محاولة في تعريف الفساد

 

مع تصاعد واتساع سياسات الانفتاح الاقتصادي، والنشاط الاقتصادي المتزايد لرفع القدرة التنافسية للمنتجات، والذي ترافقه حركة الأموال، وحركة غسيل الأموال، المتصلة بالجريمة المنظمة، وتشديد الرقابة على الحدود الدولية لمنع الهجرة والتهريب. ان الفساد منتشر في كافة بلاد المعمورة، دون النظر الى انظمتها السياسية، فهو موجود في الجمهوريات الديموقراطية. والديكتوريات العسكرية. وفي النظم الاقتصادية المختلفة من الاقتصادات المفتوحة الى الاقتصادات المغلقة ذات التخطيط المركزي (على قلتها) كالصين وكوريا الشمالية وكوبا. منذ تسعينيات القرن الماضي، ومع انتشار تلك الدعوات المشار اليها سابقا تصاعد الفساد في جميع أنحاء العالم الى درجات غير مسبوقة، ولذلك تزايد الوعي في سبيل مكافحته. وأظهرت الأبحاث العديدة التي نشرت من قبل المؤسسات المتخصصة على الاكلاف الباهظة التي يتطلبها القضاء عليه. كما على دوره في إعاقة النمو الاقتصادي وتخريب التنمية الاقتصادية. وانعكاس ذلك على الوضع الاجتماعي في اي بلد يعاني من تلك الآفة الخطيرة والمسماة بالفساد. لقد حملت موجة العولمة بعد انتهاء الحرب الباردة بروز ظاهرة الشركات المتعدية الجنسية، التي تبلغ رساميلها ودورتها الاقتصادية تريليونات الدولارات، مما يجعلها تسيطر في الواقع على مجمل الاقتصاد العالمي. كما رافق ذلك تغير في آليات الاقتصاد التقليدي السابق، مما يجعل الاقتصاد العالمي الحالي اقتصادا جديدا يختلف عما سبقه، مع تعزيز وتشديد وتصعيد للاستغلال الرأسمالي، مما يتبعه حتما انتشار للفقر لا مثيل له، في كل ارجاء العالم.
ان مكافحة الفساد تقتضي الدعوة الى اقامة الندوات والمؤتمرات حول هذا الموضوع الشائك والمعقد. ويقتضي ذلك كتابة الابحاث والدراسات وفضح الطرق والأساليب الشيطانية التي يلجأ اليها المفسدون. وهي أساليب مبتكرة في غالب الأحيان. وقد عقد المؤتمر الأخير حول هذا الموضوع في الكويت. وتناول موضوع الفساد من منظور اقتصادي. وذكرت منظمة الشفافية الدولية على لسان رئيسها ان حجم الخسائر التي تلحق بالاقتصاد العالمي نتيجة انتشار ظاهرة الفساد بأشكالها المختلفة يقدر بأكثر من 400 مليار دولار سنويا. كما اوضح ايضا ان ظاهرة الفساد اصبحت من المظاهر الرئيسية التي تهدد جميع اشكال التطور التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتؤثر سلبا في مسيرة الدول الاقتصادية وسعيها نحو تحقيق أعلى معدلات النمو، مشيرا الى ان الفساد في العديد من دول العالم ينطلق احيانا من ضعف السلطة السياسية او نتيجة اغفال تطبيق القوانين. وأعطى ذلك المؤتمر اهتماما خاصا للفساد في البلدان النفطية، مشيرا الى ان الدولة التي تعتمد على الثروات الطبيعية تحتاج الى بناء معايير خاصة بالشفافية. كما يجب على تلك الدول اعطاء معلومات مفصلة عن تلك الثروات في مختلف مراحل الانتاج والتصدير.
يرتبط اصحاب السلطة بالطبقة السياسية والاقتصادية الفاسدة، ويشكل هؤلاء جميعا سدا منيعا في وجه التنمية الاقتصادية. ولكن ما هو الفساد، وما هي انواعه، وهل هو ظاهرة يصعب السيطرة عليها أم أنها ظاهرة يختص بها بلد معين في وقت معين وكيف يمكن اكتشافه بسرعة وما هي الوسائل المتاحة للقضاء عليه؟
تعرف منظمة الشفافية العالمية الفساد بأنه «استغلال السلطة من اجل المنفعة الخاصة» اما البنك الدولي فيعرف الفساد بأنه «اساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول او طلب ابتزاز او رشوة لتسهيل عقد او اجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء او وسطاء لشركات او اعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات او اجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق ارباح خارج اطار القوانين المرعية. كما يمكن الفساد ان يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء الى الرشوة وذلك بتعيين الاقارب او سرقة اموال الدولة مباشرة».
من خلال هذا التعريف يمكن تبين آليتين رئيسيتين من آليات الفساد اولهما آلية دفع الرشوة والعمولة الى الموظفين والمسؤولين في الحكومة وفي القطاع العام والخاص مباشرة لتسهيل عقد الصفقات وتدبير الأمور اما الثانية فهي الرشوة المقنعة في شكل وضع اليد على المال العام والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي. وهذا النوع من الفساد هو الأكثر انتشارا في البلاد العربية.
هذا النوع من الفساد يمكن تسميته بالفساد «الصغير» اما الفساد «الكبير» فهو امر مرتبط بالصفقات الكبرى في المقاولات وتجارة السلاح والحصول على توكيلات الشركات العالمية.
وإذا تركنا مؤقتا الفساد «الاقتصادي» واتجهنا الى الفساد «السياسي» لرأينا انه أخطر بكثير اذ انه مرتبط عادة بتفصيل قوانين انتخابات وتمويل حملات اعلامية تضمن لبعض السياسيين الاستيلاء دون وجه حق على مناصب حكومية رفيعة لا يستحقونها، لانعدام المواهب القيادية فيهم.
تتركز بعض تعاريف الفساد على الجانب الاخلاقي. وهذا الأمر على أهميته يتعلق بجانب نسبي وهو يختلف من مجتمع الى آخر.
لقد حملت عمليات الخصخصة التي جرت في كثير من بلدان العالم الى ظهور نوع جديد من الفساد هو «التوجه لبيع أملاك الدولة بواسطة المسؤولين الحكوميين. لتحقيق المصالح الشخصية». ويقع هذا النوع من الفساد في فئة الفساد «الكبير» الذي يخالف القانون والذي يحدث عادة في بلاد لا تحترم قوانينها ويؤدي ذلك الى تسرب الفساد الى الجسم القضائي المؤتمن عادة على إحقاق الحقوق وضمان العدالة.
وفي الخلاصة فإن الفساد ظاهرة اقتصادية واجتماعية وسياسية توجد في كل دول العالم، وإن كان الأمر متفشيا في البلدان التي يدعونها بالعالم الثالث حيث يتم الوصول الى الحكم عادة بطرق غير مشروعة. ويتشخص ذلك الفساد في قيام السياسيين باستغلال مراكزهم من أجل المصلحة الخاصة.
يحصل الفساد عادة في خطوط التماس بين القطاعين العام والخاص. وتقول في ذلك الباحثة سوزان روز اكرمان «كلما كان لدى مسؤول عام سلطة استنسابية في توزيع منفعة او تكلفة ما على القطاع الخاص فإن حوافز الرشوة تتولد».

 

الآليات الجديدة للفساد  

 
يعم الفساد في دوائر الدولة وشركات القطاع الخاص من خلال خطوط الاتصال بينهما، وأهم آلية له هي الرشوة التي تتعدد انواعها واهمها الرشوة التي تدفع من اجل الحصول على منفعة حكومية. اذ ان الحكومات تقوم بتقديم بعض الخدمات للمواطنين في وظائف تتسع وتضيق بحسب مستوى تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية. وهكذا يدفع بعض الافراد الرشى للمسؤولين لتخطي القواعد والنظم والاجراءات العامة. ويبرز هذا النوع من الفساد في حالات المناقصات والمزادات بغرض الفوز بها. وذلك في كافة مراحل تلك العملية، وخاصة النواحي المالية والفنية من حيث المواصفات. اما في حالة بيع المؤسسات الحكومية لبعض السلع والخدمات فإن فرص الفساد تتسع وخاصة اذا كانت اسعار البيع تقل عن التكلفة. وفي حالة منح القروض وتسعير الفائدة بواسطة الدولة فإن الرشى تدفع مقابل الحصول على الائتمان. كما ان اسعار الصرف المتعددة تفرز الحوافز لدفع الرشى للحصول على النقد الاجنبي باسعار تقل عن اسعار السوق.
تزيد فرص الفساد في حالة تقديم الدعم والمنافع من قبل الدولة، وفي حالة استخدام الموظفين الحكوميين لتقديراتهم الشخصية عند اتخاذ قرار بشأن من يحق له الحصول على استحقاق ما. كما كشفت عمليات الخصخصة التي جرت في كثير من البلدان عن عمليات فساد كبيرة. ذلك ان مجرد بيع الدولة لبعض مؤسساتها الاقتصادية يخلق بحد ذاته حافزا كبيرا للفساد.
ان اللوم يجب ان لا يلقى دوما على الفاسدين والمجرمين، لان قضية الفساد اكبر من ذلك بكثير، وهي تتعـلق بعمليــة مدروسة ومخطط لها سابقا. ومن يقـرأ تاريخ الرأسمالية ير أنها ارتبطت بعمليات النهب الكبرى لثروات البلدان المستـعمرة في الخارج، وعملية استغلال العمال في الداخل وتشغيل النساء والاطفال في ظروف عمل سيئة للغاية وعند تحليل الحقائق والوقائع في ما خص آليات تراكم رأس المال والثروات الهائلة نرى ان تلك الآليات قامت اساسا على النهب والاجرام. كما نرى ان تلك الامور لم تتم تلقائيا وعفوا، بل كان مخططا لها بعناية واحتراف ويتركز الفساد اليوم بالعمليات السرية التي تقوم بها الشركات المتعددة الجنسية ومنظمات الجريمة والمافيات. ويندرج ذلك كله تحت عباءة العولمة السيئة الذكر. ويستخدم المال الفاسد اساسا لاجراء تغييرات في بنية الدولة وفي قلب المعادلات السياسية.
ويظهر الفساد جليا ايضا في حالة تجنب دفع التكاليف او تخفيض الاسعار. اذ ان من وظائف الدولة الاساسية جباية الضرائب. وتمر تلك العملية بمراحل عديدة، اي من وقت موافقة مجلس النواب عليها، الى فرض الضريبة، او الاسس التنظيمية، بحيث توجد اجتهادات بسبب عدم الوضوح، او عندما يترك الامر لاستنساب الموظفين الحكوميين، يجد المكلف بأداء الضريبة فرصة لاستغلال الموظف، او سوء امانته لتجنب العبء الضريبي كليا او جزئيا.
عندما يصبح الفساد شاملا وعاما في البلد، تصبح المناصب والوظائف الحكومية من الاصول الثمينة، ويتوسع الطلب عليها، ولذلك تنشأ سوق نشطة لمناصب الدولة التي تدر ايرادا جانبيا على شكل رشى ومكافآت. وفي المكاتب الحكومية يختلف «الريع» بحسب الموقع الوظيفي. وهكذا عندما يشمل الفساد كل شي ء يصبح لكل موقع ثمن يناسب المكانة الوظيفية. وقد لا يقتصر الامر على الوظيفة الحكومية، بل قد يصل الى الهيئات التمثيلية مثل البلديات ومجلس النواب. ويثار هنا السؤال: من يدفع للوصول الى تلك المراكز، يعرف ايضا انه يفوز بأضعاف من تلك المبالغ المالية التي دفعها.
وعند التقدم للحصول على قروض او معونات خارجية لا بد لاي دولة من تقديم دراسة استشارية معتمدة، وقد استطاعت اميركا والدول الاوروبية اقامة نوع من شيكات الدراسات الاستشارية تروج لبرامج المؤسسات الدولية في الخصخصة والتحول الى الاقتصاد الحر واقتصاد السوق وتحرير التجارة ودمج الاقتصادات الوطنية بالاقتصاد العالمي وشبكة المعامـلات المالية الدولية، من دون اعتبار للمصلحــة الوطنية. وعن طريق تلك المكاتـب الاستــشارية يجري اعداد «نخب» موروثة تسوق تلك الافكار، ومن بعد يحصل رجال اعمال يرتبطون بمصالح خاصة مع تلك الفئات من الموظفين الاداريين ويتم عبرهم تسهيل الحصول على العقود الخاصة بتنفيذ برامج القروض والمعونات التي تمتد الى عقود المشاريع التنموية الكبيرة. وهذا النمط من اشكال الفساد الجديد يعتبر خطيرا جدا لانه يؤثر في نزاهة النظام وجدية مشاريع التنمية وسلامة اختيار التكنولوجيا الملائمة.
وفي الحروب المثارة حاليا وخاصة في العراق برزت ظاهرة «بيزنس الحرب» اذ اظهرت الوقائع تلك العلاقة المشبوهة بين الصناعات العسكرية والبيوت المالية والمؤسسات الاعلامية وشركات المقاولات في اميركا وخاصة شركة «هاليبرتون» النفطية. وبدت تداعيات الحرب وكأنها تجري لصالح هؤلاء جميعا، بقيادة الطغمة اليمينية الصهيونية الحاكمة. وتجري الآن تحقيقات في اكثر من مئة عقد مشكوك بأمرها.
ان العلاقة بين السلطة والثروة امر معروف جيدا منذ زمن بعيد. ولكن القاسم المشترك بينهما اصبح الأن هو الفساد.
وتؤكد دراسة متخصصة استخدمت فنون الانحدار Panel Regression وجود علاقة قوية بين نسبة الانفاق العسكري والفساد. بمعنى ان الحكومات الاكثر فسادا تميل الى الانفاق العسكري الاكبر ذلك بسبب انعدام الرقابة الفعالة على هذا النوع من الفساد وما فضيحة الامير السعودي بندر بن سلطان بعيدة عن الاذهان اذ تقاضى عمولة ملياري دولار عن صفقت «اليمامة» بمعدل 30 مليون دولار شهريا خلال اكثر من عقدين. وقد كتب الاستاذ عامر خياط في جريدة الحياة (24/4/2004) وتحت عنوان مقال «تنمية الفساد أم فساد التنمية» فقرأ ما يلي «ان المتراكم من اجمالي الدخل القومي العربي للنصف الاخير من القرن العشرين (1950_2000) بنحو 3000 مليار دولار اي (3 تريليون دولار) ويقدر ما صرف على التسلــيح من هذا المبلغ بحدود الف مليار دولار. اما عمليــة اعمار البنى التحتـية وما خصــص للقطــاعات الصناعية والزراعية والخدمية فقد استهلك بحدود الف مليار دولار اخرى خلال الفترة ذاتها. اما الالف الثالثة فيقدر انها ذهبت الى اشخاص ومؤسسات عملوا وسعوا من اجل «تسهيل» و«تسيير» العمليات والاعمال المطلوبة للشقين الاولين» وهذا يعني ان صحت هذه الارقام ان ثلث ثروة الامة نهبت وحجبت عن مشـروعات التنمية نتيجة الفساد. ما اسهم في ضياع فرص التنمية. ان تلك الارقام تتحـدث عن نفسها، ولا يحتاج الامر لاي تعليق

 


([) كاتب لبناني