أظهرت بداية الألفية الثالثة، مع عودة الاحتلال عبر بغداد، أن العرب لم يتجاوزوا مرحلة "التحرر الوطني" إلى مرحلة "التحرر الاجتماعي"، بالترافق مع عدم إنجازهم، أو بالأحرى فشلهم، في إنجاز مهمات "التنمية والتحديث" و"الاستقلال الاقتصادي" للدخول في نادي الأمم المتقدمة.

الآن ما زالت مهمات المرحلة البورجوازية مطروحة بقوة على جدول أعمال العرب، لأن الليبراليين لم يستطيعوا إنجازها عبر برنامجهم الليبرالي، وكذلك القوميين من خلال برنامجهم المطلي بشعارات اشتراكية، حيث وصل العرب من خلال الأخيرين إلى شكل مشوه من العلاقات البورجوازية، الممزوجة بكثير من العلاقات البطريركية القديمة والمفاهيم الريفية، من دون أن يصلوا إلى الحداثة والتقدم العصري. لا في الجانب القانوني - الحقوقي - الدستوري، ولا بمعنى استيعاب التقنية وانتاجها ولا على صعيد الصناعة ولا على صعيد تجاوز العلاقات الماقبل رأسمالية في المجتمع (عشائر - طوائف) ولا بمعنى علاقات المرأة والرجل ولا على صعيد بناء مواطنة تتحدد، كمفهوم، من خلال الوطن وليس من خلال شيء آخر (طائفة - دين - عشيرة - منطقة).

يكتسب البرنامج الديموقراطي، الذي طفا إلى سطح الحياة السياسية العربية في العقدين الاخيرين من القرن العشرين، قوته من فشل القوميين، وقبلهم الليبراليين، في تحقيق مهمات المرحلة البورجوازية، وهو برنامج (سواءً وعى القائمون بالديموقراطية أم لا) ليبرالي في الاقتصاد (ولو مع إمكان تحديد، عبر استفتاء وطني، حدود قطاع الدولة في الاقتصاد)، وبورجوازي من حيث الحقوق الدستورية والسياسية.

تأتي إشكالية الحركة الديموقراطية العربية من عدم وعيها الكافي للترابط بين الجانبين السياسي والاقتصادي في البرنامج الديموقراطي، وذلك نابع بالأساس عن ميل الكثيرين منها إلى ربط هذا البرنامج بمكافحة الاستبداد السياسي فقط، وربما كان ذلك ناتجاً عن مجيئهم إلى الديموقراطية على هذا الأساس قادمين من أيديولوجيات شمولية، سواء كانت ذات طابع قومي عربي أو سوفياتي ستاليني، مع احتفاظهم بالكثير من مفاهيمهم السابقة حول القطاع العام والتطور اللارأسمالي مع حذف "الدولة الشمولية".

أضافت المرحلة الراهنة من عودة الاحتلال للمنطقة العربية، عبر العراق، إشكالية جديدة إلى إشكاليات الحركة الديموقراطية: أدى وجود ديكتاتور في العراق، في حالة مجابهة مع القطب الواحد المتدرع بالديموقراطية، إلى إنشاء تناقض حصل بين الديموقراطية والوطنية أثناء الأزمة العراقية والحرب التي أعقبتها. ولم يكن ذلك على الصعيد النظري فقط، وإنما من خلال الاصطفافات العملية وممارسات القوى السياسية العراقية، والشخصيات والفعاليات الثقافية المعارضة لديكتاتور بغداد، كذلك من خلال مواقف الكثير من الساسة والمثقفين العرب الديموقراطيين الذين غلّبوا رحيل الديكتاتور على ما عداه.

لا يطرح القطب الواحد، بمجيئه للهيمنة على المنطقة العربية، موضوع الديموقراطية فقط، وإنما أيضاً اقتصاد السوق والتحديث في التعليم والقضاء والمؤسسات: من المحتمل أن يؤدي هذا أيضاً، كما حصل في موضوع الديموقراطية والوطنية، إلى اصطفافات ضدّية، أو إلى عدم قدرة الحداثيين العرب على الجمع الناجح بين الحداثة والليبرالية والديموقراطية وبين مكافحة هيمنة القطب الواحد وسياساته، فيما من الممكن كذلك، في الجانب الآخر، أن يؤدي ذلك بكل من هو ضد القطب الواحد، من قوميين وإسلاميين وماركسيين، إلى الإنجرار إلى وضعية يصبح فيها التحديث واقتصاد السوق عند الطرف المضاد، أو إلى أن يربطوا القضيتين الأخيرتين بواشنطن.

كل هذه القضايا السابقة تقود إلى طرح إشكالية واحدة: هل تكون المقاومة للقطب الواحد على أساس برنامج وطني محض، أو قومي محض، أم أنه يجب أن تحتوي على قضايا ديموقراطية واقتصادية ودستورية وتحديثية لتجاوز ما كان عليه الوضع عند إبرهيم هنانو وعمر المختار وجبهة التحرير الوطني الجزائرية؟...

إذا تركنا القضية السابقة والتي هي محصلة تراكمية للقضايا المذكورة قبلها، فإن فشل تحقيق الوحدة العربية بعد قرن كامل من بداية طرحها مع الشريف حسين في عام 1916، يثير قضايا عديدة، لا يمكن حسمها إلا بعد نقاش واسع في الساحة العربية: هل فشل "الوحدة العربية" ناتج فقط عن القوى الدولية التي كانت ضد تحقيقها (فرنسا - الاتحاد السوفياتي - الولايات المتحدة - بريطانيا، ولو أن الأخيرة شجعت قيام الجامعة العربية ثم حبذت مشروع الهلال الخصيب) أم أن الخلل كامن في العوامل المحلية، أيضاً وأساساً، مثل التناقض في المصالح، بين الدول الغنية النفطية والقليلة السكان والدول ذات الكثافة السكانية والفقيرة اقتصادياً إلا أنها أرقى تعليمياً وتحديثياً (بلاد الشام ومصر)، أم لوجود حواجز جغرافية - ديموغرافية غريبة ومعادية، كما حصل بعد قيام إسرائيل بين الشام و مصر؟ …

ثمّ هل طرح الوحدة العربية، بمعنى الكيان السياسي الواحد الممتد من الخليج إلى المحيط وبغض النظر عن كون هذه الرقعة الجغرافية ذات وحدة ثقافية - شعورية مع لسان عربي، هو قائم على حقيقة تاريخية متسقة ومنسجمة مع مجرى التاريخ، أم أن وحدة الأقاليم (الهلال الخصيب - الجزيرة العربية - وادي النيل - المغرب العربي) او اتحادها هي الواقعية أكثر؟

لنصل إلى قضية ثانية: ما هي علاقة العروبة والإسلام، وهل الأولى وعاء مادي أعطاه الثاني الهوية الثقافية الحضارية، بعد أن جمع أكثرية العرب في كيان سياسي واحد عبر دين جديد، أم هناك بعد آخر؟ وهنا: ألم يكن أحد إشكاليات الحركة القومية العربية، وخاصة من خلال ظروف نشوئها ضد "مركز الخلافة الإسلامية" عند العثمانيين، وعبر بعض حامليها، نشوء تناقض داخلها بين العروبة والإسلام؟ ثم: لماذا لم تستطع الحركة القومية العربية، إذا تركنا فشلها في مواضيع الوحدة العربية والغرب وإسرائيل، إنشاء كيانات وطنية يتم فيها تغليب قيم الوطن والأمة على الطائفة والدين والعشيرة؟ لنصل أخيراً إلى موضوع الأقليات القومية في الوطن العربي: هل الحل في إعطائها "حق تقرير المصير"، كما يلوح في جنوب السودان والعراق؟ أم أنه يجب إيجاد أشكال غير الانفصال؟ ثم هل إعطاء حقوق ثقافية، كما جرى ويجري في الجزائر مع البربر أو في حال يمكن أن يحصل في بلدان عربية معينة مع الأكراد (سوريا، مثلاً)، يمكن أن يكون بدون مطالب موازية من الأكثرية العربية تطلب عدم اعتبار ذلك سلماً تدريجياً نحو مطالب أعلى، أوتطلب الاعتراف من الأقلية القومية المعنية بالحدود القائمة؟

يطرح الفشل العربي في موضوع "فلسطين - إسرائيل" قضايا مماثلة لموضوع الوحدة العربية: هل الطريق الذي اختطّ، عربياً في المواجهة مع إسرائيل، هو الصائب سياسياً وتاريخياً، بخلاف طريق بورقيبه والسادات؟ ثم: هل يمكن العرب أن يستمروا في المواجهة، في ظل الظروف الدولية الجديدة التي تريد (التسوية)، وخاصة في مرحلة أصبح فيها التوتر الاقليمي متركزاً في شرق الهلال الخصيب، وأصبح مركز الثقل الاقليمي في طهران المتواجهة مع واشنطن بعد اتفاق لم يعمر أكثر من سنتين بعد سقوط عاصمة الرشيد العباسي، ما يدفع القطب الواحد إلى تبريد شرق المتوسط لمواجهة التوترات هناك؟

هنا: هل تعني التسوية نهاية الصراع، أم أنها مدخل إلى شكل جديد له؟ وصولاً إلى قضية ألا تعني "تسوية" الصراع أوضاعاً أفضل على صعيد الحياة السياسية العربية على حساب الأنظمة التي تذرعت بفلسطين من أجل غاياتها المتعددة، أم أن "التسوية" ستؤدي إلى جعل مصير التسوية الموقَّعة مرتبطاً بمصائر الأنظمة الموقِّعة لها عند الولايات المتحدة وإسرائيل؟

حتى الآن، وبعد قرن من بدء مشروع الوحدة العربية وما رافقه من فشل، وبعد نصف قرن من الفشل الكبير في موضوع "فلسطين - إسرائيل"، لم يضع المفكرون والساسة العرب أنفسهم وجهاً لوجه أمام الأسئلة التي ولّدها هذان الموضوعان، إضافة إلى القضايا التي يولدها موضوع الديموقراطية وإشكالياته، مرفوقاً بفشل التحديث والتنمية، مع القضايا التي ولّدتها عودة الاحتلال إلى ديار العرب فأعادتهم إلى المربع الأول مع عدم إنجاز مهمات التحرر الوطني. إن الإجابة عن هذه الأسئلة، والطريقة التي يمكن من خلالها إدارة نقاش عربي حول هذه المواضيع، من الممكن أن تحددا ملامح الفكر والسياسة عند العرب في المرحلة المقبلة.