تمثل متابعة وتيرة التغيير وآفاقه واتجاهاته المستقبلية في تركيا قضية سياسية وفكرية هامة، إذ أنّ تركيا أمام أيام وأسابيع حساسة على مختلف المستويات، ليست انتخابات 22 يوليو/تموز الجاري سوى محطتها الأولى، فيما ستكون الانتخابات الرئاسية ذروتها.

إنّ المنافسة في هذه الانتخابات ستكون استثنائية وستجري بين طرفين متناقضين تماما: طرف يدعو للاستمرار في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، والدخول في اقتصاد وثقافة العولمة، والمحافظة على الوضع الراهن في البلاد، وهو ما يمثله  حزب " العدالة والتنمية " الحاكم. وطرف ثانٍ من دعاة العلمانية القومية التركية، يشكل مظلة للدور السياسي للمؤسسة العسكرية والتقاليد الأتاتوركية، وهو من عارض ترشيح عبدالله غول لرئاسة الدولة.

وتبقى الأسئلة: هل تعبر الأزمة السياسية، التي أثارتها قضية انتخابات الرئاسة التركية، عن أنّ الصراع بين القوى السياسية هناك هو في حقيقته بين توجه علماني وآخر إسلامي ؟ أم أنه صراع بين قيم العلمانية التركية من جهة،‏ والقيم الديمقراطية من جهة أخرى ؟ وهل تستطيع أحزاب " المعارضة العلمانية " هزيمة حزب " العدالة والتنمية " في الانتخابات المقبلة ؟

يمكن القول إنّ الجدل السياسي الحامي الوطيس،‏ الذي تمخض عنه الاستحقاق الرئاسي، قد زج بتركيا في مفترق طرق:‏ فإما أن يواصل حزب " العدالة والتنمية " صعوده السياسي وينجح في الاحتفاظ بأغلبيته البرلمانية وانتزاع منصب الرئيس خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية، لاسيما بعد أن وافقت لجنة برلمانية على تعديله الدستوري المقترح بشأن انتخاب الرئيس‏،‏ ممهدة بذلك السبيل لتعديلات أخرى بشأن توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية،‏ وهو الأمر الذي يرسي دعائم الدولة الديمقراطية المدنية المتحررة من نفوذ العسكر‏.‏ وإما أن تسفر تداعيات الأزمة الراهنة عن توجس الشعب التركي من صعود الحزب الحاكم مرة أخرى، ومن ثم يخفق في تحقيق ما يتوق إليه من نجاحات‏.‏

وتشير المعطيات المتوفرة أنّ حزب " العدالة والتنمية " سيعود إلى السلطة، إلا أنّ السؤال هو هل سيصل عدد مقاعده في الانتخابات إلى الثلثين أم لا ؟ ومن المؤكد أنّ حزب " الشعب الجمهوري " سيدخل البرلمان المقبل، إلا أنّ اللغز المتبقي هو وضع حزب " الحركة القومية " وما إذا كان سيتجاوز نسبة العشرة في المائة أم لا ؟ وهي مسألة مهمة جدا، لأن نجاحه في دخول البرلمان سيحرم حتما الحزب الحاكم من فرصة الإمساك بالثلثين.

لقد اتسمت الترشيحات المقدمة من مختلف الأحزاب بتصفيات داخلية واسعة جدا، تهدف إلى تجديد الكادر النيابي الحالي، مستفيدة من تجربة السنوات الخمس الماضية. ويبرز حزب " العدالة والتنمية " في مقدمة الأحزاب التي تجدد واجهتها النيابية، فمن أصل النواب الـ 352  الحاليين تم شطب 156 نائبا لم يدخلوا قوائم الترشيح. كما أنّ هناك فورة نسائية في الترشح، إذ بلغ عدد المرشحات 68 أكثر من نصفهن لهن حظوظ كبيرة بالنجاح، نظرا إلى وجود أسمائهن في مراتب متقدمة من لوائح الحزب. ويبدو من قوائم ترشيحات الحزب أنّ هناك رغبة في الانفتاح على التيار اليساري العلماني، ومن ذلك ترشيح الأمين العام السابق لـ " حزب الشعب الجمهوري " أرطغرل غوناي في المرتبة الثانية بعد رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان مباشرة في دائرة اسطنبول الأولى.

وحصلت التصفية نفسها في صفوف حزب " الشعب الجمهوري "، حيث لم يتم ترشيح 66  نائبا حاليا من أصل 149 نائبا، وبرغم تحالفه مع حزب " اليسار الديموقراطي " فإنّ اللوائح المشتركة التي قدمت لا تعطي حظا سوى لفوز 13 نائبا من " اليسار الديموقراطي "، وهو ما ولّد تململا داخل التحالف.

وفي الواقع تكمن قوة حكومة أردوغان: أولا، في شعبية حزبه الواسعة التي لا تقتصر على الفئات المتدينة من الشعب، فقد ضم جمهور ناخبيه أيضا علمانيين يتوقون إلى التحولات الديموقراطية، بعد قرن من إمساك الجيش عمليا بالسلطة، وجمهور الأقليات القومية والدينية التي تتوق إلى نظام منفتح يعترف بالتنوع، وطبقة رأسمالية صاعدة. وثانيا، في إنجازاتها الاقتصادية الباهرة ( أصبحت تركيا، في عهد هذه الحكومة، في عداد أقوى عشرين اقتصاد في العالم، وفقا لتصنيف البنك الدولي ) والإصلاحات السياسية الهادفة إلى توسيع هامش الحريات، وتقليص دور الجيش في الحياة العامة، في إطار تلبية معايير " كوبنهاغن " للاتحاد الأوروبي، تمهيدا للحصول على عضويته. وثالثا، في الدعم الغربي.

وأيا كانت النتائج التي ستتمخض عنها التطورات المتسارعة في الأزمة السياسية التركية الراهنة، فإنّ القراءة الموضوعية للمشهد السياسي الراهن في تركيا، تكاد توحي بأنّ كرة الجليد تحركت في اتجاه التغيير، حتى أضحى الأتراك في صدد تدشين أسس جمهوريتهم الثانية، التي يتم خلالها تصحيح مسار العلمانية التركية، بحيث ينتهي الدور السياسي للعسكر وتتخلى العلمانية الأتاتوركية عن الإفراط في التطرف، كي تغدو أكثر تقبلا للاختلاف والتعددية وأشد قربا من الديموقراطية والدولة المدنية.

وهكذا، يبدو أنّ استقرار المعادلة بين " الدولة العميقة " في تركيا، والحزب الحاكم الذي يمثل دينامية الأجيال الجديدة والفئات المتوسطة، ويراهن على الخيار الأوروبي لاحتواء " النظام الامني "، هو العامل الذي يضمن أن تكون حصيلة السنة 2007 الانتخابية في منزلة إيجابية، ما يفترض أن تكون تركيا قادرة على التطلع إلى الأمام نحو آفاق يعاد خلالها تحريك عجلة الإصلاح وتفعيل الدور الإقليمي.

 

تونس في 15/7/2007                   الدكتور عبدالله تركماني

                                    كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 19/7/2007.