ستعير
عنوان هذا المقال من عبارة وردت في المقالات
الممتازة التي يكتبها جابر عصفور هذه الأيام عن
"الخطاب المعرفي للتخلف". يتحدث عصفور في مجال
إنتاج الخطاب المعرفي عن "الرقابة والعقاب" بما
يذكرنا بمصطلحات ميشيل فوكو الشهيرة في هذا
المجال. وهو يعني بذلك رقابة المؤسسات السياسية
والأكاديمية والدينية لعملية إنتاج الخطاب
المعرفي، وفرض الرقابة على من ينتجون هذا الخطاب،
ومعاقبتهم إذا قدرت هذه المؤسسات أنهم تجاوزوا في
إنتاجهم المعرفي الخطوط الحمراء التي تضعها هذه
المؤسسات، تعسفاً وعدواناً على حرية التفكير وحرية
التعبير.
وهذا العقاب الذي قد يصل في بعض الحالات إلى أقصى
درجات العنف القمعي يؤدي "إلى فرض الانضباط وعودة
الشياه الضالة إلى حظائرها، والعلماء والباحثين
والمثقفين إلى المدار المغلق المسموح لهم بالحركة
المقيدة فيه...".
ولم يكن غريباً أن يكتب جابر عصفور عن الخطاب
المعرفي للتخلف بتحليله الدقيق وأسلوبه البليغ، في
الوقت الذي عنيت فيه أن أكتب عن "خطاب الماضي ولغة
المستقبل"، وعن "فقه التخلف"!
وقد حاولت في هذه المقالات أن أقوم بتشريح رؤية
العالم الرجعية المنغلقة التي تتبناها جماعات
إسلامية متعددة في المشرق والمغرب والخليج،
وتتراوح وسائلها بين الدعوات السلمية، واستخدام
العنف والإرهاب.
ويبدو أن هناك تسليماً من المثقفين العرب بأن
منهجية التحليل الثقافي هي المنهجية الجديرة
بتشخيص أمراض المجتمع العربي المزمنة، وتكييفها
وإعطائها الوصف الصحيح، وهذه هي ولا شك الخطوة
الأولى لاقتراح سياسات ثقافية جديدة، من شأنها فتح
الآفاق أمام المجتمع العربي لكي يلتحم عضوياً بعصر
العولمة، ويتفاعل معه تفاعلاً خلاقاً، من خلال
الارتقاء بالوضع الإنساني العربي في مجالات
السياسة والاقتصاد والثقافة.
ولعل ما ميز معالجة جابر عصفور لمشكلة التخلف
العربي أنه بسط رواق بحثه ليشمل السياسة والثقافة،
مع تركيز على عملية إنتاج المعرفة.
ومما لا شك فيه أن ظاهرة الاستبداد العربي بكل
أنماطه هي المسؤولة عن سد الآفاق أمام التطور
الحضاري العربي المتعثر، والذي تجابهه عقبات لا
حدود لها.
ولا يكفي في هذا المجال الزعم أن مدخل الإصلاح
السياسي كفيل بذاته بحل كل مشكلات التخلف، لأنه
مجرد خطوة أولى في طريق طويل، لا يجوز السير فيه
بغير "بوصلة" تحدد الاتجاه. وهذه البوصلة هي التي
نطلق عليها في العلم الاجتماعي المعاصر الرؤية
الاستراتيجية.
ومما لا شك فيه أن نقطة البداية في التحديث العربي
هي الخلاص من ربقة السلطوية الراسخة في أنظمة
الحكم العربية من خلال عملية تحول ديمقراطي منظمة،
تكفل الانتقال السلمي من عصور الانحطاط إلى آفاق
التقدم. ونعني بذلك على وجه التحديد، أن النظم
السياسية العربية التي تمرست على اعتبار المواطنين
العرب مجرد أرقام تشكل جماهير وكتلاً بشرية يمكن
حكمها بسياسات جائرة بغير خوف من ردود الفعل،
عليها أن تعيد صياغة رؤاها للحياة.
وأول مكونات رؤية العالم الجديدة هي احترام فردية
كل مواطن، وذلك في إطار قواعد المواطنة التي أصبحت
شعاراً أساسياً من شعارات العولمة السياسية، والتي
تركز على الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق
الإنسان.
بعبارة أخرى، نحن في العالم العربي الذي غرق خلال
العقود الماضية في إطار النظم الشمولية والسلطوية
في حاجة إلى إعادة اكتشاف "الفرد" من جديد. بعد أن
ضاعت ملامحه وتبددت قسماته في سياق الإيديولوجيات
الشعبوية التي رفعت شعار الجماهير بصورة أدت إلى
سحق ذاتية الفرد، ومنعته من التعبير عن آرائه
وتطلعاته وتفضيلاته السياسية والثقافية، بغير حدود
ولا قيود.
لكن المعضلة الحقيقية تتمثل في سؤال محوري؛ هل لدى
النخب السياسية العربية الحاكمة، من الوعي الحضاري
ما يجعل أعضاءها يتنازلون عن سلطاتهم المطلقة في
سبيل تطوير نظمهم السياسية، لتصبح أكثر اتفاقاً مع
روح العصر؟
هناك حالات تاريخية أثبتت فيها بعض النخب السياسية
الحاكمة أنها تمتلك هذا الوعي. ولعل أبرز النماذج
هي النخبة السياسية الحاكمة اليابانية التي قررت
في لحظة تاريخية محددة التنازل عن امتيازاتها
الطبقية، واحتكارها للقوة السياسية في سبيل خلق
دولة اليابان العظيمة. وكانت تلك أول خطوة حاسمة
في عملية التحديث اليابانية التي جعلت اليابان قبل
الحرب العالمية الثانية من أقوى دول العالم.
وإن كانت النزعة العسكرية الفاشية أوردتها موارد
الهلاك، بتحالفها مع ألمانيا وإيطاليا فيما كان
يطلق عليه "دول المحور" التي هزمت أمام "قوى
الحلفاء".
غير أن روح مبادرة النخبة السياسية اليابانية
الجديدة سرعان ما عادت لتعيد تأسيس اليابان بعد
هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، لتصبح من أقوى
دول العالم اقتصادياً، بعدما تخلت عن مغامراتها
العسكرية الفاشلة.
أين النخب السياسية الحاكمة العربية من هذه النخبة
السياسية الحاكمة اليابانية؟ وهل أدت حصيلة خبرة
القرن العشرين، وأبرزها سقوط أعتى قلاع الشمولية،
ونعنى الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية التي
كانت تسبح في فلكه، وفتح الباب واسعاً وعريضاً
أمام الديمقراطية، إلى اكتساب النخب العربية الوعي
الحضاري بأهمية التحول السياسي الطوعي من السلطوية
إلى الديمقراطية؟
ليست هناك مؤشرات على تبلور هذا الوعي، ومن هنا
تزايدت الضغوط القادمة من المجتمع العالمي،
وخصوصاً من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد
الأوروبي لفرض الديمقراطية فرضاً على العالم
العربي. ولذلك تعددت المشاريع من أمثال مشروع
الشرق الأوسط الكبير والذي تعثر في التطبيق نتيجة
خلط الأوراق الذي مارسته بغباء نادر الإدارة
الأميركية، والذي تمثل في فرض الديمقراطية بالقوة
المسلحة على العراق كما زعموا، لكي يصبح نموذجاً
يحتذى للديمقراطية العربية، وبسبب وضع مصلحة
الدولة الإسرائيلية في قمة اهتمامات وأهداف
المشروع، لأن الأمن الإسرائيلي أصبح – في ظل إدارة
الرئيس بوش على الخصوص– لا يقل أهمية عن الأمن
القومي الأميركي!
وليست ضغوط الخارج فقط هي التي تهدد استقرار النظم
السلطوية العربية القائمة، ولكن تصاعد مطالب
الداخل أيضاً، والذي تعددت تجليات معارضته،
وخصوصاً فيما يتعلق بتجديد دماء المجتمع المدني
العربي في الدول العربية التي سبق أن تم تجميد
مؤسساته فيها خلال عصر السلطوية الشاملة، أو
تأسيسه في الدول التي لم يكن فيها تراث سابق فعال
للعمل المدني.
وفى تقديرنا أن الحلول الوسط التي أقدمت عليها
الأنظمة السياسية العربية، وخصوصاً فيما يتعلق
بتوسيع إطار المشاركة السياسية من خلال خطوات حذرة
وبطيئة ومتعثرة، لن تنجح على المدى الطويل في حل
أزمة الديمقراطية العربية.
غير أن حل هذه الأزمة –حتى لا نفهم خطأ– لا يعتمد
فقط على مبادرات منتظرة من النخب السياسية العربية
الحاكمة، ولكنه يقوم أساساً على المبادرات الخلاقة
للمثقفين والمفكرين العرب، لصياغة رؤية استراتيجية
عربية تحظى بتأييد الجماهير العربية. وهذه الرؤية
ينبغي – في تصورنا- أن تبدأ بالإصلاح الثقافي
كمقدمة ضرورية للإصلاح السياسي.