الذين يحملون الرأي (الصائب تماماً، كما تبرهن الأيام أولاً بأول)، القائل إن السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط لا تخرج من إخفاق إلا لكي تدخل في آخر أدهي، ولا تطفئ ناراً هنا إلا لكي تصب المزيد من الزيت علي نار أخري أشد اشتعالاً هناك، قد يتوجب عليهم إنصاف البيت الأبيض في سلسلة من النجاحات الراهنة.
بين هذه، مثلاً، أن يعلن وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، أن بلاده سوف تشارك في مؤتمر السلام الأمريكي القادم، بحضور الدولة العبرية (وهذه سابقة أولي)؛ وأن يصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد يبرهن أنه شريك في السلام مع إسرائيل (وهي سابقة ثانية)؛ وأن يبدأ سيد الرباعية الجديد، رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، عمله ليس من السياسة أو الحقوق أو استئناف المفاوضات أو تطبيق القرارات الدولية، بل من سلام الإستثمار والمال وتنظيم مؤتمر حاشد لرجال الأعمال الإسرائيليين ونظرائهم الفلسطينيين (وتلك سابقة ثالثة)؛ وأن يتخذ وزراء الخارجية العرب قرارات أقرب إلي إعلان النفير العام خلف الخطط الإقليمية الأمريكية ذات الطابع العسكري والأمني الصرف ضد إيران (وهذه الأخيرة ليست سابقة في الواقع، إلا بمعني الدرجة الهابطة المنحطة من فقدان ماء الوجه وإسقاط الحياء)...
وأما في الجانب الإسرائيلي ـ الإسرائيلي الصرف، فإن الولايات المتحدة تمكنت ـ بأعجوبة تمزج بين مغانم الترغيب وخسائر الترهيب، فضلاً عن اعتماد شتي ألعاب الحواة ـ من انتشال أولمرت وهو علي حافة السقوط في الهوة الفاغرة التي حفرها تقرير فينوغرادوف حول مسؤولية الحكومة عن هزيمة الجيش الإسرائيلي في حرب السنة الماضية ضد لبنان. أكثر من هذا، نجحت الإدارة في إعادة تصنيع أولمرت، بل إعادة معالجته علي طريقة الـRecyclage، تماماً كما فعلت مع رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك حين أعادته إلي قيادة حزب العمل. وها أننا نشهد، ليس دون اقتران المشهد بالدراما المكرورة، اجتماعاً وصفته وسائل الإعلام الإسرائيلية بـ التاريخي بين أولمرت وأحد كبار شيوخ ما يُسمي بـ اليسار الصهيوني ، الكاتب والروائي عاموس عوز، حيث اقتنع الأخير بصدق نوايا الأول في الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبالطبع، ليس في وسع الناظر إلي المشهد موضوعياً، فما بالك بالمراقب الذي يمنح نفسه بعض الحق في التخابث والمكر، إلا أن يقيم رابطة مباشرة بين هذا الذي تشهده الساحة الإسرائيلية سياسياً وإيديولوجياً، والذكري الـ 110 لانعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية، في هذا الشهر من سنة 1897. ذلك لأن رابطة كهذه لا تذكر باعتبارات أخري قدر تذكيرها بالاحتقانات النوستالجية حول انطلاقة الحركة الصهيونية، وحول حلم تيودور هرتزل بإقامة الدولة اليهودية، وحلقات الشجار حول ما قبل و ما بعد الصهيونية داخل البيت الصهيوني العريض الذي ساد الظن طويلاً أنه بيت واحد متراص، ثم اتضح أنه بيوت أمريكية وبولونية وروسية وفالاشية ويمنية، أشكنازية أو سفاردية، أصولية أو أرثوذكسية، يهودية أو نصف ـ يهودية...
والحال أن الوجدان اليهودي في أطوار ما بعد الصهيونية، لكي نستخدم المصطلح الرائج إسرائيلياً، بمساوئه الدلالية ومحاسنه السياسية، يتحاور اليوم مع ذاته لإعادة الدولة الصهيونية إلي ما قبل الصهيونية، أي إلي حلم واحد طويل مستديم لا يصحو منه اليهودي إلا لكي يعاقب العالم الخارجي غير اليهودي، عالم الـ غوييم بعبارة فقهية أدق، علي الآثام المقترفَة بحق الحلم. وإذا كان مطلوباً من العالم أن يسهر علي أمن اليهودي وهو يغرق في الحلم المستديم ذاك، فإن المطلوب في المقام الثاني هو وقوف العالم مكتوف الأيدي تماماً أمام انقلاب الحلم إلي كابوس كولونيالي استيطاني عند الشعب صاحب الحق الأصلي في أرض الحلم، وانقلاب الـ غيتو إلي كيبوتز ، والحالم/الضحية إلي حالم/جلاد.
ثمة، استطراداً، أكثر من هرتزل واحد في هذه الحرب الثقافية التي يسارع الوجدان اليهودي إلي الإنخراط فيها كلما تَصَهْيَن أكثر (وأيضاً: كلما تصهين أقل!)، رغم أن الصيغة الهرتزلية للحلم إياه تظل هي القاسم المشترك في الحالتين، ورغم أن محتوي المحاججة وشكلها في المعسكرين يستدعيان اللجوء إلي مرجعيتين متناقضتين وليس إلي قراءتين مختلفتين لمرجعية واحدة. وهكذا، كان الكتيب السحري العجيب الدولة اليهودية ، الذي وضعه صحافي نمساوي يهودي مغمور يُدعي بنيامين زئيف (قبل أن يصبح اسمه الجديد، تيودور هرتزل، علي كل شفة ولسان في المحافل اليهودية) يلبي حاجة الفريقين إلي مرجعية متماثلة بصدد صناعة الديمومة عن طريق إعادة تصنيع الحلم. كذلك كان الكتيب ـ الحلم يستجيب لمنظومات أخلاقية علي الجانبين أيضاً: منظومة أولي تخضع الحلم للعقيدة الدينية، ومنظومة ثانية تخضع الحلم للمؤسسات الديمقراطية، وأما الحلم ذاته فإنه واصل إنتاج منظومته الذاتية بمعزل حتي عن سجالات الفريقين.
وبهذا المعني لم يكن الاجتماع التاريخي بين أولمرت (يمين الصهيونية، إصطلاحاً) وعوز (يسارها، إصطلاحاً أيضاً) حول أية منطقة وسطي إيديولوجية أو فكرية أو أخلاقية بين فريقَي الحركة الصهيونية الواحدة، أو حتي بين رجل دولة وكاتب مثقف، بل حول إعادة إنتاج الحلم الصهيوني بطريقة جديدة هذه المرة: تحويل الحلم الآخر، الفلسطيني، إلي مصيبة أو طامة أو كابوس! كيف؟ أليس من حق الفلسطيني أن يحلم ديمقراطياً، فينتخب حماس ويسقط فتح ؟ الإجابة بسيطة: نعم، من حقه، وقد فعلها. عوز، من جانبه، يحث أولمرت علي نسف هذا الحق عن طريق عقد صفقة عاجلة مع محمود عباس، ليس من أجل السلام، بل لسحب البساط من تحت أقدام حماس ، ولتذهبْ إلي الجحيم كل التخرصات حول ضرورة تطوير الحياة الديمقراطية الفلسطينية! وفي مقالة بعنوان بأسنان مطبقة ، كتب عوز عن الصفقة المطلوبة سريعاً بين أولمرت وعباس: هل سيسعد الإسرائيليون والفلسطينيون بهذه الصفقة؟ هل سيرقصون في الشوارع حين تُعقد أخيراً؟ كلا، ربما. ومع ذلك، وهنا الخبر السعيد الناجم عن هذا الواقع القاسي، سوف يعرف الشعبان طبيعة الحد الأدني. وسوف يكونان جاهزين لقبول الصفقة عبر الإستفتاء، حتي والأسنان مطبقة !
وبالطبع، لا مناص هنا أيضاً من استعادة السؤال الكبير الذي انبثق منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ثم ترسخ أكثر بعد سيطرة الحركة علي مقاليد الأمور في غزة: هل المشكلة، كل المشكلة، في حماس حتي تصبح كل الحلول وكل الصفقات وكل التسويات مرتبطة بإسقاط حماس ، حتي دونما حاجة إلي زجها مجدداً في القمقم السحري الذي خرجت منه، أي صندوق الاقتراع؟ وهل كانت حماس هي العائق طيلة السنوات، منذ مؤتمر مدريد وحتي جولة كوندوليزا رايس الأخيرة، مروراً بكل اتفاقيات أو مشاريع اتفاقيات أوسلو والخليل وطابا وشرم الشيخ وكامب دافيد...؟ وما هي طبيعة ذلك الحد الأدني الذي يلمح إليه عوز هذه الأيام: حد، إزاء أي حدود؟ وأدني، قياساً علي أي أعلي؟
الإجابة بسيطة، هنا أيضاً: الحد الذي لا يحد الحلم الصهيوني في أي اعتبار، والأدني من أي أدني في تغليب ديمومة ذلك الحلم علي ولادة أي حلم آخر فلسطيني، كبيراً كان أم صغيراً. ويستوي هنا أن يكون عوز صهيونياً يسارياً، وأولمرت صهيونياً يمينياً، ما دام هرتزل واحد هو الذي يخيم علي لقائهما، وهو الذي يشغل المنطقة الوسطي التي تشد الإثنين معاً، بمعني رص صفيهما وليس المباعدة بينهما. هذا هو هرتزل الجوهري، الرؤيوي، مؤسس القومية اليهودية الحديثة من جهة (الأمر الذي جعله ويجعله نبي جميع القوميين اليهود، متدينين وعلمانيين، في اليسار واليمين والوسط)؛ وهو، من جهة ثانية، المبشر بدولة عصرية قائمة علي احترام المؤسسات وفق الشعار الأشهر كما أن مقام الجنود هو الثكنة وليس وزارات الدولة، فإن مقام الحاخامات هو الكنيس وليس الحكومة . ومع ذلك فإن هرتزل لم يكن يقصد أية صيغة علمانية لهذا الفصل بين الثكنة والكنيس، بل لعله كان في أحسن الأحوال قومياً محافظاً آمن بوجود رباط متين بين فكرة الدولة الحديثة التي تجمع اليهود من الشتات، وفكرة القومية اليهودية التي تشد من أواصر اجتماعهم في كيان واحد.
وهرتزل الجوهري هو الذي حاجج بأن قوة هذه الدولة لن تعتمد علي الجبروت العسكري وحده، بل أساساً علي استشراس دبلوماسي في إقناع القوي الكبري بأن إقامة الدولة أولاً، ثم مساندتها وحمايتها ومدها بأسباب المنعة والبأس والسطوة، إنما يصب كباشرة في مصالح تلك القوي. وأما في الداخل فإن تماسك الدولة لن يعتمد علي ثرواتها المادية وحدها، بل أساساً علي تطوير تلك الثروات الروحية التي تعمق الإحساس بوعي الذات، وإدراك الوجود. وكان الرجل واضحاً حين أشار إلي ثلاثة أنواع من هذه الثروات الروحية:
ـ روحية الإستثمار في الأعمال والتجارة، الأمر الذي سيتيح لليهود (وللمرة الأولي في هذه الألفية بأسرها) فرصة تطبيق مهاراتهم الإبداعية في هذا الميدان، الذي عرفوا به تاريخياً في كل حال.
ـ روحية التفوق الثقافي والعلمي، حيث ستعطي الأدمغة اليهودية أفضل ما تحلم به الإنسانية من إنجازات.
ـ روحية الديانة اليهودية ذاتها، وهنا بيت القصيد. لقد كتب هرتزل: طيلة السنوات الممضة من ليلهم التاريخي الطويل، لم يكف اليهود عن إدامة هذا الحلم البديع النبيل: السنة القادمة في أورشليم! وليس في وسعنا أن ندرك هويتنا التاريخية إلا إذا عملنا بوفاء مطلق لهذا الحلم الذي لازم الأسلاف وينبغي أن يلازمنا . ولسبب كهذا تحديداً، قال بضرورة أن يكون الحاخامات علي مرمي حجر من الساسة، دائماً وأبداً: في الدولة اليهودية القادمة، لا بد من بقاء الكنيس ماثلاً أمام البصر. وينبغي أن يظل مرئياً . وهكذا فإن هرتزل الجوهري لا يبقي الكثير من التناقض بين تيار ما قبل ـ صهيوني يقول ببقاء الكنيس والحاخام، وتتخلق عنه نماذج باروخ غولدشتاين (الإرهابي الإسرئيلي الطبيب، قاتل 29 مصلياً فلسطينياً في الحرم الإبراهيمي سنة 1995، أو إيغال أمير (قاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق سحق رابين)؛ وبين تيار ما بعد ـ صهيوني تتخلق عنه نماذج عاموس عوز، الذي يطالب بالديمقراطية (ولكن ليس علي الجانب الفلسطيني، إلا بشروط)، والعلمانية (دون إبعاد الكنيس عن الأنظار، أو إزاحة مسافته السياسية والإيديولوجية أبعد قليلاً من مرمي حجر)، والسلام (ليس مع أي شريك فلسطيني، بل مع الوحيد الذي تسبغ عليه الدولة العبرية شرف الشراكة)... وبهذا فإن من مصلحة الرئيس الفلسيني أن لا ينام قرير العين علي حرير الصفات الوردية التي يتسابق الصهاينة في إغداقها عليه هذه الأيام، من إيهود أولمرت إلي وزيرة خارجيته تسيبي ليفني إلي وزير دفاعه إيهود باراك. إذْ مَن يدري... لعل قادم الأيام سوف يبرهن أن أثمن الشركاء ليس محمود عباس نفسه، بل ذلك المندوب السعودي الذي سيتبوأ صدارة العرب في مؤتمر السلام الأمريكي الآتي!