كان
رد فعل الإدارة الأميركية شديداً ضد تصريحات
الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر (2 فبراير
2007) التي قال فيها: هناك من يتطلع الى بقاء
القوات الأميركية في العراق لعشر سنوات أو
عشرين أو ثلاثين سنة مستقبلاً... ان السبب
الذي ذهبنا من أجله الى العراق هو إقامة قاعدة
عسكرية دائمة في الشرق الأوسط.
لكن واشنطن عادت لتعبّر عن توجهها القريب مما
أعلنه كارتر، يوم خرج المتحدث باسم البيت
الأبيض ليفصح في تصريحات مقتضبة ولكن مباشرة،
بأن الولايات المتحدة تخطط لوجود عسكري طويل
الأمد في العراق، لأن الحرب الدائرة في العراق
والحرب الأوسع نطاقاً ضد الإرهاب ستستغرقان
وقتاً طويلاً.
كانت الولايات المتحدة أقل مراوغة عندما قررت
غزو العراق، بالقول أن مهمتها، والمقصود هنا
مكافحة الإرهاب الدولي، قد تستمر لعشر سنوات
وتطال نحو 40 بلداً و60 حركة وتياراً سياسياً،
وإنْ كانت هذه الأهداف متحرّكة، فالمعلن هو
إزالة أسلحة الدمار الشامل وتخليص العراقيين
من نظام دكتاتوري وحمل الديمقراطية وإن كان
جواً الى العراق.
كانت صيغة بول بريمر ـ نيغروبنتي ـ زلماي خليل
زاد، أقرب الى صيغة برسي كوكس ـ مس بيل، وكانت
وعود الجنرال جي غارنر أقرب الى وعود الجنرال
ستانلي مود، ففي حين خاطب الأخير أهالي بغداد
عندما دخلها بالقول جئنا محررين لا فاتحين.
كانت تصريحات غارنر تعدُ العراقيين ما بعد
التحرير بربيع الحرية الذي سيعّم العراق،
ونعيم الديمقراطية الذي سوف لا يقف عند حدوده،
بل يشمل الشرق الاوسط الكبير، الذي أصبح
الجديد، فيما بعد باقتباس من بول بريمر الحاكم
المدني الأميركي وكوندوليزا رايس بعد العدوان
على لبنان(2006).
الوعود في المرّة الأولى تبخرّت، خصوصاً
عندماً اندلعت ثورة العشرين وكانت ثورة عارمة
من جنوب العراق وشماله بما فيها كردستان،
واضطر البريطانيون لتغيير حكمهم المباشر
للعراق الى الانتداب، ومن ثم احرز العراق
استقلاله ودخل عصبة الأمم عام 1932، رغم وجود
القواعد العسكرية البريطانية والاتفاقيات
المجحفة.
وفي المرة الثانية سرعان ما تحوّلت الوعود الى
كوابيس مفزعة، وحلم الديمقراطية تحوّل الى رعب
مخيف، والديمقراطية المحمولة جواً فعلت فعلها
في تهجير العراقيين، الذين قال آخر تقرير
للامم المتحدة عنهم ان عددهم بلغ اربعة ملايين
و400 ألف شخص، هكذا طرحت الديمقراطية الجويّة
العراقيين أرضاً، بل دفعتهم الى خارج البلاد،
في حمّى التطهير المذهبي والإثني!
الفارق الوحيد بين الاحتلالين البريطاني
والأميركي، هو أنه في الأول لم يكن هناك من
جاء مع الاحتلال البريطاني، وإنْ حاول
البريطانيون خلق طبقة جديدة من السياسيين
المتعاونين معهم وإعطائهم الامتيازات
والأراضي.اما في الاحتلال الثاني فهناك قوى
سياسية عريقة جاءت مع الأميركان أو وافقت على
التعاطي مع مشروعهم، خصوصاً محاصصة بول بريمر
الطائفية ـ الإثنية.
لعل روبرتغيتس وزير الدفاع الأميركي كان أكثر
إفصاحاً عندما دعا الى وجود طويل في العراق
على غرار كوريا الجنوبية، ملمحاً الى خطأ
الولايات المتحدة مغادرة فيتنام عام 1975، وهو
ما كان الرئيس بوش قد صرّح به خلال زيارته
فيتنام العام 2006 في مقارنة مع الوضع
العراقي،
وهو ما جاء في صحيفة الواشنطن بوست التي قالت:
إن الوجود العسكري الأميركي قد لا يأخذ طابع
الاحتلال الحالي، وإنما سيكون على شكل يخوّله
القيام بعمليات مستقلة (أي تحديد أهداف كل
عملية عسكرية من قواعد خاصة)، ومن المعلوم ان
واشنطن أبقت على قاعدة عسكرية في كوريا
الجنوبية بعد انتهاء الأزمة الكورية
1950-1953،
وتضم هذه القاعدة 30 ألف جندي أميركي، كما أن
لها قاعدة في اليابان منذ احتلالها بعد الحرب
العالمية الثانية، تضم نحو 48 ألف جندي. وقد
اختارت الولايات المتحدة قواعدها ومنعت
السلطات الكورية أو اليابانية عن الاقتراب
منها أو معرفة ما يدور فيها، كما أعفت جنودها
من أية تبعات قانونية للبلدين، حتى لو قاموا
بارتكاب جرائم، كما ألزمت الحكومتين بدفع 50
ألف دولار عن كل جندي أميركي.
هل هذا هو السيناريو الأقرب الى الوضع العراقي
حالياً، خصوصاً بعد ما واجهت القوات الأميركية
من مقاومة عنيدة أوقعت فيها خسائر زادت على
3342 جنديا قتيلا، ونحو 22 ألف جريح؟ أم أن
العراق بوجود النفط يضفي على الاستراتيجية
الأميركية بشأن القواعد العسكرية اهتماماً
أكبر!؟
ولعل هذا هو الهدف الأساسي وراء احتلال العراق
الذي سعت اليه واشنطن، وإن كان بأجندة غير
معلنة، الاّ أنها هي الأساسية، فالنفط هو محور
الصراع السياسي والإجتماعي، ليس في العراق
وحده، بل في المنطقة بأسرها، خصوصاً وأن
العراق يملك ثاني أكبر احتياطي في العالم،
وهذا ما يفسّر الإلحاح الأميركي حول إصدار
قانون جديد للنفط باعتباره أحد أهم الأولويات
التي حددها الرئيس بوش لحكومة نوري المالكي.
هل تسعى واشنطن إذن الى تحويل الاحتلال المؤقت
للعراق الى احتلال دائم، فالمرحلة الجديدة
بحاجة الى تكييف، خصوصاً إذا قامت واشنطن بنقل
قواتها الأساسية الى القواعد العسكرية التي
تسعى الى بنائها في العراق( خارج المدن)، بل
إنها شرعت فيها بالفعل!
ن احتلال العراق يعني جعل بحر قزوين في متناول
الولايات المتحدة وبضمنه نفط ايران، بحيث يمكن
أن تبسط نفوذها من دار فور الى غرب أفريقيا،
ومن تيمور الشرقية الى الخليج العربي، وتتمكن
من الهيمنة على احتياجات الصين النفطية، ومن
ضمن تلك الخطة تدخل حماية أمن إسرائيل، الذي
هو هدف أساسي في الاستراتيجية الأميركية منذ
60 عاماً تقريباً.
ولتحقيق خطة الاحتلال الدائم شرعت الولايات
المتحدة ببناء 4 قواعد عسكرية: الاولى قاعدة
بلد (بمساحة 14 ميلا) والثانية قاعدة الأسد
(بمساحة 19 ميلا) والثالثة في كردستان وتطل
منها على سوريا وايران وتركيا، والقاعدة
الرابعة في المنطقة الخضراء، ونعني بها
السفارة الأميركية، التي تعتبر أكبر سفارة في
العالم، ومساحتها 100 فدان، وتستخدم عمالاً
آسيويين بأسعار بخسة دون رعاية أو ضمانات صحية
واجتماعية.
هذه المعطيات لا تشير الى نيّة واشنطن في
الانسحاب رغم المأزق الكبير والخسائر الفادحة
وضغوط الديمقراطيين ومقترحات خطة بيكر ـ
هملتون، ولعل هذا ما قصده الرئيس بوش حين قال
سننجح إذا لم نغادر، في مقارنة مع الهروب الى
الأمام من الورطة الفيتنامية.
ومع ذلك هناك الرقم الصعب في المعادلة، وهو
المقاومة، التي قد تغيّر أو تعدّل هذه
الحقائق، ولكن ما بين الاحتلال المؤقت
والاحتلال الدائم: هل يستمر النزيف العراقي
الى ما لا نهاية!؟.
مفكر عربي