أوضاعنا الشاذة، لا بل الكارثية، التي باتت تهدد المصير الوطني في الصميم، ليست نتاجاً لحادث سير على طريق الحياة السياسية، بل هي إلى حد بعيد من صنع أيدينا. والقول بأنها من صنع أيدينا في قاموس السياسة اللبنانية يستبطن أن الحق على سوانا، المسؤول ليس أنا بل هو، يعني الفريق الآخر، وقد يكون الآخر آخر مذهبياً أو طائفياً أو ذا انتماء لتيار أو توجّه سياسي مغاير، أما أنا، أنا في هذه الفئة أو تلك، فبريء ومظلوم ومفترى عليّ ومتضرر بما يحصل.
أما الحقيقة فلا بريء سوى المجتمع والوطن والإنسان الطيب البريء فيه.
ما أكثر الحروف التي تستدعي وضع النقاط عليها، بمعنى جلاء الحقيقة في قضايا جعلت من الشعب اللبناني شيعاً لا بل قبائل فلم يعد يستأهل صفة الشعب. فأين نبدأ؟ الطائف؟ الطائفية؟ الديموقراطية؟ المجلس الدستوري؟ الارتهان إلى الخارج؟ الرئاسة وكيف سنعبر الاستحقاق؟ وماذا عن الوضع الاقتصادي المتدهور والدين العام المتفاقم والبطالة وحركة الهجرة إلى الخارج؟ ناهيك بالمأزق السياسي المستحكم.
إن شئنا التبسيط، في مخاطبة عقول من لا يتجشمون عناء تشغيل عقولهم في المسائل الوطنية والقومية، ويؤثرون الاحتكام إلى العصبيات والانفعالات، فإننا نقول: إن آفة لبنان الكبرى هي الفئوية، الطائفية والمذهبية، وإن قضيتنا المحورية هي تنمية الحياة الديموقراطية. إذا كان لنا أن نقوّم اتفاق الطائف وحصيلته فإننا يجب أن نحكم على أداء الطائف بالقياس إلى اعتبارين أساسيين هما: عجز الطائف عن معالجة آفة الفئوية، التي ازدادت مع الوقت استعاراً، وهي اليوم في أسوأ حالاتها وأخطرها. هذا من جهة، ومن جهة ثانية عجز الطائف عن تنمية حياة ديموقراطية فاعلة على وفرة الحريات العامة والفردية في وطننا الصغير.
ومن باب التبسيط أيضاً نعزو مشكلتنا، في جانب بارز منها، إلى ظاهرتين: الأولى هي تعطيل المجلس الدستوري منذ بداية عهد الحكومة الحالية الميمونة. والثانية هي سقوط زمام القرار الوطني من يدنا وارتهان إرادة معظم أهل القرار من ساسة لبنان إلى مراجع خارجية. فالمجلس الدستوري كان إنشاؤه إنجازاً مشهوداً في الحرص على التزام الدستور نصاً وروحاً، علماً أن الدستور في نهاية التحليل هو الضامن الحقيقي لانتظام الحياة العامة في لبنان ولاستقرار الوضع السياسي ومن ثم الوضع الأمني، وهو الحافظ للحقوق والواجبات على كل صعيد وفي كل مجال، وهو الملاذ عند نشوب تفجر الخلافات من أجل الحؤول دون تفاقمها إلى مستويات تهدد الأمن السياسي والوطني.
إننا نتهم: نتهم الحكومة، التي يقول رئيسها عنها، في ترداد لمقولة تتكرر على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، إنها حكومة منتخبة ديموقراطياً. إننا نتهمها بتعمّد تعطيل المجلس الدستوري بعدم تعيين أعضاء فيه من القضاة الذين يملي قانون إنشاء المجلس أن يأتي تعيينهم بقرار من الحكومة اللبنانية. سيسجل التاريخ أن تعطيل المجلس الدستوري كان إنجازاً لحكومة سارت على طريق تجاهل الدستور على وجهٍ متمادٍ. وكان أفدح تحدّ للدستور استمرار الحكومة في مسلكها بعد خروج فريق وازن منها وكأن شيئاً لم يكن، بلغة أهل الحكم من دون أن يطرف لها جفن. فكانت العاقبة نشوء تيار واسع يطعن بدستورية الحكومة وشرعيتها وميثاقيتها.
تعطيل المجلس الدستوري كان إنجازاً في منطق الحكومة الشوهاء، إذ مكّنها من صرف النظر عن الطعون في الانتخابات النيابية، وبالتالي صون مكانة ما يُسمى أكثرية نيابية، وكذلك إطلاق يد الحكومة في اتخاذ ما تشاء من خطوات من غير الالتفات إلى قيمتها الدستورية، من مثل الدعوة إلى انتخابات فرعية لملء مقعدين نيابيين شغرا باغتيال اثنين من النواب من دون توقيع رئيس الجمهورية، فإذا، بمجلس شورى الدولة يرد طعناً في دستورية مرسوم الدعوة بذريعة أن الأمر يدخل في نطاق صلاحيات المجلس الدستوري. والله أعلم بالحقيقة في زمن أضحى القضاء معرّضاً للضغط والنخر في الساحة السياسية.
هذا يقودنا مجدداً إلى التساؤل: أين هي السلطة القضائية المستقلة التي شكلت مطلباً محورياً في الطائف. لا بل ماذا تحقق من مطلب فصل السلطات عموماً، وهو من المبادئ الأساسية التي قال بها الطائف؟ بعد نحو عقدين من إطلاق اتفاق الطائف لم يسجل لبنان خطوة إلى الأمام، بل سجل خطوات إلى الخلف، على طريق احترام مبدأ الفصل بين السلطات، وبخاصة بين السلطات الاشتراعية والإجرائية والقضائية، وكانت الثمرة غياب، أو شبه غياب المساءلة والمحاسبة، وبالتالي غياب الديموقراطية الفاعلة التي تتلازم ومبدأ المساءلة والمحاسبة، حتى ليمكن القول إن ثقافة المحاسبة أضحت مفتقدة إلى حد بعيد: فلا الناخب يحاسب النائب، ولا النائب يحاسب الحكومة، ولا الحكومة تحاسب الإدارة، ولا حتى القضاء استطاع أن يحافظ على فعاليته كآلية أو مرجعية أخيرة للمحاسبة. وأدهى ما في الواقع أنه مستتب، فليس هناك من يحتج عليه أو يتبرّم منه أو يسعى جدياً إلى تغييره.
ومن باب وضع مزيد من النقاط على حروف مفصلية نستذكر نظرية تحريم سقوط حكومة السنيورة. أبرز متبنّي هذه النظرية الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مع الحرص، بطبيعة الحال، على عدم تدخل الدولة الأعظم في العالم في شؤون الدولة الداخلية. ويقال لنا إن حكومة السنيورة منتخبة ديموقراطياً، وقد صدّق ذلك حتى الرئيس السنيورة نفسه إذ وصف خلال جولته الأوروبية حكومته بأنها منتخبة ديموقراطياً. عجباً كيف فات أصحاب هذا الزعم أن الحكومة في النظام اللبناني لا تُنتخب بل تسمّى ثم تكتسب شرعيتها من ثقة تنالها من مجلس نواب منتخب، ولا نقول ديموقراطياً. لأن الديموقراطية في لبنان شبه سراب، حيث لا تمثيل صحيحاً للشعب في ظل سطوة المال السياسي والاستئثار بالتحكم في وسائل الإعلام والإعلان وتفصيل قانون الانتخاب لكل دورة انتخابية على قياس الطبقة الحاكمة وتدخل الأجهزة الأمنية في مسار عملية الانتخاب وتحكّم العصبيات الفئوية في سير العملية.
وسط كل هذه المفارقات نتساءل: بأي منطق يُحرّم سقوط حكومة السنيورة؟ يقال، وقد سمعنا ذلك رسمياً، إن الحكومة باقية بثقة مجلس النواب ونحن نعيش حياة تسمّى زوراً ديموقراطية. عجباً، أليست الاستقالة من الاحتمالات الواردة في ديموقراطيات العالم أجمع؟ ثم عندما تعلن استقالة ألا يكون المستقيل قد حاز في مرحلة ما على ثقة مجلس النواب؟ فلماذا يصحّ في ديموقراطيات العالم أجمع ما لا يجوز في لبنان؟
لا حدود للحروف التي تستدعي وضع النقاط فوقها. نكتفي ههنا بنقطة أخيرة. سألني أحد الصحافيين مؤخراً متحدياً: لو كنتَ أنتَ رئيساً للوزراء، ماذا كنتَ تفعل في ظل الظروف القائمة؟ فأجبتُ لتوّي: لو كنتُ في الموقع لكنتُ استقلت قبل سنة. لو استقالت الحكومة اللبنانية قبل سنة، لكنا اليوم في حال مغايرة كلياً للحال التي نتخبط فيها اليوم. في المنطق الديموقراطي، عندما يكون الوضع الحكومي محور المشكلة في البلد، فعليها بالتنحي للإفساح في المجال أمام حل ينقذ المصير عبر الإتيان بحكومة جديدة، ولو برئاسة الشخص عينه، إذا اقتضت الحال.