كلما دارت رحي المعارك بين العرب وإسرائيل، نسمع من يتحدث عن الإعلام المقاوم ومقاومة الإعلام، تنهمر شلالات الخطابة، لغة إنشائية تبني عماراتها في أحضان الأيديولوجيا بعيداً عن الواقع، تصنع انتصاراتها وبطولاتها الخطابية، لنكتشف بعد حين أننا لم نحصد سوي الهزيمة.
ولو قسنا انتصاراتنا الحقيقية بحجم الهزائم التي مني بها عدونا، لاكتشفنا أننا انتصرنا في أيار من عام 2000 بعد مقاومة استمرت منذ اجتياح بيروت عام 1982 بل وقبلها، حتي أجبر علي الانسحاب من لبنان، وهو ما اعتبر في إسرائيل يوم العار ، والهزيمة الثانية وفق لجنة تحقيق فينوغراد، جاءت في تموز (يوليو) 2006، بعد مقاومة استمرت 33 يوماً، أجبرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ،خلالها،علي وقف عدوانها والاعتراف بالهزيمة. وفي هاتين الواقعتين نجد أن السياسة هي التي تصنع حقائق المقاومة والنصر، وأن الإعلام يتبع السياسة باستمرار مهما اختلفت نظرياته، فإن نحن امتلكنا سياسة المقاومة يمكن للإعلام الناجح أن يعكس هذه المقاومة، وإن نحن امتلكنا أسباب النصر يمكن للإعلام الناجح أن يعكس هذا النصر، وفيما عدا ذلك نكون كمن يضع العربة أمام الحصان، ونريد من الإعلام أن يبني انتصارات لن تتعدي فضاء اللغة، ومن يتابع مسلسل النكبات والهزائم مع إسرائيل يدرك أن اللغة لم تصنع مقاومة ولن تثمر نصراً قط.
وإذا كان الإعلام بكل حالاته يتبع السياسة، فإن ما يميز الإعلام الناجح امتلاك الحرية والمصداقية في التعبير، وامتلاك أدوات العصر الإعلامي الراهن. لأننا لن نستطيع العيش بعيداً عن معطيات عصر الصورة والتكنولوجيا الرقمية، وكلنا ندرك أهمية الصورة التي التقطت مصادفة الرصاصة الإسرائيلية التي انطلقت باتجاه طفل اسمه محمد الدرة كان يحاول الاختباء منها في حضن والده.
محمد الدرة لم يكن يقوم بفعل مقاومة، لكن هذه الصورة صنعت منه بطولة فاقت ما صنعته أطنان من التحليلات الخطابية والإنشائية، وهذا يؤكد أهمية التغطية الإعلامية التي وفرتها بعض الفضائيات العربية لحرب تموز الأخيرة، من خلال مراسلين حملوا كاميراتهم إلي كل القطاعات التي شهدت معارك في لبنان، فأينما وجد قصف إسرائيلي كنا نكتشف وجود كاميرا ترصده وتفضح أهدافه المدنية واستهدافاته غير الإنسانية، وهو ما يجعل من قناة الجزيرة مثلاً فضائية ناجحة، أثبتت حضورها التنافسي مع الإعلام الغربي والأمريكي تحديداً في حرب تموز (يوليو)، وقبلها في حرب العراق الأخيرة، وذلك بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف في المستوي الإيديولوجي.
وهذا يؤكد حيادية المعلومة أو الصورة كمادة خام، فالمعلومات الرقمية ليس لها هوية أيديولوجية حتي تبدأ في الدخول إلي مطبخ العملية الإعلامية، ساعتها لن يكون هناك حياد بالمطلق، فالإعلام الناجح هو ذلك الذي يستطيع توظيف تلك المواد الخام في إعداد وجبة تخدم مصالحه السياسية، وليس أدل علي ذلك من المضايقات التي تمارس علي قناة الجزيرة والتي وصلت حد استهدافها واستهداف مراسليها.
قد توجد مبررات أيديولوجية لتقصير الإعلام، وقد توجد مبررات إدارية، لكن في زمن المنافسة الإعلامية لن ينتصر إلا الأقوي، بمعني الذي يوفر عناصر النجاح لإعلامه بما يخدم استراتيجيته ومصالحه، ويوفر له قدراً من الحرية في التحرك بعيداً عن التوجيهات المكتبية والقرارات البيروقراطية، وبعيداً عن الخطابة الإنشائية أيضاً. فنحن لن نمتلك إعلاماًَ مقاوماً بالحديث عن المقاومة، ولن نمتلك إعلاماً ناجحاً بالدعوة إلي تطوير الإعلام دون أن نوفر العناصر المادية لهذا التطوير، والحرية لذلك النجاح.
والإعلام الناجح لا يساعد في قطف ثمار الانتصارات السياسية فقط، ولكنه يساعد أيضاً في الحفاظ عليها وتثميرها إن صح التعبير، إذ لا يوجد ثبات في الحقائق السياسية، لأنها موضوع فعل وتأثير مستمر، وبالتالي هو موضوع قابل للتغير في أي لحظة، وكم انتصار لم نعرف كيف نستثمره حتي انقلبت نتائجه علينا، ولات ساعة مندم. وليس أدل علي ذلك من نتائج حرب تموز التي أُحتفل مؤخرا بالذكري السنوية الأولي لها، فهذا النصر بالقياس علي هزيمة أعدائنا كما اعترفت لجنة فينوغراد، أضعناه في حروب إعلامية لاحقة، وأضعناه في تفسيرات أيديولوجية قاصرة، وأضعناه في الاستطرادات الإنشائية الغبية، وفي كل ذلك كان الإعلام تابعا للسياسة أيضا، فلم يبقي لنا إلا ذكري الانتصار.
والأخطر من ذلك أن الإعلام نفسه يتحول إلي مشجب لتعليق الهزائم والخسارات عليه، من زمن أحمد سعيد وحتي آخر أنبياء الخطابة في زمن الفضائيات العربية المعاصرة. فأي انتصار يُلحق بالسياسة والسياسيين، وأي هزيمة تُحال إلي الإعلام والإعلاميين، وقد شهدنا أقلاما تتدحرج غير مأسوف علي حبرها، كما شهدنا إدارات تتغير غير مأسوف علي مصيرها، وأعتقد أن الإشكالية لا تقوم تبعية الإعلام للسياسة بالمعني العام، بل تقوم علي معطي افتقاد الحرية حتي ضمن العلاقة السابقة. إما بسبب البنية البيروقراطية للأنظمة الإعلامية، أو بسبب الهيمنة الأيديولوجية، فلا يوجد حرية للإعلام في الدفاع عن المصالح التي يُمثلها أو يُعبر عنها لا بالمعني السياسي ولا بالمعني المهني، وهذه أهم أسباب الخلل في العلاقة ما بين الإعلام والسياسة، والتي يمكن للنصر أن يضيع من بين مساربها.

الإعلام العربي والإعلام الناطق بالعربية!

بينما كنت أتابع بالأمس مهرجانا لقصيدة النثر العربية أقيم في المركز الثقافي الروسي، لفت انتباهي إعلان عن فضائية موسكو الجديدة الناطقة باللغة العربية والتي بدأت البث التجريبي منذ الرابع من أيار، وقبلها بأشهر أقامت السفارة الفرنسية بدمشق احتفالا بإطلاق فضائية فرنسية تبث خلال 24 ساعة باللغات الفرنسية والإنكليزية مبدأيا علي أن يكون البث باللغتين العربية والإسبانية قد بدأ الآن، أما فضائيات الحرة وال BBC فتكاد أن تصبح بالتقادم فضائيات وطنية عربيا بامتياز، حتي أن الحكومة الإسرائيلية تفكر بإطلاق فضائية منافسة تبث باللغة العربية، وتهدف لتسويق وجهات نظرها ودعايتها السياسية للمشاهدين العرب.
ولو أخذ الأمر بالمعني الإحصائي فسوف نجد مئات الفضائيات العربية التي تتوجه لهذا المشاهد العربي، وبالتالي سوف نقول لا ضير أو خوف من بضعة فضائيات أجنبية ناطقة باللغة العربية تحاول أن تغزو الأثير العربي، طالما أن فضائياتنا العربية قد احتلت معظم مساحته التي يمكن أن تستقطب المشاهد العربي. لكننا وبكل أسف سنكتشف أن المسألة ليست كمية أو إحصائية بالمطلق، فالعشرات من الفضائيات العربية تتمني لو أنها لم توجد أصلا، وإذا كان البعض يشكو من سطوة الروتانات في حقبة فضائية ما، فإننا الآن نكتشف أهمية هذه الروتانات بالقياس إلي الحقبة الفضائية الجديدة، والتي تكاد فيها محطات التنجيم والشعوذة باسم العلم تارة وباسم الدين أخري أن تحتل كامل الأثير العربي، غير تاركة أمام ذلك المشاهد المسكين من خيار لمعرفة ما يجري حوله من أحداث إلا عبر تلك الفضائيات الأجنبية الناطقة بالعربية.
خطورة هذه المسألة أن الإعلام لم يعد ناقلا للحدث، بقدر ما هو صانع له، من خلال تأثيره بالرأي العام للمجتمعات، بل ومن خلال صناعة هذا الرأي العام أيضا، ونلاحظ أن الفضائيات الأجنبية الناطقة بالعربية تمتلك قدرة تنافسية أعلي في الوصول إلي المشاهد العربي، وبشكل خاص أمام تكلس بعض الفضائيات الرسمية في دفاعها عن سياسة الأنظمة التي تمثلها، أو في تبنيها لمواقف أيديولوجية مسبقة، أو في تقصيرها عن امتلاك التكنولوجيا وأدوات العمل التنافسية، فالمراسل والكاميرا الموجودة في مكان ولحظة الحدث ما زالت ترفا بالنسبة لأغلب الأعلام الرسمي، ناهيك عن الحرية التي يفتقدها ذلك الإعلامي في عمله.
لكن ما يعزز من خطورة هذه اللوحة، سيادة التوجه الديني في الكثير من الفضائيات الخاصة والتي تتكاثر بطريقة الإنشطار الذاتي للبرامسيوم، وليست الخطورة في هذه الفضائيات نابعة من ادعائها الدين، بل من خلال ما تبثه باسم الدين من فتاوي وتحليلات وتحريمات، تكاد تعمي علي العقل وتغيب الدين أيضا، وراء شبكة من الغيبيات والجهالة، تصل حدّ معرفة الغيب والتنبؤ بالطالع ومعرفة إخلاص الحبيب وموعد الزواج وإمكانية الإنجاب، ويكفي ذلك المشاهد الحصيف أن يقدم أسمه وتاريخ ميلاده لذلك العالم الفلكي حتي يكشف له الحجب ويطلعه علي المستقبل، بل ويقضي له علي الأعداء من الأنس والجان أيضا، فهؤلاء أصبحوا جزءا من مفردات ثقافتنا الشعبية، يقاسمون الرجل فراش الزوجية، وغلة آخر الشهر.
المشكلة الآن ليست في أن المطربة الفلانية ظهرت في ثوب غير محتشم، فهي تقدم فنا هابطا في اللحن والكلمات والأداء حتي لو أنها ارتدت كل أثواب العالم، المشكلة ليست في أن المذيعة لا تتقن مخارج الحروف وعلامات الإعراب، فهي تتعامل بغباء حتي لو أنها امتلكت فصاحة العرب ومنطق الطير، المشكلة في إعلامنا العربي هي افتقاده للمشروع الذي يرسم توجهاته، وافتقاده للحرية الضرورية لنجاحه، وافتقاده لأدوات العمل والتطور التكنولوجي، وافتقاده للعمق السياسي الذي يصنع نجاحه ونجاح السياسة أولا وآخرا.
أقول أننا لسنا ضد الفضائيات التي تهتم بتفاصيل فنية أو رياضية، ولسنا ضد الفضائيات التي تهتم بالموضة أو الموسيقي ، ولكننا ضد أي شكل من الإعلام الذي يُغيب العقل لصالح الخرافة، ويُغيب الإنسان لصالح الأوهام، ويُغيب الحرية لصاح الطغاة ، لأن هكذا إعلام وحده الذي يُخلي الأثير العربي أمام الفضائيات الوافدة إلينا من كل أصقاع العالم، لتنثر أمامنا ديماغوجيتها وتعيد صياغة آراءنا ومواقفنا من كل ما يجري في العالم وبشكل خاص مما يجري في منطقتنا العربية.
كاتب من سورية