السيد رئيس مجلس الشعب..‏

السيدات والسادة أعضاء المجلس. .‏

أيتها الاخوات.. أيها الاخوة..‏

تغمرني وأنا أتحدث اليكم في هذا اليوم الوطني الذي نقف فيه على أعتاب مرحلة جديدة في مسيرتنا الوطنية.. مشاعر شتى مازالت تتنامى في داخلي منذ اختار الشعب.. قبل أعوام سبعة ماضية.. أن أكون في موقع القيادة منه.. لتصبح رصيدي الاغلى الذي أستلهمه في كل عمل أقوم به أو مسؤولية أنهض بها أو قرار أتخذه.. انها مشاعر الحب والتقدير.. الفخر والاعتزاز.. مشاعر الشكر والعرفان نحو وطن عظيم وشعب أبي.. نحو أسرتي السورية الكبيرة التي أحاطتني بفيض من العواطف النبيلة وأمدتني في الاوقات الصعبة بالقوة والعزيمة.‏

وكان عهدي للمواطنين على امتداد بلدنا الحبيب أن أكون عند قدر خيارهم وأحمل المسؤولية الكبرى وأتمثل أخلاقياتها.. وأن أفي الشعب حبه وتأييده بالمزيد من الارادة والعمل من أجل تحقيق تطلعاته.. وأن أبادله ثقته ووفاءه بالارتقاء بالاداء والفعل إلى تلك المكانة التي يستحقها.. وأن أبادله صموده وصلابته بالعطاء وبذل كل الجهد في سبيل صون مصلحة الوطن والمواطنين.‏

لقد كانت مظاهر المحبة التي عبرتم عنها.. بمناسبة الاستفتاء على ولاية دستورية جديدة.. وعناوين التأييد التي تجلت في مختلف نشاطاتكم وفعالياتكم الجماهيرية في المدرسة والجامعة.. في القرية والمدينة.. في الحي والمؤسسة. . في سورية وفي المغترب.. تعبيرا بالغ الدلالة عن سمو العلاقة الوجدانية التي نعيشها في سورية.. وافصاحا عن تلك الارادة الشعبية في استمرار نهجنا الوطني والقومي.. وتجسيدا لهذه الوحدة الوطنية العملاقة العصية على الاختراق.. والتي كانت وستظل سندنا الحقيقي في كل ما قمنا به أو أنجزناه.. كما حملت رسائل عديدة واضحة للجميع.. مفادها أن هذا الشعب لايزال يحتضن مشروع الامة الواحدة.. مشروع نهضتها واستقلالها.. ولايزال الداعم الفعلي لكل من يحمل هذا الفكر ويجسد هذا المشروع.. وهو يرفض لأجل ذلك فكر التفريط والاستسلام.. فكر الانغلاق والجمود.. ويتصدى لمشاريع التفتيت والتقسيم.. مهما اتخذت من عناوين براقة.‏

لقد انعقدت بيننا.. أيها الاخوات والاخوة.. خلال السنوات الماضية والتي عرفتموني فيها عن قرب.. وخبرتموني في مختلف المواقف والمواقع.. صلة حية مفعمة بالمعاني الوطنية والانسانية.. جسدت حالة حقيقية للقاء الشعب مع واحد من أبنائه حمل هموم هذا الشعب.. وعبر عن رغباته وتبادل معه معاني الحب والانتماء.‏

وعملت خلال تلك السنوات.. على ترسيخ القيم البناءة في علاقتي بالمواطنين. . عبر الابتعاد عن الشعور بصاحب السلطة إلى الشعور بصاحب المسؤولية.. وتكريس صورة المواطن قبل صورة الرئيس.. بهدف الوصول إلى مفهوم المواطن المسؤول.. والمسؤول المواطن. واذا كان من نجاح في ذلك.. فانما يعود الفضل فيه اليكم.. الى شعب حي أصيل استوعب جوهر العلاقة بين المواطنة والمسؤولية.‏

وترسخت معها لدي قناعة لا تتزعزع بأن ما يحفظ سورية.. وما يصون استقرارها. . ليس الثروات والامكانات المادية على أهميتها.. بل التراث المعنوي الغني بجوانبه وقيمه المختلفة.. لاسيما منها الجانب القومي.. بالاضافة الي المواقف السياسية السليمة التي تستلهم هذه القيم وتحقق أكبر قدر من الاجماع الشعبي. ولكي تكون المواقف كذلك.. لابد من أن تنطلق من الشعب.. من أفكاره وطموحاته.. من مبادئه وعقائده.. ولابد أن تعبر عن مشاغله ومصالحه.. وهذا يستند إلى القراءة الصحيحة لهذا الشعب لأن النجاح في قراءته.. أي في قراءة الشعب.. هو نجاح في رؤية الواقع وهو الطريق للنجاح في المهام الوطنية لاي مسؤول يكلف في أي مهمة وطنية على الساحة الوطنية.‏

وقد أثبت شعبنا عند المحطات التاريخية التي مررنا بها.. امتلاكه احساسا صادقا ورؤية نافذة تجاه ما واجهناه من استحقاقات.. مكنه من تمييز الجوهري من الطارئ.. والاصيل من الزائف.‏

لذلك لم تكن مصادفة أن يعيش هذا البلد الصامد سليما معافى وسط هذا المحيط الزاخر بالاضطراب. لم يكن مصادفة أن يتمتع بأرقى درجات الانسجام والاستقرار في قلب هذه الامواج العاتية من الصراعات الدولية التي تكاد تغرق المنطقة في حال من الفوضى العارمة.. ويخوض معاركه بشرف واباء في سبيل نهضة الامة واستقلالها مهما كلفه ذلك من ثمن.‏

أيتها الاخوات.. أيها الاخوة الاحبة..‏

لقد واجهنا في السنوات الماضية.. تحديات صعبة.. ضغطت على مواردنا واستحوذت على جانب كبير من وقتنا وجهدنا.. وقد جاءت هذه التحديات في وقت كنا قد شرعنا في عملية تطوير واسعة المدى والابعاد.. كانت تتطلب هي الاخرى تعبئة طاقاتنا ومواردنا واستثمار الزمن بأقصى ما يمكن من فاعلية.‏

ولكن بمقدار ما شغلتنا هذه التحديات نفسيا وفكريا.. وبمقدار ما استنفرت امكاناتنا وقوانا.. بمقدار ما جعلتنا أصلب عودا وأكثر قدرة على المواجهة. . وهذا ما كان ليتحقق بهذه الدرجة من الثقة والثبات.. لولا متانة مجتمعنا الذي صقلته التجارب والتحديات خلال العقود الماضية.. فأضافت إلى خصاله التاريخية ميزة الوعي الوطني والقومي العميق.. والرؤية البعيدة الصائبة.. التي كانت بالنسبة لي السند الذي أعتمد عليه والبوصلة التي أهتدي بها في أي قرار اتخذته كبيرا كان أم صغيرا.‏

ووضعنا نصب أعيننا أن تصب كل خطوة قمنا بها أو نحن في صددها في قوة الدولة ورفعتها.. فالدولة القوية هي التطوير وهي الاستقرار. والدولة لا تكون قوية الا بقوة مواطنيها النابعة من شعورهم بمواطنتهم والمرتكزة الى مشاركتهم جميعا وتحملهم المسؤولية حسب مواقعهم. والمواطنة والتشاركية لا تكتملان الا عندما نعرف واجباتنا بالقدر الذي نعرف فيه حقوقنا.. ومسؤولياتنا تجاه الاخرين بمقدار مسؤولياتهم تجاهنا.‏

وعلى ذلك كان المبدأ الذي انطلقت منه في عملية الاصلاح الداخلي التي اعتمدناها وهو اشراك كل مواطن باعتباره فاعلا رئيسيا فيها.. وحرصت لأجل ذلك على بناء علاقتي بالشعب على أسس ثابتة من الوضوح والشفافية بحيث تكون المعطيات الاساسية التي تبنى عليها سياساتنا بين أيدي الجميع وكذلك المبررات التي نستند اليها في قراراتنا.. والمعوقات التي تعرقل تنفيذها.‏

وكنت حريصا على احترام الشعب.. من خلال حرصي على الصراحة والوضوح معه.. انطلاقا من قناعتي بأن انجاز أي أمر مرهون بمجموعة مركبة من العوامل والاعتبارات.. يأتي في مقدمتها الدعم الشعبي للتوجه المطروح.. ونجاحنا في ذلك يرتبط بمواظبتنا على تزويد المواطنين بالمعلومات الصحيحة ليكونوا على صلة وثيقة بما يجري.. بالتوازي مع الحوار الصريح والمتواصل معهم لتشكيل قناعات مشتركة تشكل الداعم الاساسي لعملية التنمية.‏

وكان نقاش واسع قد جرى مع بدء عملية التطوير حول مفاهيم هذا التطوير وأسسه.. والسرعة المطلوبة في تحقيقه وترتيب الاولويات الوطنية بداخله.. وغير ذلك من مفردات النقاش الذي كان رائده طموح واسع من المواطنين لانجاز كبير في زمن قياسي .‏

واختلفت الرؤى وتباينت الاجتهادات.. وكان ذلك أمرا طبيعيا لأن كلاً منا يرى بأن مسؤوليته أن يقدم اسهامه في هذا الشأن أو ذاك من شؤوننا الوطنية.. ويجد في نفسه القدرة على ذلك.. وهو ما حرصنا على تشجيعه وتغذيته بكل رحابة صدر.. لاننا وجدنا في ذلك اغناء لتجربتنا التطويرية واطلاقا لها إلى آفاق أرحب. وبغض النظر عن واقعية بعض الافكار أو مثاليتها وعن منطقية بعضها الاخر أو عدم منطقيته.. وبغض النظر عن أن من يرى عن بعد ليس كمن يكون في قلب الحدث.. وأن من يطرح فكرة ليس كمن يتخذ قرارا أو يتحمل مسؤولية تطبيقه.. فإنني كنت أرى في هذا النقاش الدائر عنوانا لحيوية شعبنا ودعما مباشرا لعملية الاصلاح الجارية.. حيث أصبحت الساحة الاجتماعية ملتقى واسعا للحوار وتبادل الافكار التطويرية .‏

ولكن اذا كان التطوير يعتمد بشكل أساسي.. على ارادة المسؤول ورؤيته.. وعلى أداء مواقع القرار في الدولة.. أفرادا ومؤسسات.. فهذا لا يعني أنه يمكن لعملية التطوير أن تقفز فوق الواقع الذي نعيش فيه.. أو تتجاوز الحقائق التي تحيط بها.. وخاصة ما يرتبط منها بسياق تطورنا التاريخي وبالحالة الثقافية والاجتماعية والمفاهيم السائدة في مجتمعنا.. والتي تشكل الارضية التي يبنى عليها أي تطوير.. وهنا يصبح الحديث عن انجاز أي اصلاح أو تطوير مرتبطا بتغيير هذه الارضية أو بقائها إلى حد كبير.. وتغيير هذه الارضية يرتبط بمدى رغبتنا وقدرتنا أيضا على أن نفرز ما يفيد وما لا يفيد من عناصرها.. وعلى أن نعزز العناصر الايجابية التي تدفع عملية التنمية إلى الامام.. وتصون في الوقت نفسه.. استقرار مجتمعنا وأمنه الداخلي. وهذا كله يندرج كما هو معلوم.. في سياق عملية صعبة ومعقدة تتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا.. وقبل كل شيء أدوات ملائمة .‏

وكل تلك الاعتبارات كانت واضحة في أذهاننا ونحن نمضي في مشروعنا الاصلاحي اخذين بعين الاعتبار مجموعة من الاولويات التي حددنا ترتيبها بحسب حيويتها والحاحها بالنسبة إلى جماهيرنا من جهة.. وبحسب أهميتها في تعزيز قدراتنا الذاتية من جهة ثانية.. وبحسب امكانية التقدم فيها بأسرع وقت ممكن.. ريثما يتم تذليل العقبات التي تعترض التقدم في المجالات الاخرى.. من جهة ثالثة. أي اعتمدنا ثلاثة أسس لوضع الاولويات.. وكانت الاولوية الاولى الواضحة من خلال التواصل المباشر مع شعبنا بقطاعاته المختلفة.. هي الهم المعاشي.. لذلك أولينا هذا الجانب الاهتمام الاكبر.. وحرصنا على اصدار القرارات الخاصة بزيادة الرواتب والاجور كلما توفرت الامكانات لذلك.. وهو ما سنستمر فيه وفق نهج مدروس.‏

طبعا دائما هناك حديث عن موضوع الرواتب وخاصة الان في مرحلة الانتخابات والقسم. أنا لا أحب أن نربط هذا الموضوع بالمناسبات.‏

بالحقيقة هو حق لكل مواطن أن يفكر يوميا بتحسين وضعه المعاشي.. وحق لكل موظف في الدولة أن يفكر كل يوم في زيادة الراتب. بنفس الوقت.. هو واجب على الدولة في كل يوم أن تفكر في تحسين الرواتب للموظفين والعاملين فيها.‏

ففي المرحلة الماضية.. لم نوفر فرصة عندما يكون لدينا مبلغ متوفر جارٍ.. يعني يمكن أن يستمر دائما.. الا وقمنا بزيادة الرواتب بنسب مختلفة حسب الامكانية. وعندما لم يكن يتوفر مبلغ جارٍ.. كنا نقوم باعطاء مبلغ لمرة واحدة على شكل منحة بمناسبة وبغير مناسبة.. بهدف أن نحاول مساعدة المواطنين أصحاب ذوي الدخل المحدود ولو مساعدة جزئية.. وخاصة اذا ارتبطت مناسبات معينة بحاجة لبعض المصاريف كالاعياد أو كبدء العام الدراسي.‏

فاذا سنستمر في هذا الموضوع. ولكي لا نقول الان نحن نفكر في هذا الموضوع.. نحن كل يوم نفكر به.. ومنذ أيام كنت أتحدث مع السيد رئيس الحكومة حول هذا الموضوع لنرى ما هي الامكانيات المتوفرة. وبكل تأكيد.. ومن دون مطالب.. عندما يتوفر مبلغ.. سنقوم بذلك بشكل آلي لمصلحة المواطن ولمصلحة الدولة بنفس الوقت.‏

وكان قرارنا الاستراتيجي يقضي بضرورة بناء أسس متينة للاقتصاد الوطني تلامس مختلف أوجهه.. كي نتمكن من تحسين المستوى المعاشي للمواطنين بصورة جدية ومستدامة.. مع الحفاظ على المكتسبات التي تحققت للشرائح الواسعة وتعزيزها.. لذلك باشرنا باتخاذ مجموعة من القرارات والتدابير الحاسمة والتي شكلت بمجموعها منعطفا فعليا في تطورنا الاقتصادي .

وكانت نقطة البدء في كل ذلك.. توفير المناخ السياسي والفكري والتشريعي الملائم.. حيث صدرت القرارات السياسية التي هيأت البيئة المناسبة لاجراء التحولات الاقتصادية المطلوبة.. وفتحت المجال واسعا أمام حركية جديدة للاقتصاد الوطني .‏

وتم اقرار مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يفتح المجال واسعا أمام المبادرة الفردية والاحتكام إلى اليات السوق.. في اطار قيادة الدولة للعملية التنموية.. وادارتها لحركة النشاط الاقتصادي.. وتهيئتها البيئة التنظيمية المحفزة.. وفي ضوء استمرار الدولة في أداء دورها راعيا لحقوق الشرائح الشعبية.. بما يتضمنه ذلك من تحقيق العدالة الاجتماعية.. ومكافحة الفقر والبطالة.. وتدعيم شبكات الامان الاجتماعي .‏

أيضا كان هناك حديث وحوار كثيران حول موضوع مصطلح السوق الاجتماعي.. وكان معظم النقاش ينطلق مما نقرأه. طبعا هناك نظريات وهناك أفكار وهناك أبحاث أكاديمية.. لكن بالنسبة لنا كدولة.. لا نخضع الا للمصلحة الشعبية.‏

أي لا يفرض علينا مصطلح.. أو شيء معين يجب أن نسير فيه. نحن نحدد أي مصطلح نريد وأي شكل لهذا المصطلح. تذكرون عندما كان هناك كتلة اشتراكية كان هناك تناقض كبير بين الاشتراكيات الغربية والشرقية.. حتى ضمن الكتلة الشرقية كان هناك تباعد في بعض الاحيان بين نمط الاشتراكية .‏

المهم.. عندما يأتي أحد الينا ويقول .. هذا هو القاموس وهذا المصطلح يختلف عما تقومون به.. نقول له.. لا تؤاخذنا هذا ما نريد وهذه مصلحتنا .‏

فاذا يجب أن ينطلق أي نقاش حول أي مصطلح نتبعه في أي مجال من المجالات من تجربتنا ومن رؤيتنا .‏

نأخذ بالتجارب الاخرى بكل تأكيد هناك أشياء مشتركة كثيرة.. ولكن دائما هناك تفاصيل تختلف من بلد إلى اخر يجب أن نضعها بعين الاعتبار. هذا ما نقوم به.. لذلك.. لكي لا يكون هناك تشويش.. ليبقى النقاش حول هذا الموضوع هو ضمن المؤسسات التي تحدد المصالح. عندها سنصل للمصطلح الذي يكون عليه أكبر قدر من الاجماع الشعبي.. والذي يحقق مصالحنا بعيدا عن أية تفسيرات أخرى.‏

وكان في مقدمة المهام التي واجهتنا ضرورة ردم الفجوة القائمة بين متطلبات عملية الاصلاح وبين التشريعات النافذة.. أو غير الموجودة أساسا.. الامر الذي كان يشكل عائقا كبيرا أمام انطلاقة الاقتصاد .‏

لذلك أصدرنا مئات التشريعات والقرارات التي شكلت قفزة واسعة إلى الامام ووفرت الاساس القانوني لتحقيق الاصلاح المنشود.. وجعلت الاصلاح يطال مختلف مجالات النشاط الاقتصادي ويغير مجمل الصورة الاقتصادية والمالية والنقدية.. حيث تم اصدار قانون النقد الاساسي.. وتشكيل مجلس النقد والتسليف وادارته للسياسة النقدية.. واعادة هيكلة المصارف العامة.. وتعزيز دور المصرف المركزي. بالاضافة إلى تطوير المالية العامة وتحسين الادارة الضريبية وتحرير التجارة وتعديل الرسوم الجمركية وتبسيط نظام سعر الصرف وتمويل الواردات .‏

أيضا حول موضوع التشريعات.. في البداية كان هناك حماس لصدور التشريعات بعدد كبير.. هذا في بداية مهامنا.. لاحقا كان هناك حديث بين الناس لماذا تصدر التشريعات ولا تنفذ. ونحاكم لماذا يصدر الرئيس تشريعات ولا تنفذ.‏

من ثم قالوا لي يجب الا يصدر الرئيس تشريعات ان لم تكن ستنفذ. كان جوابي.. لا.. أنا أسير بطريقة مختلفة . لا نستطيع أن نطلب من الناس أن يسيروا في طريق وهو غير موجود. أولا علينا أن نفتح الطريق.. ومن ثم نطلب منهم أن يسيروا. ربما يبقى هذا الطريق شاغرا لسنة أو لسنتين.. ولكن نقطع الطريق على أي جهة تحاول عرقلة الاصلاح أن يكون لديها المبرر.. كأن تقول لا توجد التشريعات الضرورية للانطلاق في هذا العمل.‏

فاذا سنستمر في هذه الطريقة.. وفي اصدار القوانين طالما أننا نشعر بالحاجة .‏

طبعا السرعة لها سلبيات.. وهذه السلبيات لكي لا ننتظر ونقول سندرس الموضوع ومن ثم نتأخر سنوات. قلنا نصدر هذه التشريعات بالرغم من بعض الثغرات التي ربما وغالبا لا نراها في البداية.. ولكن عندما نشعر بأن هناك ثغرة.. فعلينا أن نقوم مباشرة بتعديل هذا القانون. وهكذا كانت ديناميكية اصدار القوانين .‏

أيضا أضفنا شيئا مهما لكي نتلافى هذه الثغرات.. وما قيل في البداية عن أنها لا تطبق. هناك أسباب كثيرة لانها لم تكن تطبق.. أسباب لها علاقة أحيانا بصياغة القانون وأحيانا بلغة القانون وأحيانا بالتعليمات التنفيذية. ما اتبعناه على مرحلتين.. المرحلة الاولى بدأنا نشاور الفعاليات المعنية في هذا القانون.. الفعاليات الاقتصادية في القانون الاقتصادي.. والصناعية في القانون الصناعي.. والفلاحين فيما يتعلق بالزراعة.. وهكذا. طبعا ربما لم تكتمل هذه الالية.. ولكن بدأنا بها بكل تأكيد منذ بضعة أعوام.. ويجب أن نطورها لكي تصبح أكثر فاعلية. هذا يخفف من الثغرات التي من الممكن أن تظهر.‏

انتبهنا لاحقا لشيء اخر.. بأن القانون حتى لو ظهر بشكل أفضل لا يطبق.. وكنا نسمع حديثا موسعا عن موضوع خلل في التعليمات التنفيذية. لاحظنا أن التعليمات التنفيذية تصدر أحيانا مطابقة للقانون.. والتعليمات التنفيذية مهمتها ترجمة القانون إلى خطة عملية تطبق على الواقع. من منا الاقدر على مناقشة هذه التعليمات التنفيذية.. . انه المسؤول عن تطبيقها.. ربما الوزير فما دون.. ربما المدراء.. ربما الموظفون في المستوى الادنى.‏

بدأنا مؤخرا نطلب اصدار التعليمات التنفيذية بالنقاش مع هؤلاء الاشخاص لان الكثير من النقد كان يصدر من الموظفين حول التعليمات التنفيذية فاذا هناك الكثير من الاشياء يجب أن نقوم بها لتطوير هذه الاليات بالشكل الذي نتمكن به من الاسراع في اصدار القوانين بأقل ما يمكن من الثغرات.‏

كما صدرت القوانين والقرارات التي أطلقت.. إلى ميدان العمل.. المصارف وشركات التأمين الخاصة وسوق الاوراق المالية.. وتم فتح أغلب القطاعات الاقتصادية أمام المشروعات الخاصة.. وأعطت الاجراءات الاصلاحية دفعة مهمة للاستثمار في مختلف المجالات. وصدر العديد من القرارات الخاصة بتطوير القطاع العام.. ومعالجة أوضاعه الانتاجية والادارية والمالية.. بهدف تخليصه من المعو قات التي تحد من قدرته على المنافسة.. وهناك خطوات قريبة لتصحيح أوضاع القطاع العام الصناعي.. وسيشكل نفاذ القانون المالي الاساسي في بداية عام 2008 نقطة تحول مهمة لمجمل القطاع العام.‏

كما عمدنا إلى انشاء عدد من المدن الصناعية والمناطق الحرة التي نجحت في استيعاب استثمارات واعدة.. وحققنا تقدما ملموسا في مجال البنى التحتية.. والسكن الشعبي والشبابي.. وشرعنا بتنفيذ مشروعات كبرى في مجال انتاج الطاقة وفي مجال الري واستصلاح الاراضي. وسيكون من أولوياتنا تزويد قطاع الزراعة بمتطلبات النماء.. ودرء الانعكاسات السلبية عنه.. لحيوية هذا القطاع للاقتصاد السوري.. وأهميته لاكتفائنا الغذائي وأمننا الوطني .‏

وأشير هنا إلى بعض الارقام والمؤشرات التي تعكس ما حققناه في الفترة الماضية من انجازات .‏

عادة لا يتضمن خطاب القسم مثل هذه المؤشرات.. لكن لاحظت أن أغلبنا.. حتى العاملين في الدولة.. لا يعرف الجزء الاكبر من هذه الارقام .‏

وصل معدل النمو الاقتصادي إلى 5.1 بالمئة في عام 2006 بدون الاخذ بالاعتبار تراجع النفط. اذ مع تراجع الانتاج النفطي يقدر بين 6.5 الى7 بالمئة.. وهذه الاحصائية ليست احصائية سورية.. أعتقد من صندوق النقد الدولي. يعني هي حيادية.. ليس فيها نوع من التسويق أو التشكيك بأننا نحاول أن نجمل شيئاً.‏

هذا رقم جيد في مثل هذه الظروف التي مررنا بها. الحقيقة.. هو أقل من الطموح.. لكن أعلي من التوقعات بالنسبة لهذه الظروف. ولكن ربما يكون معنا أشخاص يشاهدون على التلفاز ويقولون بأن هذا الرقم لم ينعكس عليّ أنا كمواطن.. وهذا صحيح. فاذا.. علينا أن نسال أنفسنا سؤالا اخر.. الرقم جيد ولكن ما هو الانعكاس.. . في هذه المرحلة التي كنا نمر بها.. وهي مرحلة تحول بالاضافة لظروف معاكسة للتطوير لابد في ان نبحث عن الرقم.. وطالما أننا استطعنا أن نحقق هذا المعدل في مثل هذه الظروف.. فهذا يعني أن لدينا اقتصادا متينا.. ونحن قادرون على تفعيله أكثر.. ولكن التحدي المستقبلي الان وفي المرحلة المقبلة هو أن هذا الرقم انعكس على عدد معين من الاشخاص في هذا الوطن.. أو شرائح معينة. التحدي الاكبر.. كيف نوسع الفائدة من هذا الرقم لكي تنعكس على الجزء الاكبر.. أو الشرائح الاوسع في سورية. هذا هو التحدي المستقبلي.. وهذا بحاجة للكثير من التشريعات والاليات والافكار والابداع من المجتمع السوري ككل.‏

وارتفعت الموازنة العامة للدولة إلى 588 مليار ليرة سورية.. أي بزيادة 113 بالمئة عن عام 2000 .

ازدادت الرواتب والاجور في القطاع الحكومي بنسبة تتجاوز ال 125 بالمئة.. مع العلم أن الدولة تقدم في اليوم الواحد من الدعم للمحروقات فقط 750 مليون ليرة سورية.. يعني هذا يظهر كم هي الدولة تسعى فعلاً لتحسين وضع المواطن.. وأن كل ما لدينا نضعه من أجل تحسين الوضع المعاشي.. ولو أن الطريق مازال طويلا أمامنا .‏

وفي مجال الصحة.. جرى افتتاح 45 مشفى عاما بنسبة زيادة تصل إلى 80 بالمئة و 350 مركزا صحيا و 30 مشفى خاصا.‏

وجرت تسوية الديون الخارجية الكبيرة.. وهذه كانت قفزة مهمة بالنسبة لمكانة الاقتصاد السوري اذ انخفضت من 106 بالمئة عام 2000 طبعا بالنسبة للناتج المحلي الاجمالي.. إلى أقل من 8 بالمئة.. أي أن الديون كانت 20 مليار دولار. أما اليوم.. الديون فقط 3 مليارات دولار.. وصارت سورية من أقل دول العالم مديونية.‏

ازدادت الاستثمارات 12 ضعفا.. وارتفعت الصادرات السورية إلى الضعف.. أي إلى 505 مليارات ليرة سورية .‏

أما على مستوى الاصلاح الاداري.. فقد بذلت جهود لاحداث تطوير هيكلي في بنية الحكومة والعمل الحكومي.. وكذلك في تيسير الاجراءات الخاصة بمعاملات المواطنين وتخفيف الصعوبات البيروقراطية.. وتفعيل آليات العمل والتقييم والمراقبة.. واعتماد معايير موضوعية في التوظيف. نقول بذلت جهود.. ولكن لا نقول كم أنجزنا.. لكن نقول أين كنا نتوجه في ذلك الوقت .‏

كما قمنا بخطوات واسعة في مجال تطوير نظامنا التربوي والتعليمي.. عبر اقرار خطة متكاملة تهدف الى تطوير العملية التربوية.. بكل أبعادها.. ومعالجة أوجه القصور فيها وتجويد مخرجاتها.. وإحداث قفزة نوعية في المناهج ورفد قطاع التربية بالامكانات اللازمة من الناحية المادية والبشرية.. وفي اطار ذلك مثلا تم توسيع مرحلة التعليم الالزامي المجاني الى تسع سنوات وتم نشر المعلوماتية وأدواتها على نطاق واسع وبشكل مفتوح للجميع .‏

أيضا خلال السبع سنوات الماضية.. في مجال التربية.. تم افتتاح أكثر من 2500 مدرسة.. وما يعادل 33 الف شعبة مدرسية.. ووصلت الزيادة بعدد المدرسين وأعضاء الهيئة التعليمية الى 70 الفا خلال السبع سنوات الماضية.‏

وعلى المستوى الجامعي افتتحنا العديد من الجامعات العامة والخاصة والافتراضية والتعليم المفتوح.. كما تم افتتاح عدد كبير من الكليات في مختلف المحافظات.. وكذلك العديد من مراكز الدراسات التخصصية .‏

أيضا بالنسبة لكليات وزارة التعليم العالي.. افتتحنا 50 كلية في سورية استوعبت مئة الف طالب جامعي اضافي.. بالاضافة للجامعات الخاصة وعددها حوالي 8 وهناك جامعات خاصة في طريقها الى الانشاء .‏

وتوجهنا الاساسي الذي سنركز عليه بعد هذا التوسع الكبير.. هو رفع نوعية التعليم العالي وتحسين جودته ووضع المعايير لضمان ذلك.. اضافة الى تحسين ظروف البحث العلمي.. والاستمرار في بناء القدرات العلمية والتقانية.. واغناء الثروة الفكرية الوطنية.. من خلال تبني سياسة وطنية ناجعة للعلوم والتقانات والابداع .‏

وعلى مستوى التأهيل والتدريب.. تم افتتاح العديد من المعاهد العامة والخاصة.. وفي مقدمتها المعهد الوطني للادارة العامة.. والمعهد العالي لادارة الاعمال.. وبذلت جهود كبيرة من أجل تطوير الموارد البشرية والاستثمار فيها.. وتمت الاستعانة بالخبرات الدولية في هذا الشأن.. ونعمل لكي يتحقق المزيد بحيث يصبح التأهيل المستمر عنوانا أساسيا في خططنا الحكومية .‏

وعلى المستوى السياسي.. قمنا بانجاز عدد من الخطوات لتطوير البنية السياسية.. من خلال تطوير تجربتنا الديمقراطية باتجاه توسيع المشاركة السياسية.. واتاحة المجال لكل الطاقات الوطنية للاسهام في البناء الوطني.‏

حيث تم تطوير ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية وتفعيل عملها.. وافساح المجال واسعا أمام الاحزاب الجبهوية لممارسة دورها في قيادة الدولة.. فتم اصدار صحف خاصة بها وفتحت فروع لها في المحافظات.. كما انضم الى الجبهة أحزاب جديدة أسهمت في اغناء تجربتها .‏

وكانت قرارات المؤتمر القطري العاشر للحزب. نقطة انطلاق باتجاه تفعيل الاداء الجماهيري والحكومي.. خاصة فيما يتصل بتوصياته بتوسيع المشاركة السياسية واصدار قانون لمكافحة الفساد.. بطبيعة الحال.. ان هذه الخطوات في مجال التطوير السياسي.. على أهميتها.. هي أقل مما نطمح اليه.. حيث أعاقت ظروف عديدة بعض التوجهات السياسية التي كنا نرمي الى انجازها. وقد كانت الغاية العليا بالنسبة لنا.. وسط الفوضى العارمة.. التي يصد رها البعض الى منطقتنا.. وباتت تحيط بنا..الحفاظ على الامن والامان الذي يعيشه مواطننا وضمان الحياة المستقرة التي ينعم بها شعبنا.. فهما.. فوق كونهما مطلبا حيويا لكل مجتمع.. عماد السيادة الوطنية وأساس الكرامة وأصل الازدهار والتطور.‏

ان لدينا الارادة الاكيدة.. لتطوير تجربتنا السياسية.. انطلاقا من قناعتنا بضرورة افساح المجال واسعا أمام الجميع لممارسة دوره.. واغناء لمناخ الحرية والديمقراطية.. ونؤمن بأن الدىمقراطية ليست جانبا واحدا فقط.. وانما هي مجموعة متكاملة من الجوانب التي تحتاج الى التطوير معا.. بما يستجيب لخصائص الشعب واحتياجاته.. وهي ليست هدفا بحد ذاتها بل أداة من أجل التطوير والازدهار.. وهذه الاداة تحتاج الى اعداد وظروف نهيئها لخدمة هذا الهدف.. ومن دون ذلك تفقد جوهرها كأداة للبناء.. وهذا ما عملنا وما نزال من أجل الوصول اليه.‏

لذلك فإننا نتطلع الى انجاز عدد من الخطوات التطويرية في المرحلة القادمة التي نراها في غاية الاهمية في تدعيم بنائنا الوطني. وفي مقدمتها اصدار قانون للاحزاب السياسية يعزز المشاركة السياسية ويرفد الحياة الديمقراطية.. وتشكيل مجلس للشورى من شأنه الاسهام في العملية التشريعية وتوسيع دائرة اتخاذ القرار .. كما نعمل على تطوير قانون الادارة المحلية.. باتجاه مزيد من اللامركزية بما يضمن مشاركة المجتمعات المحلية فيما يخصها ويضمن الفاعلية والكفاءة في وضع الخطط وتنفيذها..‏

وكذلك نعمل على ايجاد حل موضوعي لاحصاء 1962 الذي حالت بعض الظروف دون اصداره.‏

أيضا كان هناك نقاش واسع حول هذا الموضوع.. موضوع التطوير السياسي.‏

الخطوة الاساسية كانت بالنسبة لنا هي المؤتمر القطري العاشر. تذكرون ذلك المؤتمر وتلك التوصيات التي صدرت عنه.. وكان المؤتمر قد انعقد في بداية الهجمة الشرسة التي تعرضت لها سورية في ذلك الوقت. طبعا هذه الهجمة غيرت الاولويات بالنسبة لنا.. ولكن هناك جانبا اخر يجب أن نعرفه بالنسبة لآلية التطوير. هناك المبدأ عندما نعلنه.. وهناك تطبيق هذا المبدأ.. سواء كان هذا التطبيق قانونا أو قرارا أو آلية أخرى.‏

عندما نصدر المبدأ.. لا يعني بأننا سنطبق هذا المبدأ غدا.. لان هذا المبدأ بحاجة إلى ظروف معينة كي يكون قابلا للتحول الى عمل.. وقابلا للتطبيق مع الفوائد التي نرجوها منه. وأنا سوف أعطي مثالا في مجال الاقتصاد. قانون المصارف. صدر قانون المصارف ولم يطبق الا بعد أكثر من سنتين.. لماذا أصدرناه ونحن نعرف أننا غير قادرين على تطبيقه مباشرة لان عدم اصداره كان يعني بأن الدولة غير جادة في توجهاتها الاصلاحية.. ونحن نعتبره جزءا أساسيا.. ومحورا.. فأصدرناه. أما التطبيق فكان له جانب تقني..كان هناك ظروف معينة برأي الخبراء السوريين والعرب والاجانب الذين كانوا يأتون الى سورية. كانوا يطرحون افكارا مختلفة ومتناقضة ولكن الغالبية كانت تقول.. لا تستطيعون أن تبدؤوا باطلاق البنوك أو المصارف الخاصة قبل أن تقوموا بهذه الخطوات التطويرية وفي مقدمتها المصرف المركزي. الحقيقة لم نتمكن في نفس الوقت أن ننتظر كل الفترة التي طلبوها لكي نقوم بعملية الاصلاح كاملاً لأن ذلك يعني أن الاصلاح لن يبدأ الا بعد سنوات طويلة. فقمنا باطلاق المصارف الخاصة.. واعتبرها البعض في ذلك الوقت مغامرة.. ولكن الحمد الله نجحت هذه المغامرة.. ونحن نطور هذه التجربة في كل يوم.‏

الكثير من الاشياء التي أقريناها كمبادىء بقيت فترة دون تطبيق حتى نهيىء الظروف. في هذه الحالة.. بالنسبة لموضوع مقررات المؤتمر القطري والجانب السياسي.. كان هناك قرار طبعا.. ولو لم يكن هناك قرار لما أصدرنا هذه القرارات.. ولكن كان هناك عاملان.. العامل الاول.. نحن بحاجة لتهيئة الظروف.. وبحاجة لتجاوز الظروف الحرجة التي مررنا بها. بدأنا في ذلك الوقت بالحديث عن بدء حوار وطني على سبيل المثال.. ما هو قانون الاحزاب الذي نريده...وشكلت لجنة لكي تبدأ بدراسته.. ولكن في الحقيقة.. وكما قلت في البداية.. أنا تعودت على الصراحة معكم.. لم يكن لدينا الوقت حتى لمناقشة أية فكرة لا بالنسبة لقانون الاحزاب ولا لغيرها.. وحتى في مرحلة من المراحل.. حتى الاولوية كانت الاقتصاد.. لم يكن لدينا الوقت لمتابعة الوضع الاقتصادي.. كنا نخوض معركة مصيرية.. وكان لابد من أن ننجح في هذه المعركة.. لم يكن هناك خيار أمامنا.‏

طبعا هذا العام أيضا.. عام 2007 .. هو عام مصيري ..نحن طبعا في النصف الثاني وبقي منه بضعة أشهر.. هذا العام وربما أشهر من هذا العام ستحدد مصير ومستقبل المنطقة وربما العالم كله. طبعا سيقول البعض.. كيف نحن نقول ان الاصلاح الداخلي لا علاقة له بالخارج... لماذا نربطه بالخارج... نحن نقول لا علاقة له بالخارج بالمضمون. نحن نحدد ما هو المضمون الذي نريده من خلال حوار وطني.. أما التوقيت فيرتبط بالظروف السياسية أولا أي توفر الوقت المناسب.. ثانيا بمدى تأثرنا بهذه الظروف التي ستأتي.. أو ربما لا تأتي.. لا نعرف. نحن لسنا منعزلين.. ولا نعيش في جزيرة.. نحن نتأثر بكل ما حولنا.. نتأثر بالعراق ونتأثر بلبنان.. ونتأثر بفلسطين.. وبأشياء أخرى.. ربما تكون أبعد. فتأثير هذه الامور أيضا يحدد الاتجاه الذي نسير فيه. فإذا نحن بالنسبة للاصلاح السياسي لا نقوم بقفزات.. سنقوم بعمل تدريجي وندرس كل تجربة بالوقت المناسب.. عندما نرى ثغرات.. سنتوقف ونراجع ونؤجل.. ونغير الاتجاه. هذا هو الشكل الطبيعي. لدينا الان الف تصور لاصلاح سياسي واحد.. لا يجوز أن يعتقد كل شخص بأن هذا الاصلاح هو العمل الوطني.. وكل اصلاح اخر لا يجوز.. أو أن هذه المرحلة يجب أن نصل اليها خلال عام بينما نحن نعتقد بأننا يجب أن نصل اليها خلال أعوام. يبقى هذا الخلاف.. ولكن ما أؤكد عليه بأننا سنتابع السير في هذا الاتجاه خاصة في العام المقبل بعد أن تتضح الصورة بشكل كامل.‏

أما بالنسبة للاولويات في الموضوع السياسي.. فطبعا كما قلت في البداية بأن الاولوية هو الموضوع الاقتصادي بسبب حاجة المواطنين في سورية.. ولكن ما قيمة الاقتصاد ان لم يكن هناك استقرار... ما حصل في السنوات الماضية أن الوضع الامني بظهور بعض العمليات الارهابية.. محاولات التدخل الخارجي.. الضغوطات على سورية وضعت الاستقرار في المرتبة الاولى لانه من دون الاستقرار لا يوجد اقتصاد.. ومن دون الاستقرار والاقتصاد وتحقيق الاحتياجات الاساسية للمواطن ولاولاده من الصحة والطعام الى آخره.. بالاضافة للامن.. ما قيمة التطوير السياسي... فيجب أن تكون الاولويات واضحة. في نفس الوقت مفهوم الاولويات لا يعني واحد ثم اثنان ثم ثلاثة.. نحن نقول بالتوازي.. لكن مفهوم الاولوية هو مفهوم تركيز الجهود. أين نركز الجهود... نركز جهودنا بالوقت وبالتفكير.. بالموضوع الاكثر الحاحا بالنسبة للوطن.. هذا هو مفهوم الاولوية. لذلك نحن لن نتوقف في عملية الاصلاح السياسي.. ولكن لن تكون هي الاولوية الاولى في الظروف التي مررنا بها.‏

ان شاء الله أن تكون الظروف أفضل في العام المقبل.. ونتمكن فعلا من انطلاقة واسعة.. خاصة أن الشعب السوري أثبت.. بالرغم من صعوبة نقل المعلومات في ظل وجود هذه الفضائيات والهجمة الاعلامية الشرسة على عقله.. تمكن من تمييز الامور بشكل واعٍ جدا.. وكما نقول بشكل صريح كأسرة واحدة.. لدينا ضعف في نقل المعلومات.. ومع ذلك تمكن من القيام بهذا الشيء وحافظ على استقراره.‏

هذا يعني بأن الشعب السوري مهيأ لعملية تطوير سياسي واسعة.. لكن يبقى أن تأخذ عملية النقاش وقتها الضروري لكي نصل لتجربة فيها اجماع. لا يجوز أن نصل لتجربة تؤدي للانقسام.‏

هذا من جانب. من جانب اخر.. موضوع احصاء 1962 كان هناك أيضا عدم معرفة بالنسبة للكثيرين في سورية ما هو مضمون هذا الموضوع والاشياء الأخرى التي تطرح. أنا كنت في زيارة لمحافظة الحسكة عام 2002 في شهر آب.. والتقيت بكل الفعاليات.. كل الفعاليات من مختلف الشرائح من دون استثناء تحدثوا عن هذا الموضوع.. قلت لهم .. لا توجد مشكلة.. سنبدأ به. طبعا كنا في ذلك الوقت في بدء المرحلة التي بدأت فيها الولايات المتحدة بالتحضير لغزو العراق.. وكنا في مجلس الامن وكنا في قلب المعركة.. لم يكن هذا الامر أولوية.. كان عمره أربعة عقود.. سرنا به بشكل بطيء.. ولكن كنا نتحرك.. وأتت حرب العراق وأتت الظروف المختلفة التي أيضا أوقفت الكثير من الامور بالنسبة للاصلاح الداخلي.. الى أن وصلنا الى عام 2004 وحصلت أحداث الشغب في القامشلي.. ولم نكن نعرف تماما ما هي خلفية هذه الاحداث.. لان البعض حاول استغلالها لاهداف غير وطنية.. ولكن لاحقاً اتضح بأن هذه الاحداث هي أحداث شغب لا علاقة لها بأي طرح غير وطني.. ولو أن البعض حاول استغلالها. مع ذلك تم ايقاف الموضوع لاعادة دراسته بشكل واضح على خلفية هذه الاحداث.. وأعدنا تفعيله في العام الماضي بمبادرة من الدولة.. قمنا باعادة تفعيله طالما أن الاحداث مرت ومر الزمن وواضح تماما أنه لا يوجد حالة غير وطنية. ولكن بقيت محاولة استغلال هذا الموضوع. أيضا هناك التباس بين موضوعين.. فهناك التباس بين موضوعين ..موضوع احصاء 1962 وهم الاشخاص الذين أعطوا الجنسية السورية لجزء من العائلة مثلا ولم يعط للجزء الاخر.. وهو حق لهم. وهناك موضوع ما يسمى المكتومين.. كان هناك أيضا من يعتقد بأنهم جزء من المشكلة في ذلك الوقت.‏

المكتومون هم أشخاص في سورية من جنسيات مختلفة وليسوا على قيود سورية.. ليسوا على قيود السجل المدني في سورية أو أي سجل اخر. يعني هو موضوع اخر. كان هناك من يمزج بين موضوع المكتومين وموضوع احصاء 1962 .‏

أيضا هناك من أتى الى سورية من جنسيات مختلفة.. ومعظمهم من الاكراد الذين أتوا من تركيا أو من العراق لاسباب معاشية سياسية أمنية وغيرها.‏

هذا الموضوع لا علاقة لنا به. نحن نتحدث عن موضوع الاحصاء. في المراحل الاخيرة تقريبا انتهى العمل التقني بالنسبة للقانون. أين توقفنا... توقفنا.. قلنا نريد لكي نمنع الاستغلال.. نريد من كل الفعاليات المعنية بهذا الموضوع أن تعرف بأن الموضوع هو فقط موضوع احصاء 1962 .. لا نريد ان ننتقل من قضية احصاء 1962 لكي يقولوا لدينا بعد اربعين عاما هناك مشكلة اخرى.. مشكلة اسمها احصاء 2007 .. أو يكون هناك اشخاص لم يأخذوا الجنسية.‏

أنا أقول هذا الكلام.. لان هناك من يحاول أن يستغل هذا الموضوع مع الهيئات في أوروبا ومع الوفود التي نلتقيها وتتحدث معنا في هذا الموضوع.‏

واضح تماما بأن هناك من يستغلها. نحن نريد أن يصدر القانون بعد أن نكون قد اتفقنا على أن هذا القانون هو الحل الوطني النهائي.. وأي طرح بعد حل موضوع الاحصاء يعتبر محاولة لهز استقرار الوطن. هذا هو الموضوع الان..‏

والمشاورات مازالت مستمرة.. عندما ننتهي من هذه القضية.. القانون موجود.. وهي قضية بسيطة.. وأعتقد أن هناك اجماعا وطنيا في سورية حول ضرورة حل هذه المشكلة.‏

أردت أن أعطيكم فكرة عن هذا الموضوع. كيف نفكر ... في قانون الاعلام.. لم نمر عليه.. ولكن طرح كثيرا. هناك مقترح في وزارة الاعلام مؤخرا حول ضرورة تعديل قانون الاعلام الحالي.. وأنا سمعت الكثير من الشكاوى من الاعلاميين وغيرهم حول عدم رضاهم عن قانون الاعلام الحالي.. فربما تكون هناك مقترحات سريعة في هذا الاطار من وزارة الاعلام تدرس في مجلس الشعب ومن ثم يتم اقرار هذا القانون. أعتقد هذه هي القضايا الاساسية .‏

طبعا مجلس الشورى هو موضوع اخر أوسع وبحاجة لنقاش أوسع.. لا يوجد لدينا ا