الوفاء للذكرى الخامسة والخمسين لثورة 23 يوليو ولروح قائدها الخالد جمال عبد الناصر لا ينحصر فقط بالمظاهر الاحتفالية على ضرورتها، ولا بترداد الانجازات على عظمتها، ولا بتلمس الأعذار للعثرات على أهميته، بل يتطلب بشكل خاص السعي لإحياء الحركة القومية العربية التي شكلت التجربة الناصرية احد ابرز روافدها، كما للقراءة الموضوعية الهادئة لنواحي القوة والضعف فيها، فنطور الأولى في مختلف الميادين، ونعالج الثانية بكل ما نملكه من وسائل.

ومن أجدر من بيروت، عاصمة الوفاء لثورة يوليو وقائدها، بل عاصمة الوفاء لكل قضايا الأمة العادلة، من أن تكون منبر نقاش حر لسبل إحياء الحركة القومية العربية، فهي عاصمة لبنان، البلد الذي ساهم مفكروه في إطلاق النهضة العربية ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، بل البلد الذي حفظت أديرته لغة القرآن، اللغة العربية ابرز ركائز هويتنا الثقافية العربية، الذي حمت ثغوره الداخل العربي في وجه كل الهجمات الأجنبية القديم منها والحديث وصولاً إلى حرب تموز الصهيونية قبل عام والتي تتداخل ذكراها اليوم مع ذكرى ثورة تموز المصرية وتنهلان من الينابيع ذاتها، ينابيع الكرامة والعزة والآباء.

الحركة القومية بين الفكر والممارسة

إن السبيل إلى إحياء القومية العربية، عنوان حديثنا اليوم، ينطوي على إقرار بتراجع هذه الحركة، وانحسار دورها، وتعثر أدائها وأدواتها في آن، وبالتالي فهو حديث نقدي بالدرجة الأولى، غير أن النقد هنا لا ينطلق من مواقع الانكسار أو التشهير، بل من واقع الثقة بالأمة ومن منطلق التمسك بمبادئ حركتها القومية التي عاشت في ظل صعودها أبهى أيامها وأجمل عطاءاتها وأروع انتصاراتها.

ولكن السؤال الذي يجب أن يسبق الحديث عن إحياء الحركة القومية هو هل تحتاج الأمة فعلاً إلى إحياء حركتها القومية، إلا يكفي هذه الحركة ما أخذته من فرص تاريخية كي لا نعود إلى ارتكاب الخطأ مرة أخرى؟

للإجابة على هذا السؤال المزدوج، لا بد من الإقرار بأن الفشل أو التعثر أو الانحسار الذي أصاب الحركة القومية العربية لم يكن بسبب الأفكار التي حملتها، أو الأهداف التي سعت إلى تحقيقها، بل أساساً بسبب الممارسات التي وقعت بها أنظمة ومنظمات، وربما أفراد، رفعوا شعارات هذه الحركة وتوسلوا أهدافها طريقاً للوصول إلى السلطة فباتوا أسرى لها، ولمنطقها، ولصراعاتها التي لم تبق ولم تذر.

وأوضح الأدلة على أن الفشل لم يكن في أفكار الحركة القومية العربية بل في الممارسات التي ارتكبت باسمها، أن العروبة، كهوية قومية، ارتكزت إليها هذه الحركة، تبرز في كل لحظة تواجه فيها الأمة امتحاناً، بل يتأكد الانتماء إليها مع كل محنة نمر بها.

فالهبات الشعبية العربية التي رافقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ثم الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وتلك التي سبقت الحرب العدوانية على العراق عام 2003 ورافقتها، كما رافقت عدوان تموز 2007 ضد لبنان وتصاعدت، كانت تعبيرا عن موقف واحد لأبناء الأمة من محيطها إلى الخليج، وهي إذا لم تستطع أن تكون فاعلة حاسمة آنذاك فان تأثيرها يزداد مرة تلو الأخرى، وأثرها على النظام الرسمي العربي يتعاظم تجربة بعد تجربة.

وفكرة الوحدة العربية التي تطمح الحركة القومية العربية إلى تحقيقها باتت اليوم مع عصر التكتلات الكبرى التي يشهدها العالم، هي طريقنا لمواكبة هذا العصر وتحدياته، بل أنها تعبير عن ريادة هذه الأمة في اكتشافها المبكر  لقانون العصر: الوحدة شرط البقاء، والتكامل شرط النماء.

ولعلها من المفارقات الكبرى في أيامنا هذه، إن أعدى أعداء الوحدة العربية، أي أصحاب المشروع الصهيو- أمريكي، هم أنفسهم يدعون إلى شرق أوسط جديد هو ذاته المنطقة العربية الموحدة، لكن مع استلاب هويتها وثقافتها وخصوصيتها وتمكين الكيان الصهيوني من اختراقه والهيمنة عليه. أي أن الإطار المطلوب في هذه المشاريع هو إطار وحدوي لكن المضمون هو صهيو  استعماري.

وسلامة الفكرة القومية العربية تتضح كذلك بوضوح مع فشل كل المشاريع التي حاولت أن تقوم بديلاً عن المشروع القومي العربي لا سيما المشروع القطري، أو حتى الإقليمي، وقد جرى الترويج للمشروعين بعد النكسة الكبرى التي أصابت الحركة القومية العربية مع الانفصال المشؤوم عام 1961، والضربة التي تلقتها مصر وشعب سوريا في حزيران 1967.

فشل المشروع القطري

فهذا المشروع القطري، الذي قدم كمشروع بديل عن المشروع القومي لم ينجح حتى في توفير الحد الأدنى من متطلبات السيادة والاستقلال والأمن والنمو للأقطار والكيانات التي ادعى انتسابه لها وأعطاها الأولوية في اهتماماته.

لقد شهدنا على مدى العقود الأربع الماضية بشكل واضح كيف أن الاستقلال الوطني للكيانات العربية، بما فيها الكيانات الكبرى، كان مهتزاً، وكيف أن السيادة الوطنية انتهكت إما عبر احتلال الأرض عندما كان يعجز الأعداء عن فرض أملاءاتهم وشروطهم، أو عبر احتلال  الإرادة كما نرى في العديد من أنظمتنا.

ولقد شهدنا أيضا، في ظل المشروع القطري، غياب مشروع جدي للأمن القومي العربي، ناهيك عن الأمن الوطني ذاته، فأخذ أمن أقطارنا يتعرض من الداخل والخارج في آن واحد إلى سلسلة من الزلازل والأعاصير المتدحرجة التي يصعب وقفها دون جدار قومي وتضامن عربي صلب في مواجهتها.

وشهدنا كذلك، في ظل المشروع القطري أو الكيانات المرتبطة به، تعثراً واضحاً في حركة النمو والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، رغم أن الأمة ككل تمتلك من الإمكانات البشرية، والموارد الطبيعية، والسوق الكبرى، والكفاءات الإنسانية، والمواقع الاستراتيجية، ما يؤهلها إلى أن تكون في طليعة الأمم المتقدمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي إذا ما توافرت شروط التكامل والتعاون التنسيق بين أقطارها وكياناتها.

وعلى المستوى الثقافي والعلمي، وجدنا في ظل المشروع القطري اختراقات خطيرة لبنيتنا الثقافية وقدراتنا العلمية، حيث يجري كل يوم تدمير ممنهج للجذور الثقافية والعقائدية للأمة، وضرب مرتكزاتها الأساسية لا سيما العقيدة واللغة والمخزون الحضاري، بالإضافة إلى نشوء ما يشبه الشبكة الدولية الهادفة إلى استدراج العديد من أدمغتنا وطاقاتنا العلمية إلى بلدان الغرب في ظل ضرب كل البنى والقدرات والإمكانات الوطنية الجاذبة لها لكي تبقى في أوطانها، ولعل عجز أي قطر بمفرده عن تخصيص الأموال والإمكانات اللازمة لمؤسسات البحث العلمي مثلاً هو دليل ساطع على استحالة التطور العلمي المطلوب في غياب منظومة علمية وتكنولوجية عربية كبرى.

فالمشكلة أذن لم تكن في مبادئ الحركة القومية العربية وتطلعاتها، بقدر ما كانت في الممارسة مما يقود إلى أن الحاجة إلى إحياء هذه الحركة، عبر تجاوز تلك الممارسات، تبدو اليوم أكثر من ضرورية.

فبالإضافة إلى ما استعرضناه آنفاً من فشل المشروع القطري في ضمان الاستقلال والسيادة الوطنية، وفي صون الأمن الوطني والقومي، وفي تحقيق النماء الاقتصادي والاجتماعي، وفي تحصين الهوية الثقافية للأمة وفي الحفاظ على ثروتها العلمية والتكنولوجية، فان الحاجة إلى إحياء هذا المشروع القومي تكمن كذلك في ضرورة الخروج من حال التفتيت والتمزق والتقسيم والفدرلة والحروب الأهلية المعلنة أو الكامنة الممتدة من أقصى المحيط إلى أقصى الخليج.

مخططات تمزيق المنطقة

لقد شهدنا على مدى العقود الماضية جملة وثائق وخرائط، ومررنا بسلسلة من الحروب والتطورات الدامية، كان عنوانها جميعاً تمزيق الكيانات العربية الحالية، أي تقسيم المقسّم، وتفتيت المفتت، وتجزئة المجزئ، والمفتاح إلى ذلك كله يكمن في الانقضاض على هوية الأمة الجامعة، وعلى الرابطة القومية المنيعة التي تشد أبناءها إلى بعضهم البعض.

 

في  هذا المجال نتوقف أمام وثيقتين أحداهما تعود إلى ما قبل 25 عاما( وتحديداً عام 1982) والثانية إلى ما قبل ايام.

الوثيقة الأولى هي كتاب صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1983 بعنوان "تطور العقيدة العسكرية خلال 35 عاما" من أعداد أ. سمير جبور وإشراف أ. محمود سويد، وقد اعد د. هاني سليمان عنه تقريراً نشر في العدد الخامس من مجلة المنابر في حزيران 1986.

في هذا الكتاب خطاب غير منشور لارييل شارون يتحدث عن نوعين من الأخطار الخارجية التي تتهدد الكيان الصهيوني: أولها المواجهة العربية وثانيها التوسع السوفيتي، أما بالنسبة للعامل العربي فقد حدده شارون بأمرين  الأيديولوجية القومية لأنظمة الحكم الراديكالية العربية والثاني وجود منظمة التحرير الفلسطينية والتحدي الذي تطرحه.

نستطيع القول اليوم أن المخطط الصهيوني نجح في ضرب الاتحاد السوفيتي، والكل يعرف دور الموساد والجماعات الروسية المتصهينة في هذا الأمر، ونجح أيضا في ضرب بعض الأنظمة الراديكالية التي تحمل إيديولوجيات قومية كالعراق أو في ترويض بعضها الأخر، ونجح كذلك في تحقيق انقسام فلسطيني وصل إلى ذروته مع أحداث غزة، لكن ما ينبغي أن نتوقف عنده في هذا الخطاب هو  الحديث عن خط "الإيديولوجية القومية" لبعض الأنظمة، والتي تستهدفها الحركة الصهيونية لما تنطوي عليه من مخاطر، وهنا نستطيع مثلاً أن نفهم طبيعة الضغوط والتهديدات التي تتم ممارستها ضد سوريا منذ سنوات.

أما المقالة الثانية البالغة الأهمية، والتي يتضمنها الكتاب فهي دراسة للصحافي عوديد ينيون وهو موظف سابق في الخارجية الإسرائيلية في الستينات.

 يقول هذا الصحافي منتقداً عدم أعطاء الأردن للفلسطينيين بعد عام 1967 "لكي نحيد الفلسطينيين" حسب قوله، ومنتقداً كذلك الانسحاب من سيناء التي يشبه تكوينها الجيولوجي تكوين الدول الغنية بالنفط، وبالتالي فان تخلينا عن سيناء – والكلام ما زال لينيون – سوف يؤدي إلى اختناق نفطي  قوي خلال المستقبل القريب.

من هنا يدعو الكاتب الصهيوني إلى احتلال سيناء مجدداً، معتبراً أن مصر باتت جثة هامدة في أعقاب انهيارها (يقصد كمب ديفيد) وفي أعقاب الانقسام الإسلامي – المسيحي الذي سيزداد تأزماً في المستقبل (هذا الكلام قيل في مطلع الثمانينات). ويستطرد الكاتب أن تجزئة مصر إقليميا إلى وحدات فرعية جغرافية منفصلة هي هدف "إسرائيل" السياسي في الثمانينات، أما الدول مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد فهي لن تبقى على صورتها الحالية بل ستتقفي اثر مصر في انهيارها وتفتيتها، فمتى تفتتت مصر تفتت الباقون.

إن رؤية دولة قبطية – مسيحية في صعيد مصر، إلى جانب عدد من الدول الضعيفة ذات سلطة إقليمية لا سلطة مركزية لها، كما هو الوضع حتى الآن، هي مفتاح التطور التاريخي الذي أخرته معاهدة السلام.

ولا ينسى اينيون أن يذكر أيضا أن "تفتيت سوريا والعراق إلى مناطق ذات خصوصية أثنية ودينية واحدة، على غرار لبنان، هو هدف من الدرجة الأولى بالنسبة لإسرائيل في الجبهة الشرقية"

باركر: إدارة بوش مصممة على التمزيق

أما الوثيقة الأخرى التي برزت  بعد ربع قرن على تلك الوثائق فهي محاضرة للسفير الأمريكي السابق في لبنان السيد ريتشارد باركر قبل أيام في باريس،وقد  نشرت جريدة الديار اللبنانية ملخصاً لها يوم الأحد في 22 تموز 2007 يقول فيها " أن الرئيس جورج بوش سيعمل خلال الفترة ‏المتبقية من ولايته الرئاسية على وضع أسس ثابتة لمشاريع «خرائط طرق» لمنطقة الشرق الأوسط ‏تنطلق من تطلعات القسم الأكبر من ممثلي الأقليات الدينية أو المذهبية أو العرقية، التي ‏تتمحور كلها حول ضرورة منح الحكم الذاتي لهذه الأقليات عبر أقامة أنظمة حكم ديمقراطية ‏فيدرالية بديلة للأوطان والحكومات القائمة الآن".‏

ويضيف السفير الأميركي باركر الذي خدم في لبنان في مطلع الثمانينات، إن أدارة الرئيس بوش ‏التي لم تتراجع بعد عن خطة «الفوضى المنظمة» في منطقة الشرق الأوسط. ليست بحاجة إلى أي قرار ‏من مجلس الأمن الدولي لتنفيذ هذا السيناريو، انطلاقا من كونه مسألة «وطنية داخلية» في كل ‏دولة من منطقة الشرق الأوسط المكونة أصلا من مجموعات محدودة من الأقليات الدينية والإثنية.‏

ويشير الدبلوماسي الأميركي السابق إلى أن الخطوة الأولى نحو مسار «خرائط الطرق» ستكون في إقامة ‏اتحاد هاشمي بين «العراق الفيدرالي» وبين المملكة الأردنية على أن ينضم إلى منظومته الدولية ‏الفلسطينيون بعد إعلانها تحت صيغة كونفدرالية، مما يفسح في المجال أمام توطين اللاجئين ‏الفلسطينيين كبديل عن حق العودة ومع التعويض المالي طبعا. وبحسب الخطة الأميركية فان الاتحاد ‏الهاشمي المرتقب بين العراق والأردن سيعني وصلا جغرافيا بين تركيا وإسرائيل، مما يسهل نقل ‏المياه لإسرائيل ونقل النفط العراقي إلى إسرائيل ومنها للتصدير الخارجي أيضا.‏

"أما بالنسبة لمستقبل الوضع السياسي في لبنان – حسب باركر- فالواقع أن اللبنانيين الذين على تواصل مع ‏المسؤولين الأميركيين لم يكونوا بحاجة إلى طرح أفكارهم ومشاريعهم في هذا الخصوص، إذ أنهم سمعوا ‏كلاما واضحا وصريحا عن استعداد واشنطن لتأييد مشاريع الفيدراليات".‏

            وذكر السفير الأمريكي الأسبق ريتشارد باركر أن لجان الكونغرس الأمريكي أصبحت أدراجها متخمة بسلسلة من مشاريع اللامركزية الإدارية الإنمائية والسياسية الموسعة التي لا تزال قيد الدرس ناهيك عن مشاريع جاهزة للتنفيذ وأخرها تلك المقدمة من احد الأحزاب اللبنانية المؤثرة والتي تنص على تحويل لبنان إلى 12 محافظة يتمتع كل منها باستقلال إداري وإنمائي واسع وجعل بيروت وضواحيها عاصمة المحافظات الموسعة ومقراً للسلطة المركزية على أن يتم توزيع المحافظات مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

            وشدد الدبلوماسي الأمريكي على التأكيد بأن شكل الصيغة الجديدة للبنان بدأ يتبلور في عواصم القرار الدولي، التي ستنتظر الوقت المناسب لفرضه بأيدي اللبنانيين أنفسهم! لكن الخلاف الدولي يبقى ليس حول نوعية هذه الصيغة أن كانت لا مركزية أدارية موسعة لا مركزية سياسية موسعة و فيدرالية أو كونفدرالية. أنما بين تيار دولي لا يمانع في فرض أحدى صيغ هذه الحلول ولو كان مقابل "حمام من الدم" وتيار أوروبي يؤيد التغير على طأولة الحوار.

ضرب العروبة هدف الأعداء

            في مواجهة هذه المخططات القديمة الجديدة، هل يمكن لغير الحركة القومية العربية الديمقراطية ، الأصيلة عبر ارتباطها في المخزون الروحي والحضاري للأمة، الجامعة لكل التيارات الفكرية والعقائدية المسكونة بهم النهضة والوحدة والاستقلال والتقدم. إن تحصين أقطارنا وكياناتنا بوجه هذه المخططات.

ألم نلاحظ مثلا أن ضرب عروبة العراق كانت الهدف الأول للاحتلال الذي اعترف بكل القوميات الموجودة في العراق إلا القومية العربية، وسمح لكل الأحزاب الطائفية والمذهبية إلا البعث الذي  أصر على اجتثاثه بحكم فكرة القومي، وتركيبته العابرة للطوائف والمذاهب والأعراق، حزب العروبة والوحدة.

            وفي السودان العربي المسلم الإفريقي، ألم نلاحظ أن مشروع تمزيقه بدأ بالإجهاز على هويته العربية كمقدمة لضرب عقيدته الإسلامية وصولاً إلى تعطيل دوره الأفريقي.

وفي المغرب العربي إلا نلاحظ حجم التركيز على الفرنكوفونية كبديل عن الهوية العربية، وعلى السعي بمختلف الوسائل لإضعاف اللغة العربية.

وفي دول الخليج العربي ألا نلاحظ أن عروبة هذه الدول الصغيرة قد أغرقت بعمالة أجنبية، تبدو اليوم رخيصة بالمعنى المادي، ولكن مخاطرها واكلافها على هوية تلك المنطقة ستكون باهظة حين يبدأ التحرك لانتزاع قوانين وتشريعات تحمي هذه المجموعات وتوفر لها حقوقاً مكتسبة على حساب السكان الأصليين.

إن بقاء عيوننا مفتوحة على المخططات الاستراتيجية البعيدة المدى التي ترسم لبلداننا هو وحده الكفيل بإخراجنا من أزقة الحسابات الآنية والقصيرة إلى رحاب المشاريع الكبرى في وفي مقدمها المشروع القومي العربي.

            فهل كان ممكنا لمثل هذه المخططات ان تجد لها سبيلاً للتنفيذ، ولهذه الأفكار التفتيتية طريقاً للانتشار، لو كانت الحركة القومية العربية قوية وفاعلة وتعيش حالاً صحية سليمة، كما كان عليه الأمر في زمن المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات مع ثورة يوليو الناصرية، وحركة البعث العربي قبل الانشقاقات التي تعرضت لها، وحركة القوميين العرب قبل حلها إلى تنظيمات قطرية، وجبهة التحرير الوطني الجزائرية قبل أزماتها، والحركة الوطنية المغربية قبل تعرضها لأشد أنواع العسف والقمع، والجبهة القومية في عدن عشية الاستقلال.

هل كنا نسمع في تلك الأيام بالمفردات الطائفية والمذهبية وحتى العنصرية المّروج لها هذه الأيام، ألم تنجح الحركة القومية بتياراتها جميعاً، أن تستقطب في قواعدها وقياداتها مناضلين من كل الطوائف والمذاهب والأعراق دون تمييز أو تفرقة، ألم يكن جمال عبد الناصر حاضن القضية الكردية في أصعب ظروفها، وداعماً للحركة الثورية الإيرانية منذ انتفاضة 5 اخرداد  1963 بقيادة الإمام الخميني بكل الوسائل.

ألم تكتب جريدة "اللوموند" الفرنسية عام 1956، بعد تأميم قناة السويس وعشية العدوان الثلاثي على مصر، اذا أردت أن تعرف حدود القومية العربية فما عليك إلا أن تنظر إلى خارطة البلدان التي تجاوبت مع نداء مؤتمر التضامن برئاسة السياسي اللبناني المعروف المغفور له حميد فرنجية للإضراب والتظاهر، حيث اخترقت الشعوب آنذاك كل الحواجز والسدود ووسائل القمع المحلية أو الأجنبية مع الوجود الاستعماري المباشر في دول المغرب والخليج العربي.

ومن هنا، فإحياء الحركة القومية العربية ليس نزوة تاريخية عابرة، ولا لحظة ارادوية زائلة، بل هو حاجة حيوية وضرورية يتوقف عليها نجاحنا في الدفاع عن استقلال الأمة بكل أقطارها، وتحرير الأرض العربية المحتلة في كل مناحيها، وصون الهوية الثقافية والحضارية والروحية للأمة بكل تجلياتها، وانجاز مشروع النهوض والتقدم والتنمية بكل إبعاده.

فما هو السبيل إلى هذا الإحياء أذن؟

هنا تندرج جملة عناوين تنطوي في جوانب منها على نظرات نقدية إلى التجارب السابقة التي مرت بها الحركة القومية، فيما تنطوي جوانب أخرى على مجموعة رؤى واقتراحات فكرية وعملية لا بد من مناقشتها وإغنائها وتطويرها.

المشروع النهضوي الحضاري

نقطة البداية في عملية إحياء الحركة القومية العربية تكمن في نجاح نخب الأمة الفكرية والثقافية والنضالية في صياغة مشروع نهضوي حضاري لهذه الأمة، بدأت ملامحه الأولى بالظهور ، بما يمكن تسميته مرحلة النهضة العربية الثانية في العصر الحديث، عبر بالجهود المتواصلة التي يبذلها مركز دراسات الوحدة العربية منذ سنوات لإعداد هذا المشروع وتقديمه بشكل مكثف ومعمق إلى أبناء الأمة ونخبها لمناقشته واغتنائه وتطويره وقد بدِأت هذه المناقشة بالفعل في الدورة الثامنة عشرة للمؤتمر القومي العربي التي انعقدت في المنامة (البحرين) في أواخر نيسان/ابريل الماضي.

وأهمية خروج هذا المشروع تكمن في عدة أمور:

أولا: إن هذا المشروع سيصبح بوصلة لحركة الأمة نحو تحقيق طموحاتها وتطلعاتها، فيحدد لها الأهداف، ويرسم لها الآليات، ويوضح لها الرؤى، ويخرجها من متاريس العصبية الحزبية والجمود العقائدي والتناحر الإيديولوجي إلى رحاب البرامج المتكاملة، بل يرتقي بها من الشعار العائم والهائم إلى المشروع المحدد والمفصّل.

ثانيا: يشكل هذا المشروع بالمقابل أرضية جديدة لصياغة مفهوم الحركة القومية العربية ذاتها، ولتعريف جديد للقومي العربي بعيداً عن القياسات التقليدية السابقة، بعد أن حول البعض هذه الحركة القومية إلى مجرد سلالات لأحزاب وحركات وأفراد لم يعد لبعضها من القومية إلا الاسم.

فالقومي العربي يصبح أذن هو الملتزم بهذا المشروع، العامل في سبيل تحقيقه، دون الوقوف عند خلفيته الإيديولوجية سواء كان إسلاميا أو ماركسياً أو ليبرالياً وطنيا، أو بالطبع قوميا كلاسيكياً، وبالتالي يشكل المشروع النهضوي الحضاري مساحة لقيام كتلة تاريخية في الأمة تضم تياراتها الرئيسية وتشكل الإطار القادر على مجابهة التحديات.

ثالثا: إن هذا المشروع لم يكتف بتحديد أهدافه الستة (الوحدة العربية، الديمقراطية والشورى، الاستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية ، التجدد الحضاري) وبتوضيح مضامينها، وتحليل عناصر الترابط فيما بينها، بل أوضح بشكل تحليلي دقيق مخاطر مقايضة أي هدف بأهداف أخرى، معتبراً أن التنازل عن أي هدف سيصيب الأهداف الأخرى نفسها في الصميم، ومدركاً أن احد ابرز أسباب تعثر العمل القومي العربي في مراحل سابقة كان في قيام هذه المقايضة على حساب أكثر من هدف.

فلقد استبدلنا الاشتراكية بالوحدة فخسرنا الوحدة ولم نربح  الاشتراكية، وتساهل بعضنا في قضية الاستقلال الوطني بذريعة نيل الديمقراطية، فباتت البلاد محتلة، فيما أصبحت الديمقراطية غطاء مجازر دموية متكررة  ومحاصصات طائفية ومذهبية بشعة كما نرى في العراق.

ولقد نجحت الجهود  الأولى في إقامة اطر لتحقيق هذا التلاقي على أهداف المشروع الحضاري النهضوي العربي، وخصوصاً عبر مؤتمرات وملتقيات ومؤسسات ومنتديات برزت خلال العقدين الماضيين وأبرزها المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي/ الإسلامي، والمؤتمر العام للأحزاب العربية، وملتقى الحوار الثوري العربي الديمقراطي، ومخيم الشباب القومي العربي، والاتحادات المهنية القومية والجمعيات العربية المتخصصة، وصولاً إلى مؤسسة القدس الدولية التي يتلاقى فيها عرب من كل التيارات مع أحرار من الدول الإسلامية ودول العالم كافة والتي تسعى هذه الأيام لإقامة ملتقى عالمي للقدس في استنمبول حيث يتجدد البعد العالمي للقضية الفلسطينية ويتعمق الدور الحضاري للأمة التركية.

وإذا كانت بعض التيارات الهامة في الأمة، كالتيار الجهادي السلفي ذي الإبعاد الدولية، ما زالت خارج اطر الحوار حول هذا المشروع، فان جهداً يجب أن يبذل في اتجاه التفاعل معها، والتصويب المتبادل لأطروحات وممارسات خصوصاً في ظل جهد مقاوم مشترك يجمعنا جميعاً، ويتطلب منا جميعاً، المراجعة النقدية لأفكار مستعجلة ولممارسات خاطئة نقع بها جميعا وبشكل خاص تحصين المقاومة من كل عمل يشوهها عبر الإرهاب أو من خلال تكفير الآخر وتسهيل الفتن.

وانطلاقا من أولوية اعتماد المشروع النهضوي الحضاري العربي في مسيرة الإحياء المطلوبة للحركة القومية العربية ، يبرز الاهتمام بضرورة إعطاء  العمل الفكري والبحثي ما يستحقه من جهد سواء على مستوى الدراسة  العلمية الموثقة لحال امتنا العربية على الصعد كافة، أو على مستوى نشر الوعي والثقافة على أوسع قطاعات الأمة، لا سيما الشباب بينهم، وابتكار أساليب غير تقليدية، وغير تلقينية، في التثقيف والتوعية والعمل الإعلامي، والاعتماد  على الإنتاج الإبداعي في إيصال الفكر القومي من أدب وشعر وغناء وسينما ومسرح وفنون تشكيلية ونحت وغيرها، كما على وسائل غير نمطية في تلاقي الشباب وتحريك القطاعات الشعبية الكادحة للوصول إلى حقوقها.

هنا تبرز أهمية التلاقي بين السياسة والثقافة في أي مشروع نهضوي، حيث تغنى الثقافة رؤى السياسيين، وحيث يترجم السياسيون هموم الثقافة إلى برامج عملية، فالسياسي غير المثقف يبقى مسطحاً ساذجاً محدود الرؤى مهتز البصيرة، فيما المثقف غير المسيس يبقى أسير برجه العالي.

المقاومة : التجسيد العملي لمشروع النهضة

وإذا كان التجذير الفكري والثقافي يشكل ما يمكن تسميته بالجانب النظري من عملية إحياء الحركة القومية العربية ، فان المقاومة بكل مستوياتها وإشكالها، تشكل ما يمكن تسميته بالمقابل بالجانب العملي من هذه العملية، لا سيما أن أمتنا تعاني من تفاقم ظاهرة الاحتلال الأجنبي لها، فإما احتلال للأرض أو احتلال للإرادة، يستخدم الاحتلال الثاني لتعميق الأول، ويستخدم الثاني لحماية الأول.

إن من ينظر بتجرد إلى الواقع العربي والإقليمي والدولي الراهن يلاحظ دون صعوبة ان قوى المقاومة الحية في الأمة، لا سيما في فلسطين والعراق ولبنان والصومال، وهي القوى المتكاملة مع مواقع الممانعة الممتدة على المستوى الشعبي من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه، والمركزة على المستوى الرسمي في بعض الدول العربية لا سيما في سوريا والسودان والجزائر، قد نجحت في أن تعيد بعض التوازن إلى المشهد القاتم على الصعيد العربي حيث بلغ التردي والانقسام والتشرذم والتخلف ذروته في أقطار الأمة، كما في مجالات حياتها المختلفة.

ويشي هذا التوازن بمفارقة مذهلة تقوم على أن امة على هذا القدر من حال التراجع والتردي والانقسام، نجحت في أن تقاوم في العراق مثلاً اعتى قوة على المستوى العالمي، وان تواجه في لبنان وفلسطين أقوى كيان على المستوى الإقليمي.

وفيما وعد بوش وحلفاؤه في الغرب كما في الكيان الصهيوني الغاصب بتغيير وجه المنطقة انطلاقا من احتلال العراق وتصعيد العدوان ضد فلسطين ولبنان، نجد المقاومة الباسلة في الأقطار الثلاثة، تنجح رغم تعدد جبهاتها، وغياب التنسيق الفاعل بين حركاتها، في أن تغير بالفعل صورة العلاقات الداخلية داخل المجتمع والمؤسسة الأمريكية نفسها، كما أن تحدث داخل الكيان الصهيوني جملة تداعيات لم يتمكن مع حلفائها في السيطرة عليها.

وإذا كانت نجاحات المقاومة وصمودها تلهب مشاعر أبناء الأمة، وتخرجهم من حال الإحباط واليأس التي يحاول الأعداء إحاطتهم بها، فان نجاح المقاومة الأكبر في تحقيق أهدافها بكمن في تحقيق أوسع درجات التكامل أو التنسيق بينها، فتقوم مقاومة عربية واحدة توحد الجهد المقاوم، وتعزز وحدة الأمة في مواجهة أعدائها، وتجرف في طريقها كل حسابات عابرة، وحساسيات فائتة، وغرائز عصبوية مدمرة، وتؤكد أن لا فضل لعربي على عربي إلا بالمقاومة.

احتلال الأرض واحتلال الإرادة

فكما انه لم يكن ممكنا للحركة القومية العربية في أواسط الخمسينات أن تأخذ زخمها، وان تطلق مدها، لولا المعارك ضد الأحلاف والمشاريع الاستعمارية( حلف بغداد، مشروع ايزنهاور الخ)، فان هذه الحركة أيضا لا تستعيد حيوتها وفعاليتها أذا لم تكن هي الأخرى حركة مقاومة للاحتلالين معا، احتلال الأرض واحتلال الإرادة، ولكل المشاريع الرامية إلى ترسيخ هذين الاحتلالين وتمزيق نسيج الأمة وتدمير وحدة كياناتها.

فإحياء الحركة القومية العربية أذن يمر عبر خيار المقاومة في الأمة وعبر وحدتها في كل الأقطار، وهذا ما يفسر هذا التكالب الاستعماري – الصهيوني ضد المقاومة وسلاحها في فلسطين والعراق ولبنان، لا للتأثير المباشر لهذا السلاح على الجيوش والأساطيل الاستعمارية والصهيونية فحسب، بل بسبب الخوف من لهيب هذه المقاومة الذي يحرق في طريقه كل معوقات الوحدة والنهضة في الأمة.

وهنا تجدر الملاحظة بان قوى الأمة المتلاقية حول المشروع النهضوي العربي، والمنتمية إلى تيارات الأمة الرئيسية، هي القوى التي لم تقع في مرض ازدواجية المواقف من المقاومة في هذا القطر أو ذاك، بل كانت داعمة، بالموقف والعمل، لكل مقاومة عربية، وساعية لتحقيق التكامل بين حركاتها، وهذا ما يعطيها كتيار عروبي واسع قدرة على إعادة إحياء حركة الأمة التجديدية الوحدوية النهضوية.

واذا كان انتصار المقاومة في امتنا، كما في كل بلاد العالم، مرهون إلى حد كبير بنجاحها في حشد أوسع الطاقات، وتمتين اواصر الوحدة بين مختلف شرائح الناس وبيئاتهم، فان الحركة القومية العربية مدعوة إلى صياغة السبل والآليات القادرة على تحقيق ذلك الحشد، وتعزيز عرى الوحدة الوطنية والقومية .

الحركة القومية وتكامل الانتماءات

هنا ننتقل إلى مسألة أخرى في غاية الأهمية تتعلق بموقع الحركة القومية من سائر الحلقات التي ينتمي إليها الفرد العربي، بدءاً من الحلقة الأصغر وهي العائلة، وصولاً إلى حلقة الانتماء الوطني والديني والإنساني.

فالحركة القومية المتجددة تنطلق من الإنسان ، خليفة الله على الأرض، لتصون حقوقه ، وتحترم معتقداته، وتكفل حرياته، وتحرص على مشاركته في بناء مجتمعه على قاعدة المواطنة التي يتساوى من خلالها المواطنون بغض النظر عن الدين والجنس والمذهب واللون والعرق، لتصل إلى الأسرة الخلية الأصغر في المجتمع فتوليها ما تحتاجه من اهتمام سواء على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي او على الصعيد الثقافي والتربوي لان ارتقاء الامة يتصل بقدرتها على الارتقاء بالإنسان والأسرة فيها بالدرجة الأولى.

اما دائرة  الانتماء الوطني فهي ليست نقيض الانتماء القومي، بل هي معززة له، ومحصنة لتطلعاته، فالعروبة هي كما قلنا دائما هي تكامل وطنيات، لا غلبة وطنية على أخرى او هيمنة قطر على آخر، أنها فيض في الوطنية لا نقص فيها، كما يود اعداء العروبة ان يقولون، والحركة القومية الناجحة هي تلك القادرة على صوغ العلاقات الصحيحة بين الاوطان الصغرى في اطار الوطن الكبير، وعلى فهم خصوصيات كل قطر واحترامها، بعيداً عن شمولية اقصائية او الغائية دفعنا، كما دفع العالم، ثمنا باهظاً لاستشرائها تحت مبررات مختلفة.

الحركة القومية والايمان الديني

واذا كان الايمان الديني هو حق كل انسان يريد ان تكون له نظرته إلى الوجود والكون والحياة والموت والقيم والاخلاق، فان علاقة منطقتنا بالرسالات السماوية عموماً، وبالاسلام خصوصاً، هي علاقة نابعة من ان هذه المنطقة مهبط الوحي بالنسبة لمعظم هذه الرسالات، وارض التلاقي بين المؤمنين بها على تنوعهم، بل هي مصدر انتشارها في اغلب بقاع الارض.

والعلاقة الخاصة بين العروبة والاسلام لا تنبع فقط من ان غالبية العرب هم من المسلمين فقط، بل ايضا من ان الاسلام بقدر ما هو عقيدة لهذه الغالبية من ابناء الامة، فهو لغير المسلمين، وللمسيحيين تحديداً، ثقافة وحضارة ومصير مشترك، عبروا عنها جميعاً في كل المحطات والمراحل التي مرت بها، وكانوا شركاء فاعلين في بناء الحضارة العربية الاسلامية التي شارك فيها ايضا مسلمون غير عرب إلى جانب العرب (كالترك والفرس والكرد والهنود والطاجيك والاندونسيين والافارقة)، مسلمين وغير مسلمين، فشكلت بهم احدى ابرز ركائز الحضارة الانسانية، بل احد محطاتها الكبرى في التاريخ البشري.

والحركة القومية العربية بهذا المعنى هي التجسيد الحي لهذه الحضارة الكبرى، بل هي اليوم قلبها وبوصلتها وموئل  قضاياها الكبرى، وبالتالي فهي بانتمائها لهذه الحضارة هي حركة متحررة ، بالتعريف، من كل تعصب عنصري، او تزمت ديني، او انغلاق مذهبي، فهي اذ تقيم عبر ابنائها المسلمين عموماً جسور التواصل والتفاعل مع كل مسلمي العالم، فهي عبر المسيحيين من ابنائها خصوصاً، وهم من رواد نهضتها، انما تقيم الجسور مع كل الاديان والحضارات والثقافات في العالم.

 بل ان هذه الحضارة التي ساهم فيها بعض اليهود، تحمّل الحركة القومية العربية مواصلة المعركة مع الحركة الصهيونية من اجل تحريراليهود انفسهم من هذه الافة العنصرية التوسعية الاستيطانية، التي تريد تحويلهم إلى جلادين بعد ان كانوا ضحايا، وإلى مضطهدين (بالكسرى، بعد كان كانوا مضطَهدين(الفتح).

المهمة - الرسالة

فهذه المهمة الرسالة التي تضطلع بها الحركة القومية العربية وتجسدها في حوار الاديان والثقافات هي التي تعزز من الطابع الانساني للحركة القومية، وتحررها من شبهات العنصرية او العرقية، بل تدفعها اليوم، كما في الزمن الغابر ، لان تكون مساهمة رئيسية في الحضارة الانسانية الكونية، فتحرص على ان يكون خطابها انسانياً لا تشوبه أي مفردات تعادي الشعوب مهما كان رفضها للدوائر الحاكمة فيها، ولا تجافي امما حتى ولو حمل زعماء هذه الامم مشاريع معادية لامتنا، بل هي في نضالها ضد سياسيات هذه الدوائر الحاكمة لا تسعى لتحرير العرب من مخاطر الهيمنة والاحتلال فحسب، بل تسهم في تحرير تلك الشعوب نفسها من تلك السياسات واكلافها، لان شعباً يستعبد شعباً آخر لا يمكن ان يكون حراً.

ولعل في المقاومة العراقية الباسلة المثل الحي والدليل القاطع على ان العراقيين في مواجهتهم للمحتل الامريكي والبريطاني والغربي انما يعجلون في تخليص الشعوب الامريكية والبريطانية والغربية من سياسات تدفع بابنائهم إلى الموت المجاني خارج بلادهم، وتدفع باقتصادهم للترنح بسبب مغامرات حكامهم غير المحسوبة، بل انما يعجلون بانقاذ قيم الامريكيين ومثلهم من التشويه الذي الحقتهم بهم سياسات هذه الحكام.

ان مهمة التكامل بين هذه الحلقات او الدوائر جميعها، والاحترام العميق لخصوصية كل منها، بدءاً من الانسان – الفرد وصولاً إلى الرابطة الانسانية الكونية لا يمكن ان تضطلع بها الحركة القومية العربية الحديثة اذا لم تؤكد على عمق ترابطها بالديمقراطية والشورى، وان تسقط نهائيا من ادائها او خطابها او ممارساتها ذلك المنطق الذي يستخف بالديمقراطية او يقفز فوقها، او يؤجل استحقاقاتها، او يتنكر لها بحجة الاهتمام بقضايا اخرى اكثر اهمية.

الحركة القومية والديمقراطية

فالديمقراطية بوجهيها السياسي والاجتماعي ليست مجرد هدف نسعى إلى الوصول اليه في احد الايام، بل هي ممارسة نحياها كل يوم في علاقة المواطن بالمواطن، والجماعة بالجماعة، والقطر بالقطر، والامة بالامم الاخرى، وهي ايضا آلية نحتكم اليها في ادارة شؤون بلادنا، وفي ادارة العلاقات بين مكونات مجتمعنا، وفي رعاية الخصوصيات التي تتوزع بين ظهرانينا، بل في تعبئة الجهود والطاقات لمواجهة تحديات خارجية كانت ام داخلية، عسكرية كانت ام سياسية، اقتصادية كانت ام اجتماعية.

فالديمقراطية اذن ليست هدفا من اهداف مشروعنا الحضاري النهضوي فقط، بل هي ضمانة الوصول إلى الاهداف الاخرى، وبالتالي فهي ملح الحركة القومية العربية الذي يمنحها القدرة ان تكون، كما هي بالتعريف، حركة جامعة لكل ابناء الامة ومكوناتها، واطارا ناظما لعلاقة الامة بداخلها والخارج، ومصدر الحيوية الهائلة داخلها والشلال الذي تتدفق عبره كل مصادر الطاقة الكامنة في الامة.

ولقد اثبتت تجارب انظمتنا القومية التحررية انها رغم عظمة ما انجرته على غير صعيد، ورغم سلامة المواقف القومية والتحررية التي اتخذتها في وجه مطامع الاعداء ومشاريعهم، فان عيب النقص في الديمقراطية الذي شابها كان في احيان كثيرة عقب اخيل الذي مكن سهام الاعداء من النيل منها، والا كيف نفسر ان هم جمال عبد الناصر بعد حرب 1967 كان محصورا بامرين رئيسيين الاعداد العسكري لازالة اثار العدوان، والاعداد السياسي الداخلي القائم على بناء نظام ديمقراطي تعددي يتنافس فيها حزبان على خدمة مصر وشعبها.

ان التأكيد على تعميق المضمون الديمقراطي للحركة القومية العربية ليس شرطا من احد عليها، بل هو شرطها على نفسها، به تحقق تقدمها، وتغلق الثغرات بوجه اعدائها، بل به تحظى على الحيوية والقدرة لانجاز مشروعها النهضوي.

واذا كان للديمقراطية جملة مواصفات بات الاتفاق عليها شاملا كاطلاق حرية التعبير المسؤولة، والعمل النقابي الجمعوي التعددي والمستقل غير المرتهن للخارج او غير المراهن عليه، وكالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، والتدأول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، وتحقيق المحاسبة والشفافية، فان المواطنة تكاد تكون حجر الزاوية الرئيسي في هذا النظام، لا سيما في امة شديدة التنوع كامتنا، حيث لا يجوز ان يتميز المواطن عن سواه في الحقوق او الواجبات.

المواطنة

مع مفهوم المواطنة هذا، الذي هو الترجمة الدستورية والسياسية لمفهوم العروبة الديمقراطية الجامعة، لا يستقيم الحديث عن اقلية دينية او مذهبية او عرقية خصوصا في منطقة تسكنها اكثريتان، كما قال يوما الامام المغفور له الشيخ محمد مهدي شمس الدين – رحمه الله – اكثرية عربية فيها المسلم وغير المسلم، واكثرية مسلمة فيها العرب وغير العرب.

ومن هنا ان مفكراً عربياً كبيراً كالدكتور احمد صدقي الدجاني – رحمه الله – قد نحت مصطلح "الاقوام" لكي يقي من خلاله الفكر القومي العربي الحديث من مخاطر الانزلاق إلى الحديث عن الاقليات بكل ما تعنيه الكلمة من احساس بالتفوق لدى البعض، واحساس بالدونية لدى البعض الاخر.

اما آخر النقاط التي اود التوقف عندها لارتباطها الوثيق باي عملية لإحياء الحركة القومية العربية، فهي المضمون الاقتصادي والاجتماعي للحركة القومية العربية، وهو ما اشار اليه المشروع النهضوي الحضاري العربي في هدفي التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، وما اسماه جمال عبد الناصر بمصطلح "الكفاية والعدل"، وما اكد عليه حزب البعث بالربط بين الفكر القومي والمضمون الاقتصادي الاجتماعي.

واذا كان المجال هنا لا يتسع للغوص في تفاصيل المشروع الاقتصادي الاجتماعي للحركة القومية العربية، فان هذه الحركة مدعوة لرسم طريق للنمو الاقتصادي والعدل الاجتماعي خارج نهجين أولهما ثبت فشله لانه اقام باسم الاشتراكية "نظام راسمالية الدولة او البيروقراطية – الاشتراكية " الذي صادر المبادرة الفردية الخاصة دون ان ينجح في اطلاق المبادرة الاجتماعية الشاملة، وثاني النهجين اثبت توحشه وهو نهج الارتماء في احضان العولمة الرأسمالية الاحتكارية والرضوخ لاملاءات مؤسساتها وصناديقها وقد باتت ادوات بيد القوى الكبرى لنهب خيرات الشعوب الفقيرة ولمصادرة استقلالها السياسي.

خارج هذين النهجين، يرسم لنا المشروع الحضاري النهضوي العربي طريقاً ثالثاً، هو حتماً غير الطريق الثالث الذي خرجت علينا به الريغانية والتاتشرية والبليرية لاعادة انتاج الرأسمالية الاحتكارية المنفلتة من اية ضوابط انسانية او اجتماعية، فمثل هذا الطريق المطلوب  تتوازن فيه التنمية مع العدالة وتتوازيان، ومن شأنه ان يعيد ربط الحركة القومية العربية الحديثة بمعيشة الناس وحياتهم اليومية، بل هو طريق ينجح في الاستفادة من كل طاقات المجتمع ومبادرات الافراد فلا ينزلق في سياسة تؤدي إلى افقار الفقراء او تهريب الرساميل الوطنية، فيما طريق اثبت عدم الانزلاق في النهجين نجاحه في غير دولة من دول العالم، ينبغي علينا دراسة تجاربها بكل دقة.

ايها الاخوات والاخوة

لو اتيح لنا ان نستخرج من هذه الملاحظات مهمات عملية محددة لإحياء الحركة القومية لا يمكن ايجازها بالتالي:

1.          الدفاع عن نهج المقاومة، بكل مستوياته، في وجه اعداء الامة، والسعي إلى تكامل ميداني وسياسي بين حركات المقاومة على مستوى الامة وتجاوز كل ما يعيق ذلك.

2.          بلورة المفهوم الجديد الجامع للحركة القومية العربية، بحيث تضم كل الملتزمين بمشروع الامة النهضوي وعناصره المعروفة بغض النظر عن الخلفيات الفكرية والعقائدية لهم.

3.          اعتبار الديمقراطية وحقوق الانسان عنصراً ضرورياً ورئيسياً في إحياء حركة الامة القومية، والدفاع عنهما بكل شجاعة وبسالة مع التنبه إلى فصل الموقف الوطني والقومي في هذا المجال عن دعاة الديمقراطية المشبوهين والمرتهنين لاعداء الامة.

4.          التأكيد على حق المواطنة واحترام كل الخصوصيات الوطنية والدينية والعرقية لمكونات مجتمعنا العربي وتحرير الخطاب القومي من أي شبهة طائفية او مذهبية او عنصرية.

5.          مقاومة أي نزعة تفتيتية او تقسيمية لكيانات الامة واعتبار الوحدة الوطنية ركنا رئيسياً للوحدة القومية وطريقاً اليها، وان أي اهتزاز للوحدة الوطنية هو اهتزاز لفكرة العروبة ذاتها.

6.          الاهتمام بالجانب الاقتصادي والاجتماعي على قاعدة التلازم بين النمو الاقتصادي والعدل الاجتماعي، وبناء برنامج للتنمية والعدالة يرتكز على مبادئ الوفاق الاجتماعي يستفيد من تجارب مريرة مرت بها الامة في ظل "رأسمالية الدولة"، ويواجه مشاريع شريرة تحملها الينا العولمة المتوحشة.

7.          تعزيز آليات العمل القومي الموجودة من أحزاب ومؤتمرات ومنتديات ومنظمات مهنية وجمعيات متخصصة ومراكز ابحاث ودراسات ومنظمات مهنية وجمعيات متخصصة ومراكز أبحاث ودراسات باعتبارها تشكل نواة العمل لبناء كتلة تاريخية كبرى من تيارات النهوض الرئيسية في الامة.

8.          تجمعات ومنتديات واطر للعمل القومي داخل كل قطر تشكل الأذرعة الميدانية للحركة القومية العربية في أقطار الأمة.

9.          إطلاق أوسع مناقشة للمشروع النهضوي الحضاري العربي الذي اعد مسودته مركز دراسات الوحدة العربية، والانطلاق منه كمشروع جامع لتيارات الأمة.

10.      تصويب الخطاب السياسي الرائج، سواء بمضامينه المحلية والإقليمية القائمة على إلغاء الآخر وإقصائه والدوران في حلقات التناحر المغلقة ، وتحريك الغرائز والعصبيات التي تعيد إنتاج التناقضات المحلية دون النظر بعين الاعتبار للتحديات المحيطة بالأمة،أو بمضامينه العالمية التي تحول دون تفاعل حركتنا القومية والتحررية مع الحركات العالمية المناهضة للهيمنة والامبريالية.

11.      العمل بكل الوسائل لكي تستعيد مصر العربية دورها القيادي على مستوى الأمة العربية متحررة من القيود المتعددة التي فرضتها عليها معاهدات كمب ديفيد، فبقدر ما تنتظر الأمة  من مصر، فان مصر تنتظر استئناف دورها.

12.      تشكيل مجموعات ضغط شعبية عربية متخصصة من اجل تنفيذ العديد من القرارات التي اتخذتها القمم العربية، والمجالس الوزارية للجامعة العربية، والمنظمات العربية الإقليمية، في شتى مجالات الحياة العربية لاسيما في مجال الامن  القومي والتكامل الاقتصادي.

13.      الاهتمام بالشباب العربي الذي بات يشكل الغالبية في حاضر الأمة، كما يشكل كل مستقبلها، والسعي إلى ربطه بهموم أمته ومشاغلها بمختلف الوسائل التي تجذب اهتمامه  لا سيما في مجالات الفن والرياضة والكومبيوتر والاتصال.

14.      تركيز الاهتمام على الشأن التربوي العربي عموماً، والمعني بالاطفال خصوصاً، على نحو يجمع بين الارتباط بالجذور من جهة، والانفتاح على افاق العلم والعالم من جهة اخرى.

ايها الاخوات والاخوة

            حين أصدرنا قبل اكثر من 21 عاما مجلة "المنابر" – المتوقفة اليوم عن الصدور لاسباب مالية- وضعت الافتتاحية العدد الأول لها عنوان "العروبة من هوية إلى قضية"، واليوم، وبعد اكثر من عقدين من الزمن، نشعر ان العروبة كهوية وقضية تواجه مخاطر كبرى من أعداء باتوا يدركون أن القضاء على العروبة هو قضاء على الأمة وكياناتها على حد سواء.

 

  فهل نعي هذه الحقيقة، ونحن أمام ذكرى انطلاق ثورة العروبة وفي حضرة قائدها جمال عبد الناصر.