لا يشكل النفط أهم مورد أساسي للعراق فقط، إذ يقدر الريع النفطي لهذا العام بنحو 25 مليار دولار، بل تعتبر الصناعة النفطية أهم قطاع اقتصادي. ومن ثم، فإنّ أي قانون يرسم إطارها المستقبلي يُفترض أن يأخذ في الاعتبار وجود عقد اجتماعي ما بين العراقيين جميعا، يشمل نظرتهم إلى حاضر البلد ومستقبله للعقود المقبلة، وذلك لكي يمكن تطبيق القوانين الجديدة بمسؤولية، ولكي يشعر الجميع بأنهم مشاركون في صوغ القانون وفي الإفادة منه، وليس بعض الفئات فقط.

وبما أنّ الأوضاع السياسية في العراق قد وصلت إلى شفير الهاوية في الوقت الحاضر، ونظرا إلى غياب عملية سياسية توافقية شاملة، إضافة إلى بقاء الاحتلال جاثما على صدر الشعب العراقي، فإنّ تمرير قانون النفط بوضعه الحالي سيوجد مشاكل مستقبلية، أكثر مما سيحلها، وسيضر بالصناعة النفطية العراقية مستقبلا.

لقد مارست الإدارة الأمريكية ضغوطا على زعماء العراق للإسراع بإقرار القانون الذي يلخص قضية الاحتلال الأمريكي كلها، ويؤكد من جديد أنها شنت الحرب على العراق وفككته لسببين: حماية إسرائيل، والسيطرة على منابع النفط. وهذا مشروع قديم كان مطروحا على جدول أعمال الإدارات الأمريكية المتعاقبة، إلى أن جاءت الإدارة الحالية ومحافظوها، بزعامة نائب الرئيس ديك تشيني، فبدأ التنفيذ، حيث تحركت قوات الغزو الأمريكية، منذ البداية، بأقصى سرعة لوضع اليد - قبل أي شيء آخر - على حقول البترول ومبنى وزارة النفط في بغداد.

لقد كشفت الحكومة العراقية يوم 17أبريل/نيسان 2007 عن تفاصيل مسودة مشروع قانون للنفط والغاز العراقي، وقالت: إنه يعزز الوحدة الوطنية ويعلّي قيم العدالة والمساواة بين أبناء الشعب العراقي، من خلال التوزيع العادل لعائدات النفط والغاز، التي ستوزع على جميع أبناء الشعب وفقا للكثافة السكانية لكل أقليم وليس فقط على الأقاليم المنتجة.  كما ذُكر أنّ القانون يهدف إلى توفير إطار قانوني لجذب الاستثمارات الأجنبية وتأسيس شركة جديدة تابعة  للدولة للإشراف على قطاع النفط.

إنّ المشروع، يقر لأول مرة في تاريخ العراق صندوقا للأجيال المقبلة تحت اسم " صندوق المستقبل "، وصندوقا آخر للموارد النفطية عامة، ويجعل السيطرة الوطنية العراقية الكاملة على موارد العراق من النفط والغاز، والملكية الكاملة له، وعوائد الاستثمار القصوى لعوائده، أسسا ثابتة للقانون الأخطر في تاريخ العراق. إذ تؤكد مسودة القانون على إعطاء الأقاليم الحق في التفاوض وإبرام عقود النفط والغاز، لكنه يجعل القرار النهائي وحق التصديق في يد الحكومة المركزية حرصا على وحدة العراق. ويتضمن مشروع القانون أربعة ملاحق تكشف أنّ الحقول النفطية المنتجة - حاليا - في العراق عددها 27 حقلا مخصصة لشركة النفط الوطنية، إلى جانب 25 حقلا قريبة من الإنتاج مخصصة أيضا للشركة الوطنية، بينما يبلغ عدد الحقول المكتشفة وغير المستغلة 26 حقلا ستعرض للتنافس بين الشركات النفطية المؤهلة وفقا للمعايير العالمية، أما الرقع الاستكشافية فيبلغ عددها 65 رقعة ستعرض للتنافس بين الشركات النفطية.

وتستند وجهات النظر الراغبة في تشريع القانون إلى ثلاث فرضيات: الأولى، أنّ العمل بالقانون سيساهم في تمويل إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وسيؤمن التوزيع العادل للثروة النفطية بين الأقاليم الفيدرالية، وسيدعم أسلوب الإدارة اللامركزية الكفيلة باستخدام العوائد النفطية لمصلحة جميع أفراد الشعب العراقي. والثانية، تقوم على الادعاء بأنّ السماح، في الوقت الحاضر، لدخول شركات النفط العالمية إلى القطاع النفطي سيساعد في جلب الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا المتقدمة الضرورية لإعادة تأهيل هذا القطاع وتطويره. والثالثة، أنه سيساهم في تحويل الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد السوق بسبب عدم وجود قطاع خاص وطني. كما أن التدني الشديد لمستوى تطور القطاعات الإنتاجية غير النفطية كالزراعة والصناعة، لا يحفز الشركات الأجنبية على الاستثمار في هذه النشاطات.

وفي الواقع، يتنافى القانون الجديد مع ثوابت السياسة النفطية الوطنية القائمة منذ نصف قرن، إذ أنّ عقود الاستكشاف والمشاركة في الإنتاج التي يتبناها ستمنح الشركات حصانة ضد القوانين الوطنية الأخرى، وذلك عبر تسليم الحقول والمناطق غير المستغلة تباعا إلى الشركات الأجنبية عن طريق عقود المشاركة في الإنتاج ذات الأجل الطويل، بدل تطويرها وطنيا من خلال دعم المؤسسات النفطية الوطنية، كما سيضعف القدرة التفاوضية العراقية عن طريق إضعاف مركزية التعاقد على الثروة الوطنية مع الشركات الأجنبية وآليات هذا التعاقد.

إنّ شركات النفط العالمية ستبدي اهتماما ملحوظا في ولوج الساحة العراقية، بالذات مع الاحتياطيات الضخمة المتوافرة، وذلك على رغم الوضع الأمني الردئ. لكنّ هناك ثمنا كبيرا ستطالب به الشركات، لقاء العمل في هذا الجو السياسي. وبما أنّ الاتفاقات هي لفترة نحو ربع قرن، فإنّ الثمن الذي سيدفع الآن سيكون باهظا في المستقبل، في حال استقرار الأوضاع. لذا، نعتقد أنه من الواجب عدم وضع العربة قبل الحصان، أي ضرورة النجاح في العملية السياسية وتحقيق الأمن الداخلي والاستقرار أولا، ومن ثم التفاوض من موقع أقوى مع الشركات الدولية، والتي لا بد من التعاون معها بعد الخراب والدمار الذي أصاب البلاد والمؤسسة النفطية في الفترة الماضية.

إنّ توقيع العقود النفطية، تحت الضغوط السياسية وتمريرها بسرعة تحت غطاء من التستر، يوقع البلد بنتائج سلبية يصعب الخروج منها، فالوقوع بالخطأ أو عدم الوضوح قد يكبل الاقتصاد العراقي لأربعين سنة قادمة.

 

تونس في 21/7/2007                   الدكتور عبدالله تركماني

                                    كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 26/7/2007.