السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط
عمياء. لذلك فهي لا تخيف من تهدف إلى ردعهم
على رغم كل ما تمتلكه من قوة لأنهم يراهنون
على أن في إمكان ضعيف مستعد للمغامرة أن يقف
في مواجهة جبار لا يبصر. ولكن هذا الرهان ليس
محض مغامرة. فالعمى الإستراتيجي لا يقتصر أثره
في إضعاف القوة الأميركية الهائلة، وإنما يقوي
أعداءها بما يضيفه فعلياً إلى رصيدهم.
وإذ يشعر هؤلاء بذلك، يتوافر لهم الجامع الذي
يعينهم على تجاوز ما بينهم من تناقضات. وظهر
هذا، مرة أخرى، خلال اللقاءات التي عقدها
الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في دمشق قبل
أيام.
كان محور التشدد أو الممانعة (الإيراني -
السوري) حاضراً عن بكرة أبيه، وعلى أعلى مستوى
عبر الرئيسين الإيراني والسوري وقيادتي «حزب
الله» و «حماس» فضلاً عن منظمات أخرى.
وبين هذه الأطراف تناقضات ثانوية، خصوصاً بين
إيران وسورية اللتين يختلف موقعاهما ابتعاداً
أو اقتراباً من الأزمات الأكثر سخونة الآن،
ويتفاوت انغماسهما في تفاصيلها، وتتباين
بالتالي مصالحهما في شأن مسار كل من هذه
الأزمات في الفترة القصيرة المقبلة.
وبعض هذه التناقضات يمكن أن يتوسع في حال وجود
ديناميكية جديدة مبصرة في بعض التحركات
الدولية من نوع ما يبدو أن الإدارة الفرنسية
الراهنة قادرة عليه في معالجة بعض الأزمات
الأكثر تفجراً، مثل الأزمة اللبنانية. ومع ذلك
بدا، مجدداً، أن الجامع المشترك بين قوى محور
التشدد أقوى من التناقضات الثانوية بين
أطرافه، لأن العمى الإستراتيجي الأميركي يغري
بالثبات في الخنادق بانتظار «انتصارات» أخرى
من النوع الذي حققه «حزب الله» على إسرائيل في
حرب الصيف الماضي. فالإخفاق الإسرائيلي في هذه
الحرب، بعد الفشل الأميركي في العراق -
وبالتوازي مع العجز المتزايد عن مواجهة
الإرهاب - يخلق شعوراً لدى أطراف محور التشدد
بأن الأيام المقبلة ستكون لهم. ومن شأن هذا
الشعور أن يدعم لديها، أحد أهم عناصر قوتها
وهو الاستعداد لتحمل أي مقدار من الخسائر
المادية والبشرية. فالثمن الفادح الذي دفعه
لبنان وطناً وشعباً واقتصاداً في حرب الصيف
الماضي يظل رخيصاً ما دام «النصر الإلهي»
تحقق.
وقل مثل ذلك عن ثمن أكثر فداحة يمكن أن تدفعه
إيران إذا نجح فريق ديك تشيني في الإدارة
الأميركية في الدفع باتجاه شن حرب على إيران
في أوائل العام المقبل.
وإذا كانت القيادة الإيرانية تبدي كل هذه
الصلابة على رغم الأهوال التي يمكن أن تتعرض
لها بلادها، فلا بد من أن يكون هذا مشجعاً
لحلفائها على مزيد من التحدي.
ولذلك لم يتردد فريق محمود الزهّار وسعيد صيام
في حركة «حماس» في اتخاذ قرار الاستيلاء على
قطاع غزة على رغم كل آثاره الكارثية على قضية
فلسطين والشعب الفلسطيني في آن معاً.
فالاعتقاد المسيطر لدى هذا الفريق هو نفسه ما
عبر عنه الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم الذي
ألقاه، في مستهل ولايته الثانية قبل أيام، وهو
أن الأشهر القليلة المقبلة ستحدد مصير أمور
كثيرة وخطيرة في المنطقة والعالم.
والمسألة المركزية، هنا، هي الصراع الأميركي -
الإيراني الذي يعتقد أطراف هذا المحور أنه دخل
في مرحلة الحسم حرباً أو سلماً. ولذلك يبدو
حديث الأسد، والطريقة التي تتصرف بها «حماس»
الآن، امتداداً لحديث السيد حسن نصر الله زعيم
«حزب الله» في خطاب ألقاه قبل شهور قليلة في
حفلة لتخريج دفعة جديدة من كوادر الحزب، حين
قال إن المنطقة لن تبقى أبداً كما هي الآن في
حال نشوب حرب أميركية - إيرانية، وأن نتائج
هذه الحرب ليست محسومة لمصلحة واشنطن بخلاف ما
يظن الكثيرون، وأن المعادلة اللبنانية ستشهد
تغييراً جذرياً.
وهكذا يجمع بين أطراف محور التشدد إيمان بأن
المنطقة ستكون لهم حرباً أو سلماً. فإذا كانت
هناك حرب فهي لن تتجاوز بداية الربيع المقبل
لأن هذا هو آخر وقت يمكن للإدارة الأميركية
الحالية أن تتخذ فيه قراراً بهذا الحجم. فإذا
مضى الوقت ولم يستطع فريق تشيني فرض قرار
الحرب، فهذا يعني ازدياد فرص الحل السلمي
باعتبار أن الإدارة الأميركية المقبلة ستنتهج
سياسة مختلفة. وفي هذه الحال يمكن أن يكون
سيناريو الصفقة الأميركية مع طهران وارداً،
بما يعنيه من اعتراف دولي بنفوذ إيران في
الشرق الأوسط.
غير أن الحرب لا تخيف، في المقابل، أطراف هذا
المحور لاعتقادهم بأنها يمكن أن تنتهي بطريقة
مشابهة لما انتهت إليه الحرب الإسرائيلية
الأخيرة على لبنان، وصمود إيران يخرجها
«منتصرة» أياً تكن خسائرها.
ولا تستند هذه الثقة إلى قوة عسكرية أو
اقتصادية أو معرفية تتوافر مقوماتها لدى محور
التشدد، بمقدار ما تعتمد على العمى
الإستراتيجي الذي يضعف القوة الأميركية
الرهيبة، ويضيف إلى رصيد المتشددين. وها هو
الرئيس السوري يعبر عن نشوته بفشل المحاولات
الأميركية لعزل بلاده، وسعادته لتوافد
الزائرين عليها يطلبون مساعدتها في لبنان
والعراق، وآخرهم المبعوث الفرنسي جان كلود
كوسران، فيقول في خطاب القسم أيضاً إنه لم يكن
يعلم أن سورية (قوة دولية بهذا الحجم).
وقد لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى إيران،
التي تضطر واشنطن إلى إجراء جولة ثانية من
المحادثات معها، لأن الخيارات الأميركية في
العراق تضيق يوماً بعد يوم.
وهذا هو ما جناه عمى إدارة بوش على القوة
الأعظم. غير أن هذا قد لا يكون جديداً تماماً.
فقد عملت السياسة الأميركية فترة غير قصيرة
لمصلحة أعدائها منذ أن دعمت الحركات الإسلامية
الأصولية التي تحالفت معها في أفغانستان ضد
الاتحاد السوفياتي.
وكان «المسجد الأحمر»، الذي تحول أخيراً إلى
قلعة للتطرف وقاعدة للحرب على برويز مشرف أبرز
حلفاء واشنطن الآن، إحدى أهم قلاع التحالف
الأميركي - الأصولي في حرب «تحرير أفغانستان»
من السوفيات.
وقبل أن تصاب السياسة الأميركية بعمىً كامل،
عانت من قصر نظر على مدى أكثر من ثلاثة عقود
منذ أن انحازت بالمطلق إلى إسرائيل في منتصف
ستينات القرن الماضي. فالهزيمة العربية في حرب
1967 أضعفت الحركة القومية العربية واليسار،
وفتحت الباب أمام الأسلمة السياسية.
وكان في إمكان حرب 1973 أن تضع حداً لتنامي
هذه الأسلمة. ولكن انسداد الطريق أمام تسوية
سلمية شاملة معقولة، بعد تلك الحرب، أدخل
المنطقة في حال ارتباك.
وكان ذلك في الوقت الذي انتصر آيات الله في
إيران، الأمر الذي أوجد مناخاً عاماً مواتياً
لتنامي الأسلمة السياسية والاجتماعية في عموم
المنطقة.
وخطت السياسة الأميركية خطوتها الثانية
الكبيرة في دعم هذا التطور عندما اعتمدت على
الإسلاميين في مواجهة الغزو السوفياتي
لأفغانستان، وأمدت مجموعات أساسية منهم
بالأموال والأسلحة والتدريب لتحويل الحرب على
السوفيات إلى حرب مقدسة.
وقصة ما بعد أفغانستان والعائدين منها إلى
بلادهم حاملين راية «الجهاد» منتشين بالانتصار
على «الشيطان السوفياتي» معروفة للجميع
تقريباً.
ولكن الأهم هو أن حرب أفغانستان، التي رُفعت
فيها الراية الدينية، خلقت قوة دفع جديدة
هائلة لنزعة الأسلمة السياسية والاجتماعية في
الشرق الأوسط. فالمناخ العام الذي أشاعته تلك
الحرب كان له الأثر الأكبر في انتشار هذه
النزعة وتحول حركات وجماعات إسلامية معتدلة
إلى قوة متنامية صارت تمثل المعارضة الرئيسة
في معظم بلاد المنطقة.
ولكن قصر نظر السياسة الأميركية تحول إلى عمى
كامل بعد هجمات 2001 فازداد تخبطها. وأصبح في
إمكان المتشددين من كل لون أن يقطفوا ثمار
خطاياها من دون أن يحتاجوا إلى بذل كثير من
الجهد.
ويساعدهم أيضاً، في ذلك غياب مشروع آخر في
المنطقة، وللمنطقة، يعبر عن اتجاهات أكثر
واقعية وأفكار أوفر استنارة، فالدول العربية
التي كان مفترضاً أن تقدم نموذجاً لبناء القوة
الاقتصادية المعتمدة على مشاركة شعبية حرة
عجزت عن إصلاح نظمها، وأساءت إلى مفاهيم
الاعتدال والواقعية والاستنارة.
ولهذا كله، يجد محور التشدد فراغاً إقليمياً
يتمرد فيه بلا وجل لأنه لا يخشى قوة أميركية
عمياء فقدت قدرتها الردعية، وهو الآن بانتظار
أشهر الحسم.