تبدو
سورية «أمة وسطاً» بين دول المشرق والجزيرة
العربية. فيها شيء من العراق وشيء من لبنان،
شيء من فلسطين وشيء من الجزيرة العربية. في
جغرافيتها وبيئتها الطبيعية، وفي سكانها
وأنماط حياتهم ولهجاتهم، ما يقربها من جميع
الدول المذكورة. على أن سورية تختلف عن العراق
والجزيرة بأن اقتصادها غير متمحور حول النفط،
أقرب إلى اقتصاد متوسطي من حيث هيكله الإنتاجي
(إنتاج زراعي، مهن صناعية وتجارية، وتربية
حيوانات...). وتختلف عن لبنان وفلسطين في
العقود الأخيرة بما عرفته من استقرار سياسي
وأمني، تزامن مع عمر الاضطراب اللبناني. وهذا
التكوين الجغرافي الاجتماعي الثقافي لا ينطبق
على الدول المشرقية الأخرى.
لا
غرابة أن يقصدها العراقي اللاجئ. فهنا يجد
بلداً مجاوراً لبلده، يشبه كثيراً بلده، ولهجة
لا يعسر عليه فهمها، ونمط حياة يقارب ما عرفه
في بلده حتى سنوات خلت. فإذا فضّل العراقيون
سورية على غيرها من البلاد العربية، فلأنها
خيارهم الأكثر عقلانية. وعلى رغم أن سورية لم
تكن خياراً خاصاً للفلسطينيين حين لجأوا إليها
في موجتين، قبل 60 عاماً و 40 عاماً، إلا أنهم
وجدوا فيها بيئة عيش مريحة. ولم يكن لدى
اللبنانيين الذين لجأوا إلى سورية أيام الحرب
اللبنانية، أو قبل عام من اليوم في حرب تموز
(يوليو) من العام الماضي، خيار آخر، إلا أنهم
لم يجدوا صعوبة في الحياة في البلد.
على أن
الميزات الكبيرة التي لا تنكر لهذه «الأمة
الوسط»، لا تجد شكلاً سياسياً يضمن أمثل
استثمار لها وأقصى تفتحاً. هذه هي نقطة ضعف
كبيرة في تكوين سورية الراهن. إذ يبدو أن
هياكل السلطة والمعرفة في البلد تفتقر إلى
إدراك لهذا الوضع الممتاز الذي يمكن أن يرسو
عليه دور إقليمي كبير لسورية، لكن على أساس
مختلف عن دورها بين أواسط السبعينات وحتى
الاحتلال الأميركي للعراق ثم الانسحاب السوري
من لبنان. نفكر على سبيل المثال بأن سورية
(ومعها لبنان) هي بوابة العراق الاقتصادية
الطبيعية، أكثر من تركيا وأكثر من الجزيرة
العربية، وبالطبع أكثر من إيران. وأن إعادة
إعمار العراق يمكن أن تكون رافعة لانتعاش
الاقتصاد السوري لسنوات طويلة تأتي. وسورية
بعد هي بوابة تركية إلى الجزيرة العربية، ومن
شأن سياسة سورية أكثر استرخاء واقل توتراً
داخلياً حيال محورها الشمالي - الجنوبي أن
تكون عميمة النفع على اقتصادها ومجتمعها شأن
سياسة مماثلة على المحور الغربي - الشرقي
(المتوسطي العراقي). ويصلح التفكير في هذين
المحورين أساساً لإعادة هيكلة دور سورية
الإقليمي على أساس اقتصادي وتنموي بعد أن
انطوت صفحة الدور المؤسس على ركائز أمنية
وسياسية. ربما يُجادل في انطواء هذه الصفحة،
غير أن محاولات إعادة فتحها لن ترتد على البلد
ومحيطه إلا بالمصاعب وعدم الاستقرار كما يشهد
بذلك سجل ما بعد الانسحاب من لبنان. ويُحسن
أهل القرار إلى بلدهم وحكمهم ذاته إن لم
يتأخروا طويلاً في إدراك ذلك.
ثم إن
دوراً إقليمياً أساسه الاقتصاد لا يلغي بصورة
نهائية دوراً ذا أبعاد أمنية وسياسية، وإن كان
يقتضي أن يقوم ذلك على الشراكة لا على التبعية
والوكالة. الحالة اللبنانية منذ أكثر من ثلاثة
عقود تزكي الدولة القوية في منطقة مدوّلة بعمق
وتجاورها إسرائيل، لكن الحالة العراقية تزكي
تصوراً للقوة مختلفاً عن نظام الحزب الواحد
والأجهزة الأمنية. هذا فضلاً عن أن الانتعاش
الاقتصادي يقتضي استقراراً أمنياً متيناً.
بيد أن
هناك مشكلتين كبيرتين تحولان دون إعادة هيكلة
الدور الإقليمي لسورية: المشكلة الإسرائيلية،
والوعي الذاتي للنظام. إسرائيل تحتل 1250
كيلومتراً مربعاً من الأرض السورية في الجولان
منذ أكثر من أربعين عاما. لكن يبدو أنها تحتل
100 في المئة من الأرض النفسية والثقافية
للحياة العامة السورية، وحاضرة منذ أربعين
عاماً، بل ستين، في حياة كل واحد من السوريين،
19 مليوناً اليوم. كيف ذلك؟ كيف حصل أن
استسلمنا كل هذا الاستسلام للعدو، وسمحنا له
باحتلال حياتنا الوطنية، السياسية والنفسية
والثقافية، إلى هذا الحد؟
يتعين
النظر في هياكل السلطة والمعرفة القائمة من
أجل الإجابة على السؤال، وبالتحديد إلى
قيامهما معاً على الاستثناء. «المعرفة» تقرر
أننا في حالة حرب ضد عدو، وما يستتبع ذلك من
«صمود» و «ممانعة» و «تضحيات»... والسلطة تقوم
على حالة طوارئ دائمة، وما يقتضيه ذلك من
«أمن» وسلطة محض. وتسعف أوضاع المشرق غير
المستقرة إدامة نظام الاستثناء السياسي
والثقافي ومنع تطبيع الحياة العامة. ومنذ
مطالع العهد البعثي على الأقل ترافق ذلك مع
زوال المجال العام الوطني، أي الدولة والمجتمع
سياسي. هناك من جهة مجال فوق عام، تحلق فيه
قضايا كبرى ومعان مجردة (الأمة العربية،
التحرير، النضال، الشهداء، التضحيات...)؛ ومن
جهة أخرى هناك سلطة جهازية، حزبية صراحة،
وهناك مصالح خاصة متنوعة، وهناك تكوينات
أهلية، أي مجال دون عام، تقيم فيه قوى عيانية
وجزئية، لا ترتفع إلى مستوى العام. ويتكفل
المجال فوق العام، الإيديولوجية وخرافاتها
المقدسة، بتمويه هذا الواقع، وبالتحديد حجب
اشغال عالم المصالح والتكوينات الجزئية لموقع
الدولة وسلطاتها ووظائفها. ويقع على ذلك
المجال أيضاً جعل السلطة معياراً للحقيقة، وشل
قدرة الوعي العام على النقد والتفكير المستقل.
الواقع أن مبدأ الحقيقة يتبخر، وفكرة معرفة
موضوعية تتلاشى. ويلتحق العام العقلي بالعام
السياسي إلى لجة العدم.
الغرض
أن نقول إن زوال المجال العام والدولة أخطر من
زوال فلسطين، وأن تحريرهما مقدم على تحرير أية
أراض محتلة، إن في الجولان أو فلسطين. الغرض
أن نقول أيضاً ان المشكلة الإسرائيلية «وظيفة»
لتصور معين للذات يتكفل به «نظام معرفة» مفروض
ومحمي بالتخوين والتخويف، وأن من شأن مراجعة
هذا وإعادة بنائه أن يجعل المشكلة الإسرائيلية
مسألة عملية، صعبة على الأرجح، لكنها ليست
مستحيلة الحل كحالها اليوم. فإسرائيل اليوم
ليست مشكلة لأنها أقوى منا، وأكثر تقدماً منا
علمياً وتقنياً واقتصادياً، أو لأنها
ديموقراطية؛ إنها مشكلة لأننا مشوشون بالكامل
حيالها، فكرياً وعملياً وأخلاقياً. ولا سبيل
إلى الخروج من التشوش إلا في سياق إعادة هيكلة
النظام السياسي ووعيه ذاته باتجاه نزع
الاستثناء السياسي والثقافي، وتطبيع الأوضاع
الداخلية والتفاعلات الإقليمية للبلاد في
اتجاه ما بعد قومي: تعاون إقليمي وشراكة
اقتصادية وأمنية ومحاولة التحكم بمفاعيل
العولمة. هذا ما قد يجنب البلاد خضات وتفجرات
مدونة في بنية نظام الاستثناء ذاتها.
استرجاع
الجولان يساعد، والسلام مع إسرائيل يساعد، لكن
ينبغي أولاً استرجاع الدولة وإرساء السلام
الوطني الداخلي.
تحتاج
«الأمة الوسط» إلى هياكل سياسية قائمة على
التوسط والاعتدال، تثمّر ميزاتها الكثيرة،
وتمكنها من الاسترخاء في محيطها. أمن سورية
يحتاج قبل كل شيء إلى تصور مختلف لسورية.