|
حورات |
|
|
|
|
|
الصيف السوري الساخن - محمد علي الحلبي |
|
حركة القوميين العرب |
2007-07-11 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
تعود الذاكرة بي إلى ماض ٍبعد أم قرب لأتذكر حكايتين رواهما لي إخوان ثقة في الرواية، أمناء على الحرف الذي يقال ويكتب، ففي مثل هذه الحالات والحديث عن وطن وقادة يستوجب الدقة أيما دقة، والأمانة أيما أمانة. هي وقائع تعكس لا معاني قيم أبطالها فقط بل تعبر وبعمق عن توجهات الأمة التي تنبت القادة من بين أضلعها ليكونوا الأوفياء لمعتقداتها.......الحكايتان واقعيتان،وتؤكدهما أحداث فتريتهما وما تلتهما،بل وأجزم وأشدد على صدق كل كلمة فيهما....فمنهما يفوح عبق يضمخ التاريخ العربي بعطره...وطالما أنني في معرض صدق الرواية أؤكد أنني بعيد البعد كله عن ذرة مدح أو تمجيد،إنها حقائق تحمل مجدها بذاتها. الحكاية الأولى رواها لي ضابط كان في بداية انتسابه للقوات المسلحة السورية برتبة ملازم،ومرّ أكثر من عقدين على عمله العسكري رُفـّع بعدهما إلى رتبة قائد لسلاح الطيران قال لي وعلى شفتيه تمتزج السعادة لكنه وكما قال كان في حلقه غصة،كان ذلك عام1948وقد عيّن ضابط اتصال ليتابع مع الجهات الرسمية اللبنانية تنسيق دخول القوات السورية إلى فلسطين للمشاركة في حرب1948بناء على القرار العربي،ولمقاومة قيام الكيان الغاصب،وعند وصوله إلى الضابط اللبناني المفروض أن ينسق معه وهو سعيد ببذل الجهد لتحويل أماني الأمة العربية للوقوف إلى جانب أشقائهم ولرد الصهاينة وأحلامهم،لكنه فوجئ بقول الضابط أن أوامر جديدة صدرت ليعود الجيش السوري إلى بلده ويدخل الأرض الفلسطينية من جنوبها وتحديداً من"الجولان"وبدأت الغصة فالعدة والعتاد السوريين دون المستوى فلم يمض سوى عام على استقلال هذا البلد ومع ذلك طلب منه أن تُُهدر بعضٌ من هذه الإمكانات في الغدو والرواح ويقول:"وبعد تأكدي من الأمر الثاني أعدنا القوات لتدخل من الجنوب،وبقيت الغصة والحيرة،وأردت أن اكتشف من المسؤول عن التناقض والتباين في هذه القرارات"واكتشفت أن القرار الثاني أصدره الملك عبد الله ملك الأردن والذي أوكلت الجامعة العربية له مهمة القيادة العليا للجيوش العربية،ويضيف:"يومها عرفت كيف يؤدي تغير وتشتت الإرادات إلى أمور لا تحمد عقباها"ومن أراد المزيد من المعلومات عن جملة التآمرات أثناء تلك الحرب فليعد إلى كتاب "الاتصالات السرية" للسيد محمد حسنين هيكل حيث يروي الكثير عن اتصالات الملك بغولدا مائير والتي أصبحت رئيسة لوزراء العدو،والتنازلات التي وعدها بها ونفذها فعلا ً. في هذا المشهد السياسي تظهر أصالة الانتماء والتضحيات المدفوعة ثمناً له،والخلل الدفين في إرادات عربية ضالة باعت نفسها وباعت كل شيء في سوق النخاسة،وتمر الأيام وقبيل حرب تشرين التحريرية بأشهر قليلة وعن تلك الفترة روى لي صديق قيادي كيف أن الرئيس الراحل حافظ الأسد دخل إلى القيادة وتقاطيع الحزم ترتسم على وجهه ، وهذه كانت السمة المميزة له عند اشتداد الأزمات،وفي الاجتماع بدأ حديثه عن قرار"الكنيست الإسرائيلي " بضرب المقاومة أينما وجدت إن تحرك أفرادها،وأضاف محللا ً:"أن العدو ومنذ عام1967وبعد النكسة استهدف الأمة العربية بحرب نفسية لم تعتد مثلها طيلة عمرها ويبدو أنهم يقدرون أن المرحلة نجحت وانتهت،ومرحلة تالية لإملاء القرارات لابد من وضعها موضع التنفيذ فكان هذا القرار الأول"وأضاف القول: "إنكم تعرفون تماماً أننا نسمح لرجال المقاومة بعمليات في الأرض المحتلة وفق ترتيبات أمنية تنسق مع القوات المسلحة،لكن إن قبلنا القرار وأوقفنا العمل الفدائي فستليه قرارات أخرى من ذات النوعية وبحجم أكبر،وقبولنا به يعني أن نطلب من الجندي العربي السوري لا حماية حدود بلده بل حماية إسرائيل وجنودها،وأقولها بصراحة إن قبلنا واستمر القبول لمدة طالت لعامين مثلا ًأصبح من الصعب علينا أن نعطي الأمر للمقاتلين لتحرير بلادهم فلقد اعتادوا وتعودوا على معايشة وحماية الأعداء ولو من بعيد , يستتبع ذلك إلغاء فكرة تحرير الجولان من أذهاننا وهو هدفنا الرئيسي في هذه المرحلة ، لذا أقترح أن نفتح الأبواب على مصارعها أمام المقاومين وبدون تحديد للوقت أو المكان"ونبّه إلى التبعات المترتبة على مثل هذا القرار الكبير وشدد في احتمالاته على أسوئها، ووضع الجميع أمام خيار واحد قائلا ً:"سنحمل السلاح جميعاً للدفاع عن البلد ولن نغادر دمشق إلى مدينة ثانية،فإما الشهادة أو النصر". ونفذ القرار و بعد أيام اشتبك سلاح الطيران مع الطائرات المعادية،وخسر يومها العديد من طائراته، ولم تطلق قوات الدفاع الجوي أي صاروخ باتجاه الطائرات المعادية،وكان واضحاً أن سرية العتاد والخطط أساسية لأن حرب تشرين قادمة.....ورغم ثقتي براوي القصة إلا أنني تأكدت من عدد من الحزبيين سمعوا ما نقل لي في اجتماع موسع . وكانت حرب تشرين التحريرية،وعند بدء المعارك وجه الرئيس كلمة للمواطنين قال فيها: "إن الشدائد هي محك لمعدن الشعوب وامتحان لأصالتها،وكلما ازدادت الأمة شدة ظهر المعدن الصافي وتأكدت الأصالة الراسخة....إن جماهير أمتنا من المحيط إلى الخليج تشخص بعيونها وأفئدتها إلى صمودنا العظيم وكلها أمل وثقة بأننا إلى النصر سائرون". وخاطب الجنود وصف الضباط والضباط:"نحن أصحاب حق وأصحاب قضية عادلة،والله ينصر من كان على حق ومن كان عن حقه ذائداً مدافعاً،وتشاء إرادة العلي القدير أن يكون جهادكم في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان،شهر الجهاد،شهر غزوة بدر. لقد انتصر أجدادنا بالإيمان بالتضحية والتسابق على الشهادة دفاعاً عن دين الله ورسالة الحق"وتابع قوله:"سلاحكم بين أيديكم وديعة فأحسنوا استعماله، وشرف الجندي في أعناقكم فصونوا الأمانة".ويعود المشهد السياسي ثانية ليظهر أمانة الانتماء والتضحيات المدفوعة ثمناً له. كانت المقاومة وتحديداً الفلسطينية والجولان يحتويهما شغاف قلب الراحل،وكما لعبت إرادات الخلل والتآمر في حرب1948لعب السادات ذات الدور في هذه الحرب فلقد أمر سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان المصري وفي مذكراته قال:"يوم كنا نناقش خطة الحرب مع القادة السوريين نقول إن وفقنا في عبور القناة فنحتاج إلى وقفة تعبوية والمقصود بها تعزيز القوات بمعدات الصواريخ والمدفعية.....ونسكت ولا نحدد لها مدة" لأنه وباعترافه كانت هناك خطتان وقد أيد ذلك الأستاذ محمد حسنين هيكل،كانت الأولى تحت اسم جرانيت1والثانية جرانيت2واحدة منها ترسم طريق التحرير إلى ممرات - متلا والجدي - بل إلى داخل فلسطين،والثانية تضع خطة للعبور وتحرير10-15كم والبقاء والثبات في هذه البقعة وعدم تحديد مدة الوقفة التعبوية كان للتغطية على هذه الخطة الخادعة،وكانت كما سميت فيما بعد معركة تحريك وليست تحرير دفعت سوريا ثمناً كبيراً نتيجة هذه الوقفة تركز القتال على جبهتها مما أدى إلى تراجع قواتها،وللتذكير فقد تعرضت دمشق لألف طلعة طيران يومية،وحملت مناشدات القيادة السورية لاستمرار المعركة عواصف لم تترك أثراً لها لا بل استمرت المناشدات للمسؤولين المصريين لما بعد لقاءاتهم التفاوضية مع الأعداء كان الأمل باستمرار الاحتكاك معهم لاستنزاف قواتهم واقتصادياتهم بتعبئة الاحتياطي للحصول على مكاسب سياسية وعلى الأرض أفضل،وذهبت الرجاءات أيضاً هباء فلا من مجيب. ركنان ازدانا في تاريخ سورية يعبران عن أصالة الانتماء للأمة العربية وعن فهم وإدراك عميقين لمتطلبات العمل القومي والاستمرار في مقاومة المحتلين وبكل الوسائل والسبل، ودعم المقاومات العربية في تصديها للاحتلال. كل ذلك ليس غريباً على هذا البلد وأهله فهم نساك في عباداتهم لربهم ولوطنهم،ودمشق الرمز المدينة العريقة في القدم عنوان سورية الأبية العصية على الضيم،الصعبة على أن يستأثر بها أحد لأنها المنيعة الممتنعة عن سلوك أية دروب إلا طريق مقاومة الطامعين بها والمعتدين عليها،عصمتها في يدها والقرار بكامله لها،ففي نسيج وتكوين أبنائها تتواجد وتتكاثر المناعة....مناعة ضد التخاذل والتنازل وبيع الكرامات،وأكرم بها من مناعة.....هي الرمز المعبر عن بلاد الشام بل عن الأمة العربية بكاملها. إنها ليست كلمات ثناء تحمل شحنات عاطفية كبيرة بل هي حقائق ذكرها التاريخ ففي كنوزها التاريخية معالم وآثار الكثرة،وسِمَتها المميزة أنها تحكي حكايات الإبداع بجميع فروعه،وفي زواريبها وحاراتها القديمة يتحدث كل ركن من أركانها عن عالمٍ عاش به أو مفكر تألق فكره،أو مناضل مرّ به. هي موسوعة حتى في قبورها التي ضمت تحت شواهدها العديد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعديد من القادة الأوائل والشهداء،وأصحاب الكرامات والمكرمات المتوزعة في جميع أنحائها.
لن أعود إلى الماضي البعيد الغني ببواعث تفجير مكامن العزة والاعتزاز،والعودة هنا ستستغرق الكثير من الوقت،والوقت يضيع ويفقد قيمته ويُنسى أثناء التجوال في أركان الجمال واللوحات الوطنية الرائعة،لكنني سأعود إلى مطلع القرن الماضي لأبيّن أن البدايات المعاصرة دعمت وكرست المفاهيم الأصيلة لهذه الأمة ولدى كل فرد من أبنائها،فعند اقتراب الاحتلال التركي من نهايته وقيام الثورة العربية تحولت دمشق إلى كعبة للمناضلين يجاورون فيها الجامع الأموي كما يجاور كبار التقاة والعبّاد الكعبة المشرفة في مكة متطلعين للعيش فيها حتى موعد نهاية حياتهم. كانوا من أقطار عدة من فلسطين،والعراق،والجزيرة العربية،ومن جبل لبنان،كانوا جنود الثورة العربية وحماتها يريدون تحرير بلاد الشام من الاحتلالين التركي ثم الفرنسي،والظاهرة البادية في تلك الفترة الحلوة أن أغلب ضباط الجيش العربي كانوا عراقيين،وفي الأيام الأولى للاحتلال الفرنسي انعقد المؤتمر التأسيسي لبلاد الشام عام1920ضم ممثلين من جميع مدن وبلدات الشام"سورية،جبل لبنان،فلسطين،الأردن"طالب المؤتمرون وبإجماعهم برحيل القوات المحتلة،وأيضاً برحيل قوات الاحتلال البريطاني عن العراق وإقامة اتحاد بينهما،واستمر الاحتلال وبدأت الثورات والمقاومات التي عمت جميع القطر السوري. كان في الجنوب سلطان باشا الأطرش وفي الشمال إبراهيم هنانو،وعلى الساحل صالح العلي،وفي غوطة دمشق حسن الخراط،وخلفهم آلاف من المؤمنين بحرية بلادهم والنضال ضد المحتلين جمع بين تصانيف المجتمع على تنوعاتها. كان العادي البسيط البائع المتجول يملأ القنينة الزجاجية بالكلس والبنزين ويضع فيهما فتيلاً يشعله ويرمي بها الجنود الغزاة قنبلة"مولوتوف" ،وكان من دفعه علمه ودفعته ثقافته للمشاركة في الكفاح فالشهيد الدكتور مسلم البارودي راح ينقل الجرحى ولوحده وبسيارته الخاصة من ساحة الاشتباك إلى بيته ليسعفهم ويعالجهم فكان أن استشهد وهو يقوم بواجبه،وسميت الساحة باسمه"ساحة مسلم البارودي" وثمناً لما قُّدّم كان الاستقلال في عام1947في شهر نيسان شهر الربيع وتباشير الخير،ولم يمض عام واحد حتى كانت الحرب العربية الأولى ضد الكيان الصهيوني الذي زُرع في فلسطين في عام1948ولأن جذور الانتماء القومي التي تغذي الأطفال فور ولادتهم من أثداء أمهاتهم العربيات الأصيلات فكانت الاستجابة لنصرة إخوانهم في فلسطين ودخول القوات المسلحة في حرب ضد"إسرائيل"،بل وقبيل هذه الحرب غادر العديد البلد وتركوا الأهل للحاق بمواكب المجاهدين الفلسطينيين بقيادة فوزي القاوقجي وعبد القادر الحسيني،كان منهم الشهيد عز الدين القسام الذي رفض الاستسلام أثناء اشتباكه مع القوات الإنكليزية،وكان قد باع بيته في جبلة وحمل ثمنه ليشتري سلاحاً به،وقد أصبح الرمز للفلسطينيين عندما شيعوه مرددين هتافات تمجد نضاله وتشيد بإيمانه،وكان الشهيد إحسان كم الماز كما كان منهم الشيخ محمد الأشمر وهو حجازي الأصل ولد في دمشق وقاتل ضد الفرنسيين،وعندما اندلعت ثورة1936في فلسطين هبّ لنجدة إخوانه المجاهدين قائداً للمفرزة السورية إلى جانب المفرزة العراقية ومنطقة نشاطه مثلث نابلس وخاصة منطقة طولكرم. كثرٌ هم العرب السوريون رحلوا إلى فلسطين للجهاد من أجل العروبة والإسلام،كان منهم المقدم غسان جديد وكان المقدم أديب الشيشكلي قائد المجموعة الشمالية والذي أصبح في خمسينات القرن الماضي رئيساً للجمهورية،والكتب والدراسات المرجعية حافلة بالأسماء....غنية بحكايا التضحيات. وكثرٌ هم العرب الآخرون توافدوا إلى الأرض الطاهرة للدفاع عنها وأيام العدوان الثلاثي"إنكلترا-فرنسا-إسرائيل"عام1956على مصر العربية لأن رئيسها الراحل جمال عبد الناصر أمم قناة السويس وأعاد ريعها لعرب مصر،انطلقت المقاومة العربية المصرية للجنود الغزاة شارك الجميع فيها وكانت مدينة بور سعيد المثل الأروع حيث اصطاد أبناء هذا الشعب العظيم المظليين برصاص بنادقهم , وفي تلك الأيام تحكي الوثائق أن الجيش العربي السوري أعد عدته واستنفر قواته ليحارب إلى جانب الأشقاء لكن الراحل يومها طلب أن لا تدخل سورية المعركة فقد كان مدركاً لحتمية النصر وليجنب السوريين خسائر فهم بحاجة إلى المزيد من تعزيز قدراتهم العسكرية،وبعد انسحاب القوات الغازية وزمن الرئيس الأمريكي ايزنهاور شعر بأن فراغاً حدث نتيجة اندحار الفرنسيين والإنكليز وخروجهم من المنطقة فأبدع نظرية سميت يومها"ملء الفراغ"فكان حلف بغداد بمشاركة عربية وتبعية أمريكية ولم يعش طويلا ًفوحدة النضال السوري المصري كانت المعجل في وفاته،وكانت الوحدة بين القطرين عام1958وطبيعي أن يزداد التآمر على الوليد الجديد،إضافة إلى أخطاء قاسية ارتكبت في مراحلها مما أدى إلى الانفصال،ويستمر النضال العربي السوري في ستينات القرن الماضي وسبعيناته-حرب تشرين-ودخول القوات السورية إلى لبنان لوقف الحرب الأهلية فيه،ومن عاصر أو من كتب عن تلك المرحلة يعرف تمام المعرفة أن سورية لم توقف الحرب فقط بل ساهمت في الحفاظ على المؤسسات اللبنانية الشرعية فيه بعد أن بدأت بالاضمحلال والزوال....لم يعد من رئيس للجمهورية ولا حتى حكومة تحكم بل بقي مجلس النواب الذي دُعّم وجوده لينتخب رئيساً للجمهورية ولتشكل حكومة بعده. والسياسة السورية الحالية تعتمد الإرث النضالي عن قناعة لأنه ثروة ملك أبناء هذا الوطن،والقيادة من صلب ومن رحم هذا الوطن،وتتلاقى المبادئ والمصالح الوطنية في نقاط وبنود عدة،والمصالح هنا بمقدار ما هي وطنية فهي قومية أيضاً،وفي هذه الرؤية تكمن المعجزة الحالية.....مصالحنا جميعاً قومية كانت وما زالت وستبقى، إذ أي نظرة للمصلحة القطرية قاصرة ومؤذية بل ومدمرة أحياناً إن لم تحتو البعد القومي.....والسيد الرئيس بشار الأسد وفي مقابلة معه بتاريخ23/6/2006يوضح الأسس الاستراتيجية للسياسة السورية الثابتة عبر الزمن فيقول:"لا أستطيع رؤية سورية بمعزل عن الدول التي تجاورها وبمعزل عن المنطقة بشكل عام،ونحن لا نستطيع رؤية المنطقة بمعزل عن العالم". وفي هذا ترابط وشيج ما بين المحلي والإقليمي والدولي،وكلما كان التأثير العربي السوري في هذه الحلقات وعلى الرغم من صغر حجم سورية كانت الأيام الواعدة القادمة تبدو أسرع تحققاً وأكثر نجاحاً،وعن هذا يقول كاتب إسرائيلي:"إن قوة سورية تكمن في التجاذبات الدولية،والعلاقات التي تزرعها مع الدول التي تعتبرها أمريكا مهددة لأمنها فمثلا ًالعلاقة السورية الإيرانية...العلاقة الكورية.....العلاقات الاقتصادية الفنزويلية والجنوب إفريقية...والعلاقات الحسنة مع صديقاتها في أوروبا كلها لها معناها المباشر وغير المباشر في سياسة إسرائيل تجاه سورية. ومن نفس المنطلقات الفكرية....الإرث.....البعد القومي.....وحتى المصالح تتبنى سورية حق الشعوب في مقاومة المحتل،وترى في العمل المقاوم عملا ًوطنياً تقره الشرائع الدولية وميثاق الأمم المتحدة،وفي حديث لصحيفة البايس الأسبانية بتاريخ20/10/2006يقول السيد الرئيس:"إن سورية تدعم حق المقاومة طالما هناك احتلال للأراضي وخاصة أن أراضيها محتلة...وإن حزب الله يدافع عن وطنه،وقوته شعبية بالدرجة الأولى وليست محصورة بطائفة كما يصورها البعض،وبالنسبة للقضية الفلسطينية فإن سورية تدعم كفاح الشعب الفلسطيني وصولا ًإلى حقه المشروع في تحرير أرضه وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين،وما دام هناك احتلال فهناك مقاومة"ويتابع القول:"سورية تدعم الفلسطينيين وتشجع حماس على التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني،وفي ظل هذه المبادئ تؤيد سورية قيام سلام عادل وشامل وفق القرارات الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام". والإيمان بحق الشعوب بمقاومة الاحتلال عبر عنه الدكتور فيصل مقداد- نائب وزير الخارجية-في لقاء له مع طلبة جامعة دمشق بتاريخ11/10/2006إذ قال:"إن الكيان الصهيوني لم يفهم حقيقة الدعوة إلى السلام،ومن ثم فخيار السلام لن يبقى إلى الأبد وبإمكان سورية فتح باب النضال ليتطوع عشرات الآلاف من مناضلي حزب البعث والقوى الوطنية". هل هذا مجرد حديث سياسي عاطفي ؟!...إطلاقاً،فالروح النضالية جزء من تكوين الروح الإنسانية العربية،ومناضلو العراق من الحزبين ومن بقية القوى الوطنية يتصدون للاحتلال ويثبتون الأصالة وحب الوطن،وسورية وفي إطار المعادلات الدولية تبدى استعدادها للعيش بسلام ذلك ما قاله رئيسها في مقابلة تلفزيونية مع B.B.C وانسجام واعتراف متبادل مع دولة إسرائيل،وعلى الطرف"الإسرائيلي" فيهود أولمرت رئيس الوزراء يقول:"طالما ما زلت رئيساً للحكومة فلن نتخلى عن الجولان إلى الأبد"وبهذا الموقف ينسجم انسجاماً مطلقاً مع رأي"شارون"الذي قال عنه"أورغي ساغي"الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية الصهيونية:"لو خير شارون بين السلام بدون الجولان،أو الجولان بدون السلام لاختار الجولان بدون السلام" وفي ذات التوجه والاتجاه تسير وزيرة الخارجية الحالية .......وفي حديثنا عن محاولات التسوية يجب أن نتذكر أن الرئيس الراحل حافظ الأسد كان مصراً ومتمسكاً بالعودة إلى حدود عام بكاملها 1967ولذا كان رفضه التنازل عن بضعة أمتار من شواطىء بحيرة طبريا أثناء لقائه مع الرئيس كلينتون السبب في انتهاء المباحثات،وبقيت الأوضاع على حالها،وفي تقديري واعتقادي بل إيماني أن الرئيس بشار الأسد متمسك بكامل الحدود ولن يتوقف عن دعم المقاومة في لبنان وفلسطين إلا إذا شمل الحل جميع هذه الأقطار الباقية أراضيها تحت الاحتلال،ومع كل هذه التوجهات والتصريحات فهناك الفيتو الأمريكي وعن ذلك كتب أوري أفنيزي بتاريخ24/2/2007مقالا بعنوان"نحن مستعدون للحرب القادمة"يقول:"لا يمكن أن يخطر ببال أحد أن إسرائيل الخادمة الأمنية ستصنع السلام مع من لا تحبه أمريكا....لا000 السلام مع سورية ليس مدرجاً في الأجندة،قطعاً لا" وهنا تكمن صعوبات الحل السياسي وتضيق آفاقه...ثبات في الأهداف المعروفة،عدم التنازل عن أي قطعة أرض،وعدم فك التحالفات القائمة والتوقف عن دعم المقاومة يقابلها الغرور الإسرائيلي والكره الأمريكي لهذا البلد المعارض للسياسات الاستعمارية. وتتكاثر الأسئلة وكيف يكون الحل؟!.....وماذا بعد؟!.....وماذا عن الحل العسكري؟!....وما هو السبيل للتحرير؟!..... وبموضوعية وبدقة عالية نجد أن الظروف الإقليمية قد تغيرت تغيراً كبيراً.....هزيمة أمريكا في العراق ومحاولاتها الخلاص من عمق مستنقعها، وهزيمة"إسرائيل"في عدوان تموز من العام الماضي على لبنان، وانتصار حزب الله والمقاومة اللبنانية، والانتظار للتقرير الثاني للجنة التحقيق، والزلازل على الأرض الأمريكية وفي"إسرائيل"بدأت وما زالت مستمرة.....في أمريكا هزيمة بوش السياسية ونجاح الديمقراطيين،واستقالة"رامسفيلد"وتغيير قيادات أساسية في الجيش،بل بدايات السقوط في اعتراف أخير للرئيس بوش بفشل سياسته الداخلية عند رفض مشروع قانون قدمه الكونغرس،وانضم هذا الفشل إلى فشل السياسة الخارجية،ولدى العدو تغيير قيادات عسكرية بل وحتى وزير الدفاع،وأوضاع رئيس الوزراء المهترئة،وبانتظار التقرير الثاني للجنة التحقيق"فينوغراد". لقد بدأت هزيمة البعبع الأمريكي العالمي تتحقق على أيدي المقاومين العراقيين الشرفاء،وانهارت صورة البعبع المحلي،وعن ذلك كتب بن كاسيت في صحيفة معاريف8/6/2007يقول:" لقد مرت تلك الأيام التي كان فيها أزعر الحي الذي لا يتجرأ أحد على الوقوف في وجهه أو يخاف من رد فعله الصعب في الوقت والمكان الملائمين،واليوم أصبح الجميع قادرون على إلحاق الأذى ببعضهم البعض في كل زمان ومكان،هذا الأمر ينطبق على أمريكا الكبرى وينطبق علينا أيضاً" ويكمل تحليله " الآن أصبحنا ضعفاء....السوريون يشعرون بثقة عالية بالنفس والسبب هو ما فعله حزب الله للجيش الإسرائيلي"ويتابع القول:"ووفقاً لأحد السيناريوهات المحتملة ستقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران،فتستغل إسرائيل الفرصة لتنفيذ هجمة على دمشق،ومن ناحية أخرى هناك سيناريو معاكس حيث تقوم أمريكا بضرب إيران فيقوم أحمدي نجاد بتحريك كل الجوقة باتجاه إسرائيل،إيران تقوم بتدمير القواعد الأجنبية بدول الخليج بصواريخها بينما تقوم سورية وحزب الله وحماس بقذف كل ترساناتها على تل أبيب وتنفيذ هجمة في الجولان والقيادة الإسرائيلية في حالة نزع،فرياح الحرب تهب في وجهها مباشرة هذا الوجه الذي تلقى حماماً بارداً في لبنان". الخوف بل الذعر والهزائم تظهر متتابعة على الحلفاء الضالين،وعوامل القوة تتزايد لدى أصحاب الحقوق يقول الكاتب"الإسرائيلي"أفنيزي ناقلا ًعن صحيفة"هاآرتس"عنواناً في الصفحة الأولى"سباق تسلح سوري بمساعدة إيران"ويقول أن سائر وسائل الإعلام عبرت بالصيغة ذاتها،جاء أن روسيا تزود سورية بكميات هائلة من الأسلحة المضادة للدبابات من النوع الذي لم تصمد أمامه أيضاً أفضل الدبابات الإسرائيلية في حرب لبنان،وإذا كان الأمر غير كافٍ فروسيا ترسل إلى سورية صواريخ قادرة على إغراق سفن البحرية لدينا وصواريخ بعيدة المدى يمكنها أن تصل إلى كل نقطة في إسرائيل،وبن كاسيت وفي صحيفة معاريف وبذات التاريخ المذكور8/6/2007يقول في هذا المجال:"من الناحية التكنولوجية نفذ الجيش السوري قفزة كبيرة إلى الأمام،وفي حال اندلاع الحرب ستكون هذه حرباً ضارية صعبة،وستشمل فرق الكوماندوس المدربة والمزودة بصواريخ مضادة للدبابات من أكثر الصواريخ تطوراً في العالم،وصواريخ سكاد وغيرها من الصواريخ العابرة وربما حتى رؤوساً نووية،وصواريخ بحر-بر تطلق من البارجات،ومدفعية ثقيلة،وطائرات ميغ29تتسلل إلى أجواء حيفا". وفي ذات التوجه المذعور وتحت عنوان"أيوم غفران جديد"كتب وبتاريخ3/6/2007غابي بخور في يديعوت أحرنوت وفي ذلك إشارة إلى حرب تشرين يقول:" يصعب أن لا نرى السوريين ماضون إلى حرب لأنهم يقدرون أن إسرائيل فقدت"غريزة القتل" وأدركوا كنتيجة متلازمة مع المعركة الأخيرة أنه لا حاجة إلى جيش بري كبير،بل إلى صواريخ إزاء التجمعات السكنية الإسرائيلية،منذ سنتين يقوم السوريون بشراء أوسع من روسيا،وسورية ابتدأت تزود قبل كل شيء بصواريخ متقدمة مضادة للطائرات تفشل سلاحنا الجوي،وبصواريخ مضادة للدبابات لأنه ثبت في الحرب الأخيرة أن مدرعاتنا ليست مستعدة لها،وبصواريخ بحرية مضادة لسفن سلاح البحرية،والسوريون استكملوا نشر صواريخ البحر الصينية التي اشتريت من إيران،وأنه قد استكمل أيضاً نشر الصواريخ المضادة لسلاح الجو،وعبرت روسيا عن استعدادها لبيع السوريين أيضاً أكثر صواريخها تقدماً من نوع"اسكندر"ذات مدى280كيلومتراً،وهو مدى كافٍ لإصابة أهداف إسرائيل كلها وبقراءة متأنية لما نقل وكتب في هذا المجال يجعلنا جميعا كعرب نعتز بالموقف العربي السوري و " بشرّه " حسب التعبير الأمريكي لأنه عدّ سورية من دول محور الشر,لقد كانت كل القيادات أمينة على القيم الوطنية والأصالة التاريخية،ولنسجل للقيادة الحالية وباعتزاز أنها خلقت ما يسمى"بتوازن الرعب" مع " إسرائيل "،التي كانت سابقاً تصول وتجول وتهدد كما ذكرت في البداية،وهذا الاعتراف واجب على كل وطني قومي غيور على بلده وأمته،بل وأكثر يجب علينا دعم كل هذه المواقف - ونسيان وتناسي مرحلياً النقد لبعض القضايا الداخلية فالأمل يبقى دائماً بإصلاحها واستمراريته بل نتمنى شد الرحال باتجاهها والإسراع ما أ مكن بها ضمن كل الظروف المحيطة دعما وصلابة للسياسات الخارجية , وربما وبتقدير العديد من المحللين أن التوازن يتزايد ثقلا ًلمصلحة سورية، ذلك ما عُبر عنه في أن القوة السورية تكمن في استفادتها من التجاذبات الدولية وبناء قدراتها الذاتية ودعمها للمقاومين وعملها الدائب الدؤوب ضد القوى الاستعمارية. هي معجزة عصرية فهذا القطر الصغير يتحدى كل القوى الاستعمارية لا من استفادته من السياسة الدولية فقط،بل من حلفه القوي الأكيد والذي عرفه الأعداء أيضاً،إنه حلف مع إيران والمقاومة في لبنان وفلسطين،بل وكل المقاومات،ويوم تتعرض سورية للعدوان فستنطلق كل الصواريخ ويكثر الاستشهاديون من إيران إلى العراق وسوريا وإلى لبنان،وإلى فلسطين،إنه الحلف المؤمن المقدس والجبهة ستتوسع ضد الأعداء.
إذن الحل السياسي لن يكون استناداً إلى التحليلات الموضوعية،والحرب أيضاً مستبعدة في ظل الظروف الحالية،لكن يبقى وفي دائرة الاحتمال ومهما وثّق الرأي دور كبر أم صغر للآراء الشخصية والمشاعر لإذكائها،وعن ذلك يضع كاتب"إسرائيلي" احتمال تشوبها ويقول:"لقد بقي أولمرت في السلطة فقط لأن الكثيرين يؤمنون أن أية حكومة بديلة ستكون أسوأ بكثير،رئيس حكومة تهكمي عالق بهذا الوضع من شأنه أن تغريه مغامرة عسكرية جديدة أملا ًأن تعيد له شعبيته المفقودة وتغير الانتباه عن مشاكله الشخصية والسياسية،إذا كان هذا هو الهدف من غير المهم أبداً أين ستكون الحرب وضد من الفلسطينيين-اللبنانيين-السوريين أو الإيرانيين،المهم أن تنشب بسرعة و يذكرنا الكاتب ذاته بطبيعة الحال بوضع زعيم فذ آخر-جورج بوش- قائلا " ومن المثير أن نرى الاثنين قابعان في نفس الوضع تقريباً. "..... إنها بداية النهاية للاستعمار الحديث وللحليف الاستراتيجي والتي ساهمت الإرادة السورية بقسم لا بأس به من خلقها ،وأوجدتها معبرة عن وجدان كل عربي من المحيط إلى الخليج،مؤمن بالله وعروبته،ولكن يؤسفني أن أنهي ما كتبت ولم أعتد مثل هذه النهاية من قبل فصحيفة يديعوت أحرنوت ومن مراسلها "سمدار بيري" وفي مقابلة مع سؤول عربي وفي إجابته على الأسئلة يقول:"لشدة الأسف في الانتخابات الأخيرة(الانتخابات الفلسطينية)تسرعوا أكثر مما ينبغي،وحماس استغلت الفرصة في أنه لم يكن لفتح حضور كافٍ في غزة فانتصرت،لو أنهم انتظروا لما كنا وصلنا إلى الوضع الحالي"ويجيب على سؤال عن تعهدات أولمرت التي قطعها لأبي مازن قائلا ً:"لدي ثقة بتعهدات رؤساء وزراء إسرائيل"ويتمادى في غيّه وضلاله ويرد على سؤال هل فقدت إسرائيل قوة ردعها في أعقاب حرب لبنان؟!...ويجيب: "لا،ولكن إسرائيل بحاجة إلى تنظيم أكثر جودة،وتفكير أكثر ترتيباً". وفي هذا تتبدى وتتوضح الحقائق لا الحقيقة فقط بين موقفين،الأول ناسك عابد لربه وأمته،والآخر بعيد وكافر بهما وليس لنا في هذه المرحلة المؤقتة إلا شيئين الدعاء بالنصر للمقاومين والدعوة على الضالين المتخاذلين .
|
||
|
|
|
حورات |