|
حورات |
|
|
|
|
|
حرب تموز 2006: رؤية استراتيجية - توفيق شومان |
|
|
2007-07-19 |
السفير |
|
يستقر
الجدل السياسي، او يكاد، حول حرب تموز في
العام الماضي، على ارضية لبنانية، لا يبدو
انها مؤهلة لقراءة متأنية لهذه الحرب، ولا
للابعاد الستراتيجية التي آلت إليها. وفي حين
ان القيادة الاسرائيلية، استعجلت منذ لحظة وضع
الحرب اوزارها، في تشكيل لجنة لدراسة
الاخفاقات الناجمة عن حرب تموز، بدت البيئة
اللبنانية وشقيقتها العربية، ميالتين الى
تجاوز القراءة الاتسراتيجية للحرب المذكورة
كونها مدخلا لتبلور مفاهيم ونظريات أمنية
وعسكرية جديدة، وثيقة الاتصال بالصراع العربي
- الاسرائيلي، وكذلك بنظريات الحروب وفنونها
ومدراسها.
بعيدا عن السجال اللبناني المقيت، تشكل حرب تموز ,2006 اولى الحروب منذ اربعين عاما، التي افضت الى مراجعة نظرية «الحرب من فوق»، اي الحرب بالاعتماد على سلاح الجو، كعامل حاسم في تقرير نتيجة الحرب، فهذه النظرية التي سجلت انطلاقتها اقليميا في حرب الخامس من حزيران ,1967 توسعت الى حدود تحولها الى «مدرسة في الحرب». كان من تطبيقاتها حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي في شباط ,1991 وحرب كوسوفو في العام ,1998 واستطرادا حرب اسقاط النظام البعثي في العراق في نيسان .2003 في حرب الايام الستة تمحورت الاهداف الاسرائيلية حول «تمصير» الطموحات الناصرية واحتلال أراض جديدة بغية التفاوض حول المرحلة المقبلة (القرار 244 - مشروع روجرز) وهو الامر الذي تحقق من خلال الموافقة على القرار الدولي والمشروع الاميركي فضلا عن انكشاف امني وعسكري عربي خطير، اصطلح المسؤولون عنه آنذاك، على تسميته بـ«النكسة»، وعمليا، دشنت نظرية «الحرب من فوق». اول تطبيقاتها الصارخة في حرب الخامس من حزيران. أما العام ,1991 فقد تجمعت أهداف الحرب بمطلب الانسحاب العراقي من الكويت، ونجحت نظرية «الحرب من فوق» في تحرير الكويت خلال ايام (ساعات)، وفي حرب كوسوفو - صربيا من العام ,1998 فقد عمل حلف شمالي الاطلسي على تكثيف مفاعيل هذه النظرية اعتمادا على قصف جوي غير مسبوق، افضى الى تغيير الوضع القائم في صربيا، وهذا ما ينطبق عمليا على وقائع الحرب الاميركية في العراق في العام .2003 لبنانيا، لم تفلح نظرية «الحرب من فوق»، في قطف أهدافها، فلا «القضاء على حزب الله»، تحقق ولا تفكيك الهياكل العسكرية للمقاومة عرف نجاحا. وإذا كان هذان الهدفان قد شكلا خلفية وبعدا لحرب تموز ,2006 فإن الاخفاق الذي عصف بهما، يجعل من نظرية «الحرب من فوق»، في موضع التساؤل والمراجعة واعادة النظر وصلاحيتها في كل مكان وزمان. ذاك على المستوى النظري والعام، لكن على المستوى الاسرائيلي، فإن النظرية المسبوقة الذكر، والتي صاغت احد اهم معالم التفوق العسكري الاسرائيلي ذي التكريس العملاني منذ اربعين عاما، باتت هي الاخرى محل سؤال كبير، خصوصا، اذا ما اقرنت بمعادلة سلاح جديد دخل في آليات الصراع العربي - الاسرائيلي، وهي معادلة صواريخ أرض - أرض. ووفقا لذلك، برزت معادلة جديدة في الصراع قوامها «الحرب من فوق مقابل الحرب من تحت»، وهذه المعادلة التي انتجتها حرب تموز في العام الماضي، تعني ان مرحلة ما بعد الحرب الحزيرانية في العام ,1967 شهدت تعديلا في توازن القوى وكذلك في النظريات والمفاهيم التي تخاض الحروب تحت ظلالها، فاسرائيل التي اتمت حرب الايام الستة بتدمير شبه كامل للبنى العسكرية العربية من خلال القصف الجوي، وتحديدا بما يرتبط بمصر، لم تحقق اغراضها في حرب تموز بما يتصل بتفكيك الهياكل العسكرية للمقاومة، بل برزت معادلة صواريخ أرض - أرض، لتضع حدا للتفوق العسكري الاسرائيلي، وتعمل على الاستعاضة عنه. باجتياح الصواريخ للعمق الديموغرافي والاستراتيجي الاسرائيلي، لاول مرة منذ العام .1948 إذاً، تكرس معادلة الصواريخ، مشهدا استراتيجيا جديدا في الصراع مع اسرائيل، فيما مشهد آخر لا يقل اهمية، يتمثل هذه المرة بالمزج بين فنون المدرسة الكلاسيكية في الحرب. وفنون مدرسة حرب العصابات. هذا المزج، اكثر ما تجلى في مواجهات بنت جبيل وعيتا الشعب ومارون الراس، واذا كانت تقاليد حرب العصابات، قامت على قاعدة «الكر والفر». وعدم الثبات في ميدان المعركة، وتلك هي المبادئ والخلاصات التي انتهت إليها حرب فيتنام في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وما غدا مألوفا بعد ذلك من حروب المقاومات والاحتلالات، فإن الوقائع الميدانية والمواجهات التي شهدتها مناطق عدة في الجنوب اللبناني، اسفرت عن مزيج يقرب المسافات بين المدرستين الكلاسيكية وحرب العصابات. ذلك ان «الالتحام المتقارب» على مدى اسابيع وفي مناطق عدة، لم يكن مألوفا على الاطلاق في مبادئ «حرب العصابات» التي خاضتها المقاومة الاسلامية الى ما قبل تاريخه، ولا المقاومات الاخرى، عالميا، لا على مستوى رقعة الميدان، ولا على مستوى المساحة الزمنية الطويلة. وبعد هذا المبدأ الجديد في حرب تموز الماضي، وهو نظري ميداني، يأتي الحديث، عن مبدأ «الحرب على أرض الغير»، وهو مبدأ اعتمدته اسرائيل منذ قيامها في العام ,1948 ولعل مراجعة موجزة لا بد منها: قبيل اقامة اسرائيل، تمحورت شبكة الاهداف، حول الاستيلاء على الارض، وتبع ذلك، بعد صدور قرار التقسيم الرقم ,181 التوسع الاسرائيلي باتجاه أراض جديدة تتجاوز الاراضي المخصصة للدولة العبرية في القرار الآنف الذكر، وعلى هذه القاعدة، راحت العمليات العسكرية الاسرائيلية تبني مرتكزاتها على القرى والبلدات العربية الخاصة بـ«الدولة الفلسطينية (العربية)» المفترضة، ما ادى عمليا الى قضم آلاف الكيلومترات الجديدة، في وقت كان فيه «العمق الاسرائيلي»، يتشكل على قاعدة ابعاده عن ارض المواجهة والحرب. هذا المبدأ في حماية العمق الاستراتيجي وفي خوض الحروب على ارض الغير، اخذ تجلياته الواضحة في العدوان الثلاثي على مصر في العام ,1956 وكرّس وجهه الصارخ في حرب الخامس من حزيران، وعرف وجوها اخرى له في اجتياحي العام 1978 او 1982 للبنان، لكن ما انتجته حرب العام الماضي، يكمن في القدرة على نقل الحرب الى داخل اسرائيل، اي الى عمقها الاستراتيجي، من خلال كثافة هطول الصواريخ على العمق المذكور ونزوح مئات الآلاف من السكان عن مدنهم وقراهم، وهذا عنى ان طارئا قد استجد على مبدأ «الحرب على ارض الغير»، وهو ما يفترض الوقوف عنده مليا، ذلك ان اي حرب مقبلة قد تخوضها اسرائيل في المستقبل، غدت هي الاخرى، محل مراجعة. بطبيعة الحال، تستبع مراجعة مبدأ «الحرب على ارض الغير»، مراجعة لا تقل اهمية، عمادها الحرب الخاطفة، وقوة الردع، وكلاهما، لم يكن بمقدور اسرائيل تطبيقهما في حرب تموز، والتطرق إليهما في تحقيقات لجنة «فينو غراد»، كان واضح الحضور، وليس من قبيل المبالغة حيال ذلك، القول، بأن الحرب الخاطفة، لبنانيا، قد سقطت، كما ان قوة الردع، او الامساك بزمامها والتحكم بها، امر دخل في سياق من التساؤلات الاسرائيلية الجاعلة من مطلق القوة مثلما كانت عليه قبل حرب تموز، على بساط من الشك الناتج عن إلزامية ان تؤخذ بالاعتبار قوة ردع فعل الطرف الآخر (المقاومة او غيرها)، وكل ذلك لا يتيح لترسانة الاسلحة الاسرائيلية ان تقرر سلفا نتائج الحرب، وهو المنطق الذي كان عرف سيادة يقينية بعد حرب الخامس من حزيران، التي رأى الاسرائيليون فيها، تحقيقا لنبؤات التوراة. انطلاقا من ذلك، يمكن القول ان نظريات ومبادئ ومفاهيم، انتجتها حرب تموز الماضية، او عملت على تغييرها او دفعتها الى الخروج من الثوابت الى حقول التساؤل، واهم ما يقال في ذلك: 1 مراجعة «مفهوم الحرب من فوق» (وهو مفهوم انتجته المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية). 2 دخول مفهوم «الحرب من تحت» الى آليات الصراع العربي - الاسرائيلي. 3 المزج بين مفهومي الحرب الكلاسيكية وحرب العصابات. 4 مراجعة مفهوم الحرب الخاطفة اقليميا (مفهوم شرعه أدولف هتلر واحتل على اساسه بولندا وفرنسا). 5 اقفال الباب على حصرية اسرائيل لشن الحرب على ارض الغير. 6 اعادة النظر بمفهوم اسرائيل لقوة الردع. ان كل ذلك، يعني حدوث انقلاب كبير في نظرية «الامن القومي الاسرائيلي»، فهذه النظرية التي قامت بأجزاء كبيرة منها على العناصر الواردة قبل قليل، تعرضت لاختلال غير قابل للجدال، وهو الامر الذي يفسر ابعاد انشاء لجنة «فينوغراد»، اذ التقط الاسرائيليون سريعا المستجدات على مستوى الخلل الطارئ على هذه النظرية، فحماية العمق الاستراتيجي الاسرائيلي الذي يشكل اساس استمرار الدولة اليهودية، وتكونت من حوله نظرية الأمن القومي بمجملها، دخل عملانيا في دائرة النار، ما يوجب المراجعة. وفي المقابل، فإن المعادلات الجديدة التي انتجتها حرب تموز، تبقى بحاجة الى فيض من القراءات للوقوف على المنعطفات التي انتجتها هذه الحرب، والمكاسب الاستراتيجية منها، لبنانيا، وعربيا، بوجه خاص. ([) كاتب لبناني
|
||
|
|
|
حورات |