أشهر، بعد ذلك في "التغلب" على منافسيه في الانتخابات التشريعية والمحلية التي تلتها بما فيهم جبهة التحرير .

احتياطات كبيرة لجأت إليها قيادة حزب العمال وزعيمة لويزة حنون بعد التجربة الصعبة التي تعرضت لها كتلة الحزب البرلمانية في العهدة السابقة، جراء الانشقاق الذي عرفته،فقد فرضت قيادة الحزب على المرشحين  للانتخابات ،إمضاء استقالة مسبقة لدى موثق توضع بين أيدي قيادة الحزب لتقديمها إلى رئاسة المجلس الشعبي الوطني في حالة عدم التقيد بسياسة الحزب ومواقفه كما حصل في العهدة الماضية  .

بغض النظر عن  مدى شرعية  هذا الإجراء و إمكانية تطبيقه الفعلي، فإن هذه الاحترازات التي لجأت إليها قيادة الحزب التروتسكي المتعودة على ثقافة وممارسات العمل السري،قد تعكس تخوف القيادة التاريخية للحزب من آثار انفتاح  الحزب على المجتمع وازدياد عدد منخرطيه،جراء المواقف الشعبية المعلنة من قبل  زعيمة الحزب  لويزة حنون تحديدا التي تطمح في خلق قاعدة شعبية وعمالية أكبر للحزب ،قد تجد القيادة التروتسكية التاريخية  قليلة العدد ،صعوبة في تأطيرها والتعامل معها سياسيا ،خاصة عندما يتعلق الأمر بنواب الحزب، بعد احتكاكهم المباشر  واليومي بمراكز السلطة  المختلفة بالعاصمة ،مما يجعل القيادة ، تصر على التحكم في آليات تسيير الحزب وهياكله ،كما بينته تجربة وضع وترتيب القوائم التي احتكرتها كلية القيادة، بمناسبة هذه الانتخابات التشريعية .

حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية الذي عرف سلسلة واسعة من الانشقاقات التي قامت بها قيادة الصف الأول  من المؤسسين ضد زعيمه الدكتور سعيد سعدي، على فترات متتالية ،كانت أخرها من قبل نواب العهدة ما قبل الأخيرة، فقد انشقت وزيرة الثقافة الحالية واحد الوجوه النسائية المعروفة ، داخل الحزب والحركة النسوية ،خليدة تومي، كما أنشق  نائب رئيس الحزب والوزير السابق عمارة بن يونس الذي أعلن عن تكوين حزب جديد ،لم يتم الاعتراف القانوني به حتى الآن ،مما جعله يترشح ،على رأس قائمة  حزب الاتحاد الديمقراطي من أجل الجمهورية، لرئيس الحكومة الأسبق رضا مالك ، بالعاصمة ويفشل في  الحصول على مقعد  بالمجلس الوطني الشعبي ،كما كان الحال في انتخابات 1997 مع حزبه الأصلي ،التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية .

حزب الدكتور سعدي الذي حاول بمناسبة هذه الانتخابات الانفتاح  كبديل  عن القيادات القديمة على أبناء منطقة القبائل، من غير المنخرطين بالحزب ،على شاكلة بعض النقابيين الذين تم اللجوء إليهم على غرار الكثير من الأحزاب ،مما سمح للحركة النقابية بمختلف فصائلها القديم منها كالاتحاد العام للعمال الجزائريين والجديد المتمثل في النقابات المستقلة الممثلة للفئات الوسطى الأجيرة ،كالأطباء من تمرير حوالي ثلاثين نقابي تحت سقف قبة البرلمان.النقابيين  ،الذين عادوا إلى الاهتمام بالانتخابات عن طريق أحزاب المعارضة_ وليس أحزاب السلطة فقط كما كان الحال في السابق _  هذه المرة كما هو حال التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية،الذي لم يستفد كثيرا من حيث نتائج الانتخابات بغياب غريمتيه بالمنطقة  جبهة القوى الاشتراكية التي قاطعت الانتخابات  و"حركة العروش " التي فشلت في تكوين قوائم حرة ، بقدر ما استفاد من هذا الغياب على مستوى الترشيحات التي كانت أكثر يسرا بالنسبة له ،بعد التصدعات الكثيرة التي عرفها على مستوى القيادة والمنتخبين في السنوات الأخيرة .

التهم الموجهة للأحزاب الصغيرة المشاركة في التشريعيات بالفساد ،انصبت تحديدا على مرحلة وضع القوائم وترتيب المواقع فيها. تهم كونت أساس المرافعة التي قام بها وزير الداخلية أمام اللجنة القانونية للمجلس الشعبي الوطني لإقناعها بوجهة نظر وزارة الداخلية وهو يقدم مشروع تعديل قانون الانتخاب.

اختلفت الأحزاب السياسية إذن ،في طريقتها لإعداد القوائم الانتخابية وإدارة التنافس الداخلي حولها بين النخب والهياكل المركزية والمحلية ،مما أفرز هذه الترشيحات الكلية التي سنقوم بدراستها اعتمادا على المؤشرات المعروفة المعروضة ،كالمستوى التعليمي والسن والفئة المهنية_ الاجتماعية، للتعرف عن كثب عن خصائص القوى الاجتماعية التي اهتمت بالعملية الانتخابية ،بالوظائف والأدوار الممنوحة لها،داخل النظام السياسي الجزائري بعد بداية خروجه من حالة الاضطراب التي عاشها خلال عقد التسعينيات ودخوله مرحلة استقرار قد تكون بداية إعادة تشكيل خارطة سياسية جديدة  بفاعلين جدد .معطيات كمية كلية ،تشمل الترشيحات الوطنية لكل القوائم الحزبية لأكثر من استحقاق انتخابي،سنقوم بمقارنتها مع قوائم ترشيحات بعض الأحزاب السياسية ،كلما توفرت لدينا معلومات خاصة، بالنسبة للأحزاب السياسية الكبرى والممثلة على الأقل .وهو نفس الشيء الذي سنحاول القيام به لاحقا، عند  حصولنا حول نفس المعطيات المتعلقة بالنواب المنتخبين  أنفسهم  لمقارنتها مع المرشحين .

فئات السن للمرشحين : صراع الشباب والشيوخ

يتبين من خلال المعطيات الكمية المنشورة والخاصة باستحقاقين انتخابين ،حول سن المرشحين للانتخابات التشريعية، أن الفئة التي يتراوح سنها بين 31 و50 سنة هي التي تسيطر على الترشيحات للتشريعيات، في حين نلاحظ أن المقارنة بين الاستحقاقين تؤكد أن فئة الشباب ( الأقل من ثلاثين سنة ) قد تقلص حضورها في انتخابات 2007 بالمقارنة مع الانتخابات التي سبقتها  ،رغم حضور هذه الفئة العمرية  الكبير في المجتمع الجزائري ، ورغم  التجنيد الذي ميز هذه الفئة داخل الحركة الاجتماعية بمختلف أنواعها مما انعكس حضورا داخل الأحزاب التي عبرت عنها ،كالجبهة الإسلامية للإنقاذ[29] .

فئة السن

انتخابات2007

العدد

النسبة

انتخابات 2002

العدد

النسبة

أقل من 30 سنة

 

768

6,28

 

939

9,34

31_40 سنة

 

4649

38,03

 

4617

45,93

41_50سنة

 

4584

37,50

 

3155

31,39

51_60 سنة

 

1910

15,62

 

1004

9,99

أكبر من  سنة 60

 

314

2,57

 

337

3,35

المجموع

 

12225

100

 

10052

100

 نفس الشيء بالنسبة لفئة كبار السن الذين تجاوزوا الستين سنة ، الذين استمروا في الاهتمام بالانتخابات  حتى ولو كان ذلك بدرجة اقل نسبيا .رغم أن التحولات الديموغرافية التي يعيشها المجتمع الجزائري ،تؤكد تزايد هذه الفئة من العمر داخل المجتمع الجزائري الذي يعيش ما يسميه بمرحلة الانتقال الديموغرافي وهو ما تؤكده المعطيات المتعلقة بالمسجلين في الانتخابات التي تمثل داخلهم هذه الفئة العمرية  17.31 %  من المجموع الكلي للمسجلين في القوائم الانتخابية .

المستويات التعليمية للمرشحين:الحزب وأصحاب المستويات المتوسطة  

 

رغم النسبة العالية التي يحتلها الجامعيون وأصحاب شهادات ما بعد التدرج ( 44.19 %)، ضمن المرشحين للانتخابات التشريعية وطنيا ،إلا أن التمعن في الفئات التعليمية الأخرى، يؤكد أن أغلبية المرشحين من غير الجامعيين ،كما هو مبين من الجدول، بحيث لازال يترشح من لا مستوى  تعليمي له ( أمّي ) أصلا(1.59% )وأصحاب المستويات الابتدائية والمتوسطة والثانوية الذين يمثلون أغلبية المترشحين ( %54.22)، في مجتمع عرف فيه التعليم ، بما فيه الجامعي توسعا هائلا، وأضحت بطالة الجامعيين من الظواهر العادية فيه منذ سنوات.

المستوى التعليمي

العدد

النسبة

من دون مستوى

194

1,59

ابتدائي

356

2,91

متوسط

1489

12,18

ثانوي

4784

39,13

جامعي

4857

39,73

مابعد التدرج

545

4,46

المجموع

12225

100

 علما بأن التجربة الانتخابية ،قد أكدت في أكثر من مرة ، أن هناك تلاعب كبير ، يقوم به المرشحون بتواطؤ من قبل الأحزاب في بعض الأحيان، عند التصريح بالمستوى التعليمي للمترشح ، عكس الشهادة الجامعية التي يقل التلاعب بها عند التصريح .[30] معطيات تؤكد أن الحزب السياسي في الجزائر لازال بعيدا عن متابعة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع، بحيث لازال مغلقا أمام المرأة و المتعلمين وأصحاب الشهادات الجامعية وتحت سيطرة أصحاب المستويات التعليمية البسيطة، الذين يستعملوه كوسيلة ترقية اجتماعية ،مقابل وسائل الترقية الأخرى التي يحتكرها ، أصحاب الشهادات الجامعية كما هو حال الإدارة والمؤسسة الصناعية والجامعة .

الفئات المهنية _ الاجتماعية للمرشحين: بروز الفاعلين الاقتصاديين  المستقلين

رغم السيطرة التي لازال يفرضها الموظفون ( 40.34%) والمعلمون ( %17.44)بمختلف فئاتهم على الانتخابات التشريعية كاستمرارية سوسيولوجية للظاهرة السياسية في الجزائر منذ فترة الأحادية التي تميزت ،بتفضيل  الدولة لأجرائها وموظفيها لاحتلال المواقع السياسية الهامة على مستوى المؤسسة التشريعية وغيرها من المؤسسات، بما فيها تلك القريبة من المواقع المعارضة ،فأن ما يميز هذه الانتخابات  الأخيرة( 2007)،هو بروز قوى اجتماعية منافسة، مهتمة بالعملية الانتخابية ، تتميز بمواقعها الاقتصادية  المستقلة  أكثر  من الموظف  الذي يملك الدولة كرب عمل ،كما هو حال أصحاب المهن الحرة ( %12.70 )  الذين تعودوا تقليديا على ابتعادهم عن العمل السياسي الرسمي، في ضل الأحادية وهو نفس سلوك الفئات المالكة الأخرى كالتجار والفلاحون و الصناعيين  الذين لازالوا من دون شرعية اجتماعية وسياسية  كافيتين،لولوج العمل السياسي الرسمي المسيطر عليه من قبل موظفي الدولة،سنوات بعد الإعلان عن الإصلاحات الاقتصادية والتوجه رسميا نحو اقتصاد السوق .

المعطيات التي يوفرها لنا هذا الجدول ،تؤكد أن تغييرا مهما بدأ في البروز على مستوى التمثيل السياسي، لا يمكن حصره في  تأثير ترشيحات القوائم الحرة ،بل يعني الأحزاب السياسية كذلك  بما فيها الكبير منها، فقد أصبح من الشائع أن يتقرب الكثير من الصناعيين الكبار المعروفين من الأحزاب السياسية ،في مجتمع يعرف عملية انتقال اقتصادي متعثرة  جراء الممارسات الريعية التي لازالت هي السائدة ، بحيث يصعب وضع الفروق النوعية  الواضحة بين رجل الأعمال والموظف الكبير والسياسي الرسمي.

 

المهنة

العدد

النسبة

الموظفون

4932

40,34

المعلون والأساتذة

2132

17,44

المهن الحرة

1553

12,70

من دون

1373

11,23

إطارات

820

6,71

تجار

698

5,71

أجراء

507

4,15

فلاحون

160

1,31

صنا عيون

50

0,41

المجموع

12225

100

 

 

نتائج الانتخابات  .... هل كانت الانتخابات خالية من التزوير ؟

قبل الدخول في تفاصيل نتائج الانتخابات التي كانت في عمومها ،من دون مفاجئات ،بعد تأكيد فوز أحزاب التحالف الرئاسي( جبهة التحرير ، التجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم ) بالأغلبية داخل المجلس الوطني الشعبي،كما كان الحال في العهدة الماضية وما قبلها، علينا بالإجابة عن السؤال المهم المطروح والمتعلق بمدى نزاهة الانتخابات وصدقها، في التعبير عن أراء المواطنين، خاصة إذا تعلق الأمر بنظام سياسي، متعود كثقافة سياسية عامة على عدم احترام نتائج الانتخابات والتدخل بمختلف الطرق للتأثير على نتائجها في مرحلة الحزب الواحد والتعددية باستثناء حالة بداية التسعينيات كما رأينا ذلك، وقت بروز حركات اجتماعية قوية التجنيد الشعبي  واضطراب في أداء النظام السياسي ومراكزه الأساسية  جعلها عاجزة عن التدخل في تحديد نتائج الانتخابات  .

على عكس ما شاع في الانتخابات السابقة، فأن التشكيك في الانتخابات، كان أخف هذه المرة، رغم انه لم يختف تماما ،كما تبينه مواقف بعض الأحزاب التي شككت في نتائجها الانتخابية، على شاكلة التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية[31].غم أن ما ميز الانتخابات التشريعية لعام 2007 هو ليس هذا التشكيك الذي تعودت عليه الساحة السياسية الجزائرية  وحاولت بعض القوى السياسية التهوين منه  بالقول أنه لم يكن مقصودا ومطلوبا من مركز قرار سياسي أو إداري  مركزي  كما كان الحال في السابق، بل كان نتيجة،  استمرار عادات سيئة ،لازالت منتشرة لدى بعض أعوان الإدارة من المتحزبين[32] .

الدور الجديد للجنة المراقبة السياسية :

الدور المميز والجديد  هذه المرة تمثل في ما  قامت به اللجنة الوطنية السياسية ،لمراقبة الانتخابات في التعريف بحالات التجاوزات التي عرفتها الانتخابات التشريعية لعام 2007 والتي لخصت بعضها في الرسالة التي توجهت بها إلى رئيس الجمهورية  يوم الاقتراع ، الرسالة التي أثارت رد فعل وزير الداخلية خلال ندوته الصحفية التي أعلن فيها نتائج الانتخابات، مما حتم على أعضاء اللجنة الدفاع عن منسقها عن طريق بيان هذا نصه ـ تمت المصادقة عليه باغلبية الحاضرين يوم 18 ماي

...بعد متابعتها للندوة التي عقدها السيد وزير الدولة وزير الداخلية يوم 18 مايو 2007 للإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ، تعبر اللجنة  السياسية الوطنية لمراقبة الانتخابات التشريعية عن دهشتها لما ورد في هذه الندوة تجاه اللجنة ومنسقها ، وفي هذا الإطار تؤكد أن الرسالة التي وجهتها إلى فخامة رئيس الجمهورية هي عمل جماعي وقد كلفت السيد المنسق بشرح محتواها في ندوة صحفية وهو ما قام به مشكورا دون تقديم أي اعتذار .

وفي الأخير تسجل اللجنة السياسية الوطنية لمراقبة الانتخابات التشريعية انه ورغم التباين السياسي واختلاف المشارب الأيدلوجية بين أعضائها إلا أنها قد اتفقت على مراعاة مصلحة الوطن واحترام سيادة الشعب واحتياره الحر ضد كل محاولات المساس بنزاهة الانتخابات ، تطبيقا للمرسوم الرئاسي المنشئ لها، مما يعد سابقة كان ينبغي أن تثمن وتشكر عليها .

وقد جاء هذا البيان التوضيحي بعد الرسالة التي بعثت بها اللجنة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات والرد الذي قام به وزير الداخلية ،وادعى فيه أن منسق اللجنة، قد اعتذر عن الرسالة التي بعث بها إلى رئيس الجمهورية . ما ميز هذه الرسالة انها تتكلم عن عينة من الحالات  والأشكال المحددة  لتدخلات غير قانونية التي "تعدت حدود التصرفات المعزولة "و أخذت  "طابعا وطنيا وشملت كل مناطق البلاد" كما جاء في الرسالة التي نوردها كاملة وداخل النص لأهميتها :

فخامة السيد رئيس الجمهورية

بعد التحية والاحترام

ترفع اللجنة السياسية الوطنية إلى سيادتكم، بهذه الشكوى ملتمسة من فخامتكم التدخل من اجل وضع حد للتجاوزات الخطيرة المصاحبة للعملية الانتخابية والتي تعدت حدود التصرفات المعزولة.

لقد تم لحد الآن إحصاء الكثير من التصرفات غير القانونية على مستوى الكثير من الولايات بدءا من منع المراقبين من حضور بداية العملية الانتخابية ورفض فتح الصناديق قبل بداية الاقتراع وملء بعضها الآخر بأوراق تصويت لصالح حزب جبهة التحرير الوطني ،مثلما حصل في ولاية الجزائر، بلدية الرويبة،مركز محمد الكبير في مكتب التصويت رقم 1 حيث اكتشف عند فتح احد الصناديق 135 ورقة تصويت لحزب جبهة التحرير الوطني .

كما سجلت اللجنة من خلال تقارير فروعها جملة من التجاوزات الأخرى تتمثل في :

·                        عدم وجود أوراق التصويت لبعض القوائم مثل قائمة التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية وحركة النهضة في ولاية البليدة وقائمة حركة مجتمع السلم في ولاية سعيدة

·                        استمرار الحملة الانتخابية من طرف حزب جبهة التحرير الوطني ومرشحها إلى غاية يوم الاقتراع ،خلافا لما ينص عليه القانون ،مثلما حصل في ولاية عين تموشنت التي عرفت تجاوزات من طرف، المرشح جمال ولد عباس ،منذ بداية الجملة الانتخابية إلى غاية اليوم، حيث ألبس مراقبي حزب جبهة التحرير الوطني، داخل مكاتب الاقتراع أقمصة وقبعات عليه صورته واسم الحزب .

·                        عدم احترام ترتيب الوراق حسب البرقية الصادرة في هذا الشأن ،من قبل وزارة الداخلية والجماعات المحلية وإعادة ترتيب الأوراق ،لتوضع أوراق حزب جبهة التحرير الوطني في المرتبة الأولى.

·                        الهروب ببعض الصناديق المتنقلة، في بعض بلديات ولاية الوادي .

فخامة السيد رئيس الجمهورية

أن هذه التصرفات قد أخذت طابعا وطنيا وشملت كل مناطق البلاد وعليه تحمل اللجنة المسؤولية كاملة، لرئيس اللجنة الإدارية للانتخابات التشريعية وتلتمس من فخامتكم تدارك الأمر ،بما ترونه مناسبا من تدابير وإجراءات صارمة وحازمة كما عهدناكم ،لوضع حد لمثل هذه التصرفات اللامسؤولة التي من شأنها،أن تمس مصداقية الانتخابات وسمعة البلاد وهيبة الدولة

تقبلوا فخامة السيد رئيس الجمهورية فائق الاحترام والتقدير .

  قبل يوم الاقتراع، كانت اللجنة قد راسلت عدة مسئولين سياسيين، بما فيهم رئيس الحكومة ،رئيس اللجنة الوطنية لتحضير الانتخابات عن تجاوزات بلغتها من مصادر حزبية متعددة عن دور الولاة  والولاة المنتدبين، بالنسبة للجزائر العاصمة ،كما جاء في  مراسلة 15 ماي التي أمضاها منسق اللجنة الوطنية و تمت المصادقة عليها بإجماع أعضاء اللجنة  كذلك .

معالي السيد رئيس الحكومة

رئيس اللجنة الوطنية لتحضير الانتخابات التشريعية

بعد التحية والاحترام

تحيط الجنة السياسية الوطنية لمراقبة الانتخابات التشريعية سيادتكم علما بأنه قد بلغنا من مصادر حزبية متعددة ، استدعاء بعض الولاة لمتصدري بعض القوائم الانتخابية لملء استمارات قصد جمع معلومات شخصية تخصهم ن والملفت للانتباه،أن الاستدعاء يقتصر على بعض القوائم دون غيرها ن مع اختلاف عدد المعنيين في القائمة الواحدة ، فعلى سبيل المثال تم استدعاء بعض متصدري القوائم في ولايات ، برج بوعريريج ، بجاية ، مستغانم ، سكيكدة ، أم البواقي وعين الدفلى .

أما في بعض الولايات الأخرى ،فقد وصلت اللجنة معلومات ،تفيد تحيز الولاة لفائدة قوائم معينة، مثلما حدث في ولاية بويرة وفي الدائرة الإدارية لدرارية حيث استدعى الوالي المنتدب بعض رؤساء البلديات يدعوهم إلى العمل على رفع نسبة المشاركة وذلك بمحاولة التأثير على مجريات العملية الانتخابية بما من شأنه أن يمس بمصداقيتها ونزاهتها . 

 المشاركة في الانتخابات:مقاطعة، امتناع أم عزوف ؟

رغم أن الكثير من التوقعات كانت تتنبأ بمشاركة شعبية ضعيفة في الانتخابات التشريعية،كما حدث في الاستحقاقات الانتخابية السابقة،إلا أن نسبة المشاركة المعلن عنها كانت أقل من كل التوقعات المتشائمة بحيث لم تتجاوز 35,6،وهي النسبة التي تم التشكيك هي الأخرى فيها رغم ضعفها الكبير.جديد هذه الانتخابات التشريعية أن ضعف المشاركة في الاقتراع الذي كان  تقليديا من ميزة المواطن الساكن في المدن الكبرى ومنطقة القبائل،قد توسع إلى مناطق كانت مشهورة بقوة مشاركتها في مناطق الشرق والغرب، بما فيها الهضاب العليا ، فقد سجلنا خلال تشريعيات 2007 ثلاثة عشر ولاية تم فيها تسجيل نسبة مشاركة في الانتخابات، أقل من المعدل الوطني،كما هو مبين في الجدول .

الولايات الأقل مشاركة في الانتخابات ( أقل من معدل المشاركة الوطني )

 

الولاية

نسبة المشاركة

تيزي وزو

16,14

بجاية

17,77

الجزائر العاصمة

18,41

بومرداس

23,96

قسنطينة

25,26

البليدة

26,81

جيجل

27,30

البويرة

28,28

وهران

31,40

باتنة

32,52

سطيف

34،24

غليزان

34,92

الشلف

35,03

 

ولايات تتميز بكثافتها الديموغرافية، كما هو حال ولايات سطيف والبليدة وجيجل،ناهيك عن منطقة القبائل المشهورة بالمقاطعة  تقليديا ،كما هو  حال سكان المدن الكبرى كوهران وقسنطينة والجزائر العاصمة.بالطبع ،لا يمكن للملاحظ إلا أن يربط بين ضعف المشاركة في بعض الولايات كبومرداس والبليدة وجيجل والشلف وحتى غليزان وبين ظاهرة تواجد المجموعات المسلحة بهذه المناطق التي عرفت ولازالت جزئيا، عمليات إرهابية واسعة ، خلال أكثر من عقد من الزمن، فهل يمكن الربط بين هذا السلوك الانتخابي المقاطع وحالة الانتكاسة التي تعيشها الحركات الاجتماعية في الجزائر، بمختلف أشكال تعبيرها ( الشعبي الديني الذي ركبته الحركات الإسلامية  داخل المدن وبعض الجهات أو الحركة الثقافية ، الأمازيغية بمنطقة القبائل  ) والتي أدت إلى مشاركة شعبية أوسع في العمل السياسي، عبر عن نفسه من خلال الكثير من المؤشرات كان من بينها  نسب مشاركة عالية في الانتخابات، بداية التسعينيات،عندما كانت هذه الحركات في حالة صعود وتجنيد شعبي واسع ، ليحصل هذا الانكماش والحركات الاجتماعية هذه تعيش حالة  انسداد في الأفق نتيجة العنف الذي لجأت له بعض قياداتها والمواجهات الواسعة التي أنهكتها في مواجهة الدولة ومؤسساتها وحتى المجتمع وبعض قواه الاجتماعية  ؟

تفسير، يملك الكثير من المعقولية، إذا حاولنا ربطه كذلك بالدعوة إلى المقاطعة التي وجهتها بعض القوى السياسية التي عبرت في السابق عن هذه الحركات الاجتماعية،كجبهة القوى الاشتراكية بمنطقة القبائل وبقايا الجماعات والقوى الإسلامية  وقياداتها بالمناطق الأخرى كالشلف وغليزان بالغرب ،البويرة ،بومرداس ،البليدة بالوسط،وجيجل بالشمال القسنطيني.القيادات  التي فشلت في دخول الانتخابات تحت غطاء بعض الأحزاب أو القوائم الحرة,دون أن يعني هذا بالضرورة ،أن الامتناع عن المشاركة في الانتخابات الذي عبر عنه جزائريين  اثنين من ثلاثة خلال هذه الاقتراع، يمكن اختزاله  فقط في هذه المواقف السياسية والحزبية  الداعية للمقاطعة التي لم يحصل إجماع بين  الفاعلين السياسيين على تكييفها على هذا الأساس، ليتم الحديث  بدل ذلك عن "امتناع "من قبل المواطنين وحتى "عزوف" عن المشاركة  كمحاولة للتقليل من تأثير القوى الحزبية التي دعت إلى المقاطعة .

حزمة كبيرة من الأسباب يمكن أن تفسر هذا السلوك الذي لم يكن مفاجئة كبرى للعديد من المتتبعين، منها ما هو متعلق بالاتجاهات العامة المرتبطة بخصوصيات النظام السياسي الجزائري وصيرورته التاريخية الفعلية ، بما أفرزته مع الوقت من سلوكيات للنخب السياسية والمؤسسات من ذلك،الصورة الباهتة التي ظهر بها البرلمان خلال العهدة الماضية على وجه الخصوص، العلاقة الذيلية بين السلطة التشريعية والبرلمانية ،ضعف الحزب السياسي ومكانته المبهمة  كقوة تجنيد وأخيرا التعود على عدم مصداقية الانتخابات ودورها كوسيلة حل للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المواطن عن طريق تداول فعلي على السلطة بين القوى السياسية الفاعلة  ،منذ الإعلان على التعددية على الأقل.زيادة على هذه الاتجاهات الكلية  التي كان لها تأثير أكيد على مشاركة المواطن في الانتخابات ،لابد من العودة إلى تأثير الحدث كما رأيناه مع مرض رئيس الجمهورية المسكوت عنه[33]، وما يكون قد ترتب  عليه من تأثير سلبي على المواطنين ونظرتهم إلى واقع المؤسسات والرجال ،بعد الكشف عن فضيحة الخليفة والملابسات التي رافقت يوميات المحاكمة  .

 

نتائج الانتخابات ، الأحزاب" الكبيرة "و"الصغيرة"

قد تكون نتائج الانتخابات المحسومة مسبقا، احد أسباب التي لم تشجع المواطن على المشاركة في هذه الانتخابات التي بدت للمواطن من دون رهان سياسي فعلي، جراء السيطرة التي فرضتها أحزاب التحالف الرئاسي على الساحة السياسية والإعلامية وعدم قدرة الانتخابات على إدخال تعديل جدي على الخارطة السياسية ، نظرا لهذا "لتزوير القبلي ".

نتائج الأحزاب السياسية والمرشحين المستقلين في تشريعيات [34]2007

 

الحزب

عدد الأصوات

النسبة

عدد المقاعد

1حزب جبهة التحرير

1.315.686

22.98

136

2التجمع الوطني الديمقراطي

591.310

10.33

61

3حركة مجتمع السلم

552.104

9.64

52

4المرشحون المستقلون

562.986

9.83

33

5حزب العمال

291.312

5.09

26

6التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية

192.490

3.36

19

7الجبهة الوطنية الجزائرية

239.563

4.18

13

8الحركة الوطنية من اجل الطبيعة والنمو

114.767

2.0

7

9حركة النهضة

194.067

3.39

5

10التحالف الوطني الجمهوري

126.444

2.21

4

11حركة الوفاق الوطني

122.501

2.14

4

12حزب التجديد الجزائري

103.328

1.80

4

13حركة الإصلاح الوطني

144880

2.53

3

14حركة الانفتاح

143.936

2.51

3

15الجبهة الوطنية للأحرار من اجل الوئام

112.321

1.96

3

16عهد 54

129.300

2.26

2

17الحزب الوطني للتضامن والتنمية

119.353

2.08

2

18الحركة الوطنية للأمل

99.179

1.73

2

19التجمع الوطني الجمهوري

84.348

1.47

2

20التجمع الجزائري

100.079

1.75

1

21الجبهة الوطنية الديمقراطية

78.865

1.38

1

22الحركة الديمقراطية الاجتماعية

51.219

0.89

1

23الحزب الجمهوري التقدمي

81.046

1.42

0

24حزب العمال الاشتراكي

42.735

0.75

0

المجموع

5,726.087

 

389

 

الكثير من الملاحظات يمكن أن نقوم بها لهذا الجدول الذي يعطينا صورة عن نتائج تشريعيات 2007 لعلى أهمها: 

·                        استمرار سيطرة أحزاب التحالف الرئاسي على البرلمان بمجموع 249 مقعد، رغم فقدان حزب جبهة التحرير للأغلبية التي كانت بحوزته خلال العهدة السابقة، والتحسن الطفيف في نتائج حليفيه حركة مجتمع السلم والتجمع الوطني الديمقراطي على مستوى المقاعد المتحصل عليها ..

·                        بروز ظاهرة المستقلين بـ 33 مقعد رغم كل ما تعرضت له القوائم المستقلة من تحرشات إدارية وحزبية.

·                        تمكن واحد وعشرين حزب سياسي _ زيادة على الأحرار _من دخول البرلمان ،مما منح صورة فسيفسائية للهيئة التشريعية,رغم أن القانون الداخلي للمجس الشعبي الوطني لا يمنح حق تكوين كتلة برلمانية إلا للحزب الذي تحصل على 15 مقعد نيابي ولا يحق لحزب تقديم مشروع قانون إلا في حالة حصوله على 20 مقعد نيابي، مما يعني أن هذا الحق محصور بين أربع أحزاب فقط، أحزاب التحالف الرئاسي وحزب العمال ،الحضور الحزبي الذي كان أقل بكثير في انتخابات 2002 التي لم تتمكن من دخول البرلمان فيها إلا تسع أحزاب فقط بالإضافة إلى المرشحين الأحرار .

·                        أدى القانون الانتخابي الذي جرت في ظله  هذه الانتخابات( نظام النسبية بالأغلبية على أساس القائمة ) إلى تبعثر كبير في أصوات المواطنين، مما زاد في نسبة الأصوات الملغاة(965064صوت) زيادة على عدم التناسب دائما بين الأصوات وعدد المقاعد المحصل عليها، كما هو مبين في الجدول،مما ساهم في إذكاء الحملة التي قادتها أحزاب التحالف الرئاسي ووزارة الداخلية ،لتغيير القانون الانتخابي بغية تشدد أكبر إزاء الأحزاب الصغيرة،المتهمة بإفساد العملية الانتخابية عن طريق استعمال الأموال ( تقاضي رشاوى مقابل بيعها لمواقع داخل قوائمها الانتخابية والمتاجرة بالحضور داخل اللجان الولائية والبلدية للجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات ...الخ[35])وبعثرة أصوات الناخبين.فعلا يكفي التمعن في نتائج الأحزاب الخمس الأخيرة ،للتأكد من أنها حصدت  على سبيل المثال على  353944صوت، لكنها لم تحصل إلا بها إلا على ثلاث مقاعد بالبرلمان،في حين حصل حزب العمال أو التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية بأقل منها  بكثير على 26 و19 مقعد نيابي على التوالي ( انظر الجدول ).

 

  

 

مقارنة نتائج الأحزاب بين اقتراعين  2002/2007[36]: هل خسر الكل ؟

 

انتخابات 2002

 الأصوات

%

المقاعد

انتخابات2007

 الأصوات

%

المقاعد

جبهة التحرير

2.632705

35.52

199

 

1.315.686

22.98

136

التجمع الوطني الديمقراطي

630.241

8.50

48

 

591.310

10.33

61

حركة مجتمع السلم

573.801

7.74

38

 

552.104

9.64

52

حزب العمال

355.405

4.80

21

 

291.312

5.09

26

حركة الإصلاح الوطني

746.884

10.08

43

 

144.880

2.53

3

الجبهة الوطنية الجزائرية

234.530

3.16

8

 

239.563

4.18

13

حزب التجديد الجزائري

162.308

2.19

1

 

103.328

1.80

4

حركة النهضة

265.495

3.58

1

 

194.067

3.39

5

القوائم الحرة

789.492

10.65

29

 

562.986

9.83

33

 

مقارنة بسيطة بين نتائج انتخابات 2002 و 2007 تبين من حيث النتائج المتحصل عليها ،أن كل الأحزاب تقريبا قد  خسرت على مستوى وعائها الانتخابي، رغم الزيادة في عدد المسجلين في القوائم الانتخابية بالمقارنة مع استحقاق 2002 [37]حتى وان حسن بعضها من حضوره داخل المؤسسة البرلمانية،كما هو حال التجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم وحزب العمال ...الخ ،لتكون خسارة الأحزاب الأخرى كحزب جبهة التحرير وحركة الإصلاح أعمق بل وكارثية بالنسبة للإصلاح ،بحيث لم يتقهقر حزب جبهة التحرير على مستوى الوعاء الانتخابي فقط ،بفقدانه لأكثر من مليون صوت بين الاقتراعين، بل فقد الأغلبية التي كان يملكها داخل الغرفة السفلى، نفس الشيء بالنسبة لحركة الإصلاح الوطني التي دخلت الانتخابات مقسمة  بين جناحي زعيمها  التاريخي عبد الله جبالله المقاطع وجناح منافسيه الذين دخلوا الانتخابات، لتفقد الحركة الموقع الثالث الذي كانت تحتله في العهدة السابقة و لا تحصل إلا على ثلاث مواقع نيابية .

  نتائج حزبية تؤكد ارتفاع نسبة المقاطعة الشعبية لانتخابات 2007 من جهة، كما تؤكد من جهة أخرى أزمة الحزب السياسي الجزائري الذي فشل في استقطاب المواطن للمشاركة في هذه الانتخابات أو دخلها مقسما بين عدة تيارات كما هو حال حركة الإصلاح الوطني وحتى جبهة التحرير الذي عرفت عدة تشنجات واحتجاجات  خلال مرحلة إعداد القوائم الانتخابية، لجأت إليها العديد من الوجوه  المقصية  المحسوبة على تيار الأمين العام السابق علي بن فليس.أخيرا تؤكد نتائج هذين الاقتراعين، أننا أمام خارطة حزبية غير مستقرة وقابلة للكثير من التحويرات ، جراء ما يميز الحزب السياسي الجزائري من تسيير غير ديمقراطي ونتيجة للمكانة المبهمة والهشة  التي يحتلها الحزب السياسي في علاقاته بالإدارة ومراكز القرار الأخرى ، داخل النظام السياسي،عشرين سنة تقريبا منذ الإعلان عن التعددية السياسية .

الخلاصـة

رغم أن الانتخابات التشريعية المدروسة ،قد حصلت ضمن إطار قانوني جُرب لأول مرة ،بعد التعديلات التي أدخلت على القانون العضوي للانتخابات في بداية 2004، باقتراح من الكتلة النيابية لحركة الإصلاح التي كانت الخاسر الأكبر في هذا الاستحقاق، هذا الإطار القانوني  الذي لم يصمد كثيرا بعد هذه التجربة الأولى، فقد بادرت وزارة الداخلية مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات ومعاينة نسبة المشاركة الضعيفة فيها، باقتراح تعديل المادة 82 من القانون التي تنص في شكلها الجديد على شروط من نوعين ،ستفرض على قوائم الأحزاب، ابتداء من الانتخابات المحلية القادمة، من بين هذه الشروط ،إن الحزب التي لم يتحصل على أكثر من 4% من الأصوات المعبر عنها، في خمس وعشرين ولاية من مجموع ولايات الوطن( 48) على الأقل، في الانتخابات الثلاث الأخيرة ،دون أن يقل عدد الأصوات المحصل عليها في كل ولاية عن 2000 صوت،أو الحصول على 600 منتحب في احد الاستحقاقات الثلاث السابقة دائما ،دون أن يقل عددهم عن 20 منتحب محليا  ،

القانون الجديد يفرض على الأحزاب التي لا توفر هذه الشروط ،الحصول على 3 %من إمضاءات المسجلين في الدائرة الانتحابية، بشرط ألا يقل العدد عن 150 مسجل بالنسبة الانتخابات البلدية و1000 ناخب بالنسبة للانتخابات الولائية ،هذه الانتخابات الأخيرة التي يفرض على المرشح لها، أن يكون ذلك في أكثر من خمسين بالمائة من  البلديات المكونة للولاية .الشروط كانت أقسى بالنسبة للقوائم الحرة المطلوب منها الحصول على 400 إمضاء للمسجلين في الدائرة الانتخابية عن كل موقع تترشح له ، وهو عدد كبير، إذا عرفنا العدد الهائل للمواقع الانتخابية للحصول  على مجلس شعبي بلدي أو وولائي على مستوى 1541 بلدية و48 ولاية وطنيا .شروط جعلت الأحزاب المسماة صغيرة والمتضررة من هذا الإجراء تلجأ إلى تشكيل " تنسيقية  للدفاع عن الديمقراطية" لم يكن له صدى كبير، بحيث تمت المصادقة  بالأغلبية على القانون الذي برره الوزير بالتشتيت الكبير للأصوات الانتخابية وظاهرة الفساد التي ارتبطت ببيع الترشيحات ،مما زاد في نسبة المشككين شعبيا في العملية الانتخابية نفسها ،وما تجنده من نخب وخطابات.هذا الغطاء القانوني الذي لن يسمح  في نهاية المشوار إلا لتسع أحزاب من المشاركة العادية في الانتخابات، من حوالي ثلاثين حزبا شرعيا ، في حين سيفرض على الأحزاب الأخرى التوجه نحو الإجراءات الجديدة بحكم عدم توفرها على الشروط المفروضة .

المهم الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة، ليس هذا الغطاء القانوني الجديد  الذي رأى فيه البعض تعديا على الدستور ،بل التصدع الذي ظهر على ما يسمى بأحزاب التحالف الرئاسي، عند إجراء عملية التصويت داخل الغرفة السفلى، فقد صوت نواب التجمع الوطني الديمقراطي ضد التعديلات التي أدخلت على نص وزارة الداخلية، مطالبين بإبقاء نسبة 5 % التي جاءت في النص الأصلي، مما خلق حرجا كبيرا لرئاسة المجلس وممثل الحكومة ، ليبقى الأهم الذي بينته هذه الانتخابات، أنها لم تتمكن  من  تحقيق إحدى أهدافها ،إضفاء شرعية سياسية أكبر، على المؤسسات السياسية والمؤسسة التشريعية على وجه الخصوص ، فقد زادت  نسبة المشاركة الضعيفة من المشككين في شرعية المؤسسة التشريعية التي أفرزتها هذه الانتخابات،التي فشلت في إقناع المواطن الجزائري بهذا الشكل المقترح عليه من "المشاركة السياسية".كما طرحت هذه الانتخابات مسألة مستويات التجنيد الضعيف التي قامت به الأحزاب السياسية في الجزائر ومستوى أدائها بمناسبة هذه الانتخابات، رغم ما جندته العملية الانتخابات من فئات اجتماعية جديدة الاهتمام، بالعملية الانتخابية .        


 

[1]  القانون العضوي رقم 04_01 المؤرخ في 16 ذي الحجة عام 1424 الموافق ل 7 فبراير 2004 المعدل والمتمم للأمر رقم 97_07 المؤرخ في 6مارس 1997 المعدل والمتمم ،المتضمن القانون العضوي المتعلق بالانتخابات

[2]  انتخابات جوان 1997  التشريعية التي فاز بها التجمع الوطني الديمقراطي، حزب السلطة الجديد  الذي أعلن عن تكوينه  في 21 فيفري 1997، كان التشكيك في نتائجها  أقوى بكثير  مثلها مثل الانتخابات المحلية التي تلتها في أكتوبر من نفس السنة وفاز بها نفس الحزب

[3]  انظر عدد الاستفتاءات منذ الاستقلال ونسب المشاركة المعلنة الكبيرة رسميا فيها ضمن المؤلف التالي:

Hosni labidi (direction) Algérie : comment sortir de la crise ?l' harmattan, paris 2003, p 103

[4]  انتخب الرئيس احمد بن بللة بطريقة غير مباشرة في 1962 لينتخب الرئيس بومدين في سنة 1976 بطريقة مباشرة ويليه بعد ذلك الشاذلي بن جديد في 1979 1984و1989

[5]  على سبيل المثال فقط ذكرت يومية السلام اليومية   أن الرئيس الشاذلي بن جديد لم يحصل إلا على نسبة تقل عن عشرين بالمائة من الأصوات خلال ترشحه للعهدة  الثالثة 1988، رغم الأرقام النسب الكبيرة المعلنة كما جرت العادة . انظر لمزيد من التفاصيل المرجع التالي :

عبد الناصر جابي الانتخابات الدولة والمجتمع دار القصبة الجزائر 1999

[6]   يمكن الرجوع إلى مؤلفنا: الانتخابات الدولة والمجتمع ، دار القصبة، الجزائر1999 لمعرفة المزيد من التفاصيل حول مفهومي الانقسامية والقطاعية

[7]  وصلت عملية تأطير المجتمع من قبل حزب جبهة التحرير إلى قمتها في بداية الثمانينات عن طريق ما كان يسمى بالمنظمات الجماهيرية التابعة لجبهة التحرير ،كاتحاد الفلاحين والعمال والنساء والشباب وحتى الفنانين والكتاب والصحفيين ....الخ

[8] للرفع من القيمة التنافسية للانتخابات التشريعية وحث المواطن على مشاركة أكبر فيها اقترح حزب جبهة التحرير ثلاثة من مناضليه بدل اثنين للتنافس على المقعد النيابي في انتخابات ربيع 1987

[9]  للمزيد من التفاصيل حول الحركات الاجتماعية في الجزائر يمكن الرجوع إلى مؤلفنا الذي خصصناه لها

عبد الناصر جابي : الجزائر من الحركة العمالية إلى الحركات الاجتماعية المعهد الوطني للعمل الجزائر 2001

[10]  اتهمت قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، الحكومة بأنها اقترحت قوانين على مقاس حزب جبهة التحرير عن طريق تقسيم للدوائر الانتخابية يمنح عدد نواب اكبر للمناطق الريفية بما فيها الجنوب والهضاب العليا أين يفترض أن حضور جبهة التحرير أقوى من تواجد جبهة الإنقاذ .

[11]  انظر وثيقة العصيان المدني المحررة من قبل احد رؤوس التيار الجذري داخل الجبهة الإسلامية  سعيد مخلوفي  الذي التحق بالجماعات المسلحة في جنوب البلاد بعد ذلك والتي تم توزيعها على جماهير الجبهة الإسلامية أثناء فترة الإضراب في ملحق المرجع التالي:

احميدة عياشي :الإسلاميون الجزائريون بين السلطة والرصاص دار الحكمة الجزائر 1991

[12]  ظاهرة الجماعات الإسلامية المسلحة أخذت تسميات مختلفة كحركة الدولة الإسلامية والجماعات الإسلامية المسلحة والجماعة السلفية للدعوة والقتال التي تحولت بدورها إلى قاعدة المغرب الإسلامي في المدة الأخيرة .وعرفت اقتتالا داخليا ذهب ضحيته الكثير من قياداتها وعدد أكثر من المواطنين ورجال الأمن.  

[13]  انظرما يميز الحركات الاجتماعية من شمولية في التعبير ضمن هذا المرجع

Eric Neveux ,sociologie des mouvements sociaux, la decouverte , paris 2004

[14]  ظهر في الجزائر وفي وقت قصير أكثر من ستين حزب سياسي وحوالي ثمانين ألف جمعية منها حوالي ألف ذات طابع وطني .

[15]  تداعيات هذا التنافس الذي حصل بمناسبة انتخابات 2004 الرئاسية  بين الأمين العام لحزب جبهة التحرير علي بن فليس والرئيس بوتفليقة لازالت قائمة حتى الآن داخل وخارج هياكل الحزب الذي  فقد الأغلبية التي كان يتمتع بها بعد عمليات الإقصاء التي تعرض لها مؤيدي الأمين العام السابق وعدم السماح لهم بالترشح .

[16]  الصحافة الجزائرية تتحاشى بصفة عامة الحديث عن الموضوع باستثناءات قليلة جدا، مما ترك الأمر للصحافة الأجنبية التي تبادر بطرح أسئلة حول صحة الرئيس بمناسبة زيارة وفود أجنبية للجزائر  

[17]  تم رفض 42 قائمة حرة و82 قائمة حزبية من قبل الإدارة لأسباب متعددة من مجموع 145 قائمة حرة و 1132 حزبية ، كانت السوابق القضائية للمرشحين على رأس هذه الأسباب

[18]  هذا ما حاول وزير الداخلية  أن يقنع به اللجنة القانونية للمجلس الشعبي الوطني عندما قدم أمامها مشروع قانون تعديل الانتخابات يوم 7 جويلية 2007

[19]  للقيام بالعملية الانتخابية تم فتح 10397 مركز انتخابي و 42877 مكتب من بينها 42574 مكتب قار (99,29) و 303 مكتب متنقل ( 0,71) أغلبيتها الساحقة في المناطق الجنوبية كالاغواط(56) ادرار) 52)ةالبثض(32 )

[20]  نفس الملاحظات حصلت بمناسبة الانتخابات السابقة التي جربت فيها الحروف أو الأرقام ، فلم يفرق بعض المواطنين بين حرفي ض و ص وح و  ج مما جعل بعض الأحزاب الصغيرة  تستفيد من تشابه حروفها او ارقامها مع أحزاب اكبر .

[21] ترشح لويزة حنون للانتخابات التشريعية على رأس قائمة ولاية الجزائر ،ووضع صورتها على بطاقة الانتخاب فسر به البعض نجاح الحزب  بحصول على 10 مقاعد  كاملة في العاصمة واحتلال المرتبة الثانية بعد جبهة التحرير وقبل العديد من الأحزاب الأخرى.

[22]   حاول مركز الإعلام والتوثيق حول حقوق الطفل والمرأة، القيام بتنسيق نشاطات عامة بمناسبة انتخابات 2007 التشريعية للحث عل مشاركة أوسع للمرأة الجزائرية  في العملية الانتخابية  بحضور فعاليات حزبية وإعلامية ،كما بعث  المركز بمذكرة حول المشاركة السياسية للمرأة الجزائرية  بعث بها إلى المسئولين السياسيين بما فيهم رئيس الجمهورية  للمطالبة بتعديل للدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب  لتخصيص حصة  30 بالمائة  على الأقل من المواقع الانتخابية للمرأة.المذكرة أعدت اعتمادا على دراسة مغاربية مقارنة حول المشاركة السياسية  للمرأة في دول المغرب العربي، للمزيد من التفاصيل حول المذكرة والدراسة يمكن الرجوع إلى الموقع الالكتروني للجمعية

www .ciddef-dz.com

 

[23] آخر انتخابات محلية  لعام 2002 لم تسجل المرأة حضورها داخل قوائم الترشيحات إلا بنسبة 8,23 بالمائة من مجموع الترشيحات

[24]  الفوز الذي حققته المرأة داخل قوائم حزب العمال عي التي جعلت ربما احد قيادي حركة مجتمع السلم يقول .. أن كل القوائم التي ترأستها امرأة نجحت ليفسر ذلك بأن ...وجود صورة المرأة هو الذي يكون قد ساعد على تحقيق هذه النتيجة  لان صورة المرأة مميزة كثيرا وسط صورة الرجال

انظر الورقة التي قدمها عبد المجيد مناصرة للدورة 25 للمجلس السياسي يوم 24 ماي 2007 والمنشورة ضمن موقع الحركة الالكتروني

www .hamsalgeria.net

[25]  انظر في هذا الصدد الدراسة المقارنة التي أنجزها مركز الإعلام والتوثيق لحقوق الطفل والمرأة  خول مشاركة النساء في المؤسسات السياسية بدول المغرب العربي

www.ciddef-dz.com

[26]  انظر الموقع الالكتروني لحزب التجمع الوطني الديمقراطي

www . rnd .dz.com

[27]  تصريحات أثارت ضده رئيس الجمهورية الذي انتقده علانية وعلى المباشر طالبا  كل من كان له ملفات حول الفساد تقديمها للعدالة بدل التلويح بها إعلاميا

[28]  قانون النائب يمنح نسبة مئة بالمائة من دخل التقاعد للنائب الذي أمضى عهدتين برلمانيتين وهي الحجة التي اعتمدت لإذكاء روح التنافس داخل النخب السياسية لتوسيع الاستفادة من الريع بينها وعدم احتكاره من بعض القيادات

[29]  انظر دراستنا المنشورة حول الانتخابات البلدية 1990 المنشورة ضمن المؤلف الجماعي :

Lakjaa abdelkader ( direction ) quel sociologie pour quelle société , casbah éditions  , Alger , 2005

[30]  تتبعنا للحملة الانتخابية بمناسبة الانتخابات الأخيرة 2007 يسمح لنا بالقول أن الكثير من ادعاءات المرشحين المتعلقة بمستواهم التعليمي المفترض  غير دقيقة وتنزع نحو المبالغة  .

[31]  انظر الموقع الالكتروني للحزب الذي يحتوي على وثائق تتكلم عن تجاوزات تمت أثناء الانتخابات كما حصل في بلدية الابيار بالعاصمة

www .rcd–algerie .org

[32]  كان هذا رأي السيد ابو جرة سلطاني رئيس حركة ومجتمع السلم عضو التحالف الرئاسي

[33]  رئس الجمهورية  خلال ظهوره المحدود قبل يوم الاقتراع  لم يتكلم عن الانتخابات ولا مرة واحدة ولم يجند المواطنين للمشاركة فيها .

[34]  اشتغلنا حول الأرقام المعلنة من قبل وزارة الداخلية لتوفرها على تفاصيل المعلومات ولم نراعي التعديلات الطفيفة جدا التي ادخلها المجلس الدستوري .

[35]  لعلى اكبر دور سلبي لهذه الأحزاب الصغيرة التي توصف إعلاميا بالمجهرية تقديمها لمرشحين من دون الحد الأدنى من الحضور والتكوين السياسي زيادة على خطاب فضفاض  وديماغوجي نفر من دون شك المواطن من العملية الانتخابية وزاد من تعميق أزمة السياسة والسياسي لدى المواطن الجزائري .

[36]  لم نقارن من خلال هذا الجدول إلا بين الأحزاب التي شاركت في الاقتراعين وتمكنت من الحصول على نتائج على مستوى مقاعد الهيئة التنفيذية.

[37]  عدد المسجلين في القوائم انتخابات 2002كان 17.951127 لكي لا يشارك فيها إلا 8.288536 ( 46.17 ) ويلغى  ، 867669 في حين  ارتفع عدد المسجلين إلى 18.760400 لم يشارك منهم في الانتخابات 2007 إلا 6.687838 ( 35.65) والغي منها 961751 صوت .