يرى كارل ماركس في مكان ما من مؤلفاته أن الناس يصنعون تاريخهم دون أن يدركوا في تلك اللحظة حجم وأبعاد ما يصنعون . بكلام أخر هم يصنعون تاريخهم دون تخطيط مسبق أو نية محددة سلفا. ومع أن ماركس لم يكن مؤرخا فإن وقائع التاريخ البارزة تشهد على صواب استنتاجه فلو عدنا إلى واقعة سقوط سجن الباستيل في غرة الثورة البورجوازية الفرنسية نلاحظ أن انهيار هذه القلعة نجم عن سلسلة من التقديرات الخاطئة وردود الافعال الارتجالية وسؤ الفهم ذلك أن المهاجمين لم يتوجهوا إلى السجن بنية تحطيمه وإنما للاحتجاج فإذا بحاميته العسكرية تسيء التصرف عن غير قصد و تتخذ إجراءات روتينية أسيء تفسيرها من بينها على سبيل المثال إخراج  مدافع القلعة نحو الأبراج من اجل صيانتها ما حمل المحتجين على الظن أن الإجراء يستهدفهم فبادروا إلى الصراخ والحديث عن مؤامرة ومن هذا الحديث انطلقت شرارة سقوط السجن الاشهر في عصره علما أن الباستيل لم يكن يضم أكثر من سبعة سجناء بالتمام والكمال. هكذا صنع الباريسيون تاريخ سقوط الباستيل دون تخطيط مسبق وبأثر من سؤ تفاهم شهير ومعروف لدى مؤرخي الثورة الفرنسية عام 1789 .

ادخل من هذا الباب للحديث عن انتصار المقاومة اللبنانية على العدوان الإسرائيلي في تموز ـ يوليو العام الماضي للقول أن المقاومين اللبنانيين لم يكن يدور في خلدهم أن خطف جنديين إسرائيليين سيؤدي إلى اندلاع حرب شاملة وأن هذه الحرب ستتوج بالانتصار العربي الأول من نوعه على الدولة العبرية.

و لعل كلام السيد حسن نصرالله حول هذا الموضوع ذهب في الاتجاه نفسه عندما أكد أنه لو كان يعرف مسبقا أن خطف الجنديين الإسرائيليين سيستدرج حربا مفتوحة ودمارا وخسائر بالحجم الذي وقع أثناء الحرب قال انه لو أدرك ذلك لما بادر إلى خطف الجنديين وبالتالي لما دخل الانتصار اللبناني تاريخ العرب والعالم من الباب العريض دون أن يعني ذلك بالطبع أن السيد يأسف لانتصاره .

وإذا كان انتصار تموز ـ يوليو اللبناني قد اقتحم التاريخ دون استئذان فإنه بالمقابل ما زال يطرح على أصحابه وبني جلدتهم وأعدائهم على السواء مشاكل عويصة ناجمة في تقديري عن وقوعه المفاجيء بل المذهل في حجمه وتوقيته وعلاقات القوى المعنية به. فمن جهة يبدو أن الانتصار كان أكبر من المنتصرين ويفيض عن قدرتهم على تحويله إلى منعطف حاسم في علاقات القوى بين العرب وإسرائيل وذلك ليس بسبب عزوف المقاومة اللبنانية عن السعي لبلوغ هذه الغاية وإنما بسبب ثقافة الخضوع التي استقرت منذ عقود في مراكز القرار العربية إلى حد جعلها تستغرب أو تستهجن فعل الانتصار بل تعتبره في لا وعيها منافيا ليقينيات الهزيمة وإن أردنا التوغل أكثر في هذا الاتجاه يمكن أن نذهب إلى القول أن النظام الرسمي العربي شعر أن هذا الانتصار اللبناني يهز شرعيته المستمدة من الخضوع المباشر أو غير المباشر للدولة العبرية والتسليم المطلق بغلبتها.

 لا يمكن للمرء أن يعثر على تفسير آخر لردود أفعال بعض القادة العرب السلبية على وقائع تموز اللبنانية. ألم يتزامن حديث زعيم عربي عن خطر الهلال الشيعي المزعوم مع تصريحات إسرائيلية تستهول استقرار المقاومة اللبنانية المظفرة على حدود إسرائيل إلى أجل غير مسمى؟ألم يتزامن حديث زعيم عربي آخر عن خطر إيراني يمتد إلى غزة وجنوب لبنان والخليج مع تصريحات إسرائيلية تشكو من "الهم" نفسه؟

وإذا كان الانتصار اللبناني أصاب علاقات القوى العربية  ـ الإسرائيلية في الصميم فإنه فتح أبواب قادة العالم على مصراعيها أمام خصوم المقاومة المغمورين في لبنان فباتوا ضيوفا شبه دائمين على البيت الأبيض والإليزيه و10 داوننغ ستريت ويحتلون أحيانا عناوين الصحف الأشهر في العالم وحالهم أشبه بالحال الموصوفة في عجز شعري أندلسي شهير" .. كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد "

يبقى أن انتصار تموز اللبناني كان أيضا أكبر من أن تستوعبه الدولة العبرية فإذا بقادتها يفسرون ما جرى بالحديث عن أخطاء تكتيكية وقرارات لم تتخذ في الوقت المناسب واحتياط عسكري لم يجند كما ينبغي وأسلحة لم تستخدم وإنجازات على الحدود اللبنانية ما لبثت عملية إرهابية واحدة أن كشفت كامل عوراتها.

والمؤسف أن التفسير الإسرائيلي المخادع والدعائي لنتائج الحرب يسقط سقوطا حسنا على قادة ومثقفي "الهزيمة" في لبنان و العالم العربي فإذا بنا نرى هؤلاء يرددون بطرق بلهاء الحجج الإسرائيلية عن "خراب لبنان" وثمن الحرب الباهظ في "بلاد الأرز" وعن قدرة الدولة العبرية على تحمل كلفة "الأضرار" التي أصيبت بها وبالتالي تحويل " إخفاقاتها التكتيكية إلى رافعة لأداء عسكري أقوى فيما المقاومة غارقة في المستنقع اللبناني الداخلي" ولعل السير بهذا المنطق الأحمق حتى نهايته يفضي إلى مطالبة المنتصر بالاعتذار عن انتصاره ليس بوصفه انتصارا وإنما "هزيمة" مزينة بعبارات النصر.

بعد عام على حرب تموز ـ يوليو الإسرائيلية على لبنان يبدو واضحا أن المقياس الحقيقي للهزيمة والانتصار يكمن في تطاير رؤوس قادة الحرب المهزومين في إسرائيل فهل تعرفون حالة واحدة في تاريخ الحروب خلع فيها جيش منتصر قادته؟

بعد عام على حرب تموز ـ يوليو يبدو واضحا أن المقياس الحقيقي للانتصار والهزيمة يكمن في امتعاض قادة ومثقفي الهزيمة عندنا من نصر قلب أجندتهم رأسا على عقب.فلا لغة تعينهم على التعاطي معه ولا وقائع إسرائيلية تساعدهم في التصدي لمفاعيله.. فكان أن حاصروا المنتصرين بالطائفية والمذهبية وسائر الأوصاف القبيحة المستعادة من أدبيات القرون الوسطى عل ذلك يطوي صفحة تاريخية ناصعة في كتاب الهزائم القبيح بمواجهة الدولة العبرية.

مختصر القول أن الانتصار اللبناني على إسرائيل لن يتخذ كامل أبعاده إلا عبر التغلب على ثقافة الهزيمة و أدبيات الفتنة في بلداننا وفي هذه المعركة لا عذر لقلم شريف إن ظل في غمده.