انفض سامرُ وزراء الإعلام العرب في دورتهم الأربعين بالقاهرة بالإعلان عن تنفيذ عدد من مشروعات الخطة الجديدة للتحرك الإعلامي على الساحة الدولية لمواجهة الدعاية المضادة، اعتباراً من شهر سبتمبر المقبل. وركز البيان على قضية الدعاية المضادة، وجمع البيانات والمعلومات والقيام بالاستطلاعات لرصد الرأي العام الخاص بهذه القضية. وكانت هناك توصيات حول نشر ثقافة السلام والتعريف بالحضارة العربية وتكريس مفاهيم الحوار والانفتاح والتعامل مع الآخر. وكذلك الإعلام الإلكتروني الذي شُكلت له لجنة لتجتمع في شهر أكتوبر المقبل.
ومن المثير أن الوزراء أكدوا على ضرورة دعم الإعلام في كل من لبنان وسوريا والعراق والسودان والصومال وجزر القمر، على النحو الذي يعمّق صلاتها بالوطن العربي. وكان هناك ترحيب بالتعاون مع الصين، والتدريب ووضع صندوق الدعوة العربية الذي اعتمد له مبلغ 3 ملايين دولار أميركي.
بداية؛ نحن ندرك مدى الحساسية وأجواء المجاملات التي عادة ما تسود مثل هذه الاجتماعات، والتي يُغيّبُ عنها المهنيون الإعلاميون، ويطغى عليها الحضور السياسي الذي لا يقدم شيئاً في قضايا التعاون الإعلامي، بقدر ما يؤخرُ كثيراً من المبادرات والمشاريع بحكم التشنجات السياسية والاستقطابات!
وكان من نتائج عدم صفاء المناخ الإعلامي ما يلي:
1- اختلاف القيم الإعلامية فيما بين الدول العربية، الأمر الذي يجعل كل عبارات "التمني" و"الأمل" غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع. فصياغة الأخبار في ليبيا مثلاً ليست كما هي في البحرين أو الإمارات. وتوجهات البرامج في لبنان ليست كما هي في السعودية، وأولويات الإعلام في المغرب ليست كما هي في الكويت... لذلك فإضاعة المال والوقت في وضع خطط عربية مشتركة للإعلام، ليس لها طائل، بل نحن نتشكك –وبيقين- في أن الدول العربية لن تطبق ما توحي به تلك الخطط أو المشاريع، ناهيك عن أن أغلب هذه الدول العربية لا تدفع مساهماتها المالية في تلك المشاريع!
2- التباين الواضح في السلوكيات الإعلامية والقدرات التكنولوجية بين وسائل الإعلام العربية. فهنالك دول تعمل بالإعلام الرقمي (Digital ) وأخرى ما زالت تستخدم النظام القديم (Analogue)، ودول ما زالت برامجها (أسلوباً وشكلاً) كما كانت في الستينيات! كما أن عقليات القائمين على محطاتها وصحفها ما زالت تعشش فيها روح الحزب الحاكم أو توجيهات قصر الرئاسة. فلا حرية في التعبير ولا ميزانيات لعامل الإبهار والتشويق والانتقال والبث المباشر أو استقبال الضيوف أو إقامة الحفلات الكبرى المكلفة... وعلى العكس توجد دول تصرف بكل "سخاء" على المغنيات والممثلين وتستقبلهم استقبال الفاتحين... فهذا التباين لا يخدم التوجه المشترك للإعلام العربي بقدر ما يضعفه.
3- غلبة الدعاية السياسية في الإعلام العربي. وحضور "الزعيم" أو الحزب في هذا الإعلام بصورة تغيّب دور المواطن وحقه في هذا الإعلام! وهذا التوجه يبعد الإعلام عن روح الديمقراطية والحرية التي نادى بها وزراء الإعلام بعد اختتام اجتماعهم المذكور.
4- التوجس الواضح من بعض الفضائيات المنفتحة والتي تمارس المهنية عبر هامش معقول من الحرية ومن الصرف السخي. هذا التوجس يكشف هشاشة أوضاع الإعلام العربي المُمجد دوماً للسلطة في طرف، ويبيع الوهم والمجون للمتلقين من طرف آخر، ناهيك عن الرقابة التي تفرضها بعض وسائل الإعلام في الدول العربية. ونحن نعتقد أن من حق المواطن الوصول إلى المعلومة ولا توجد أية خصوصية في قضية الإعلام. فكلمة "خصوصية" اختراع مسجل باسم السياسيين للحفاظ على الإرث السياسي في الإعلام العربي. ونحن نعتقد أن أية محاولة لتكبيل الإعلام العربي وفرض "القدسية" ستضعفه وتضعف ثقة المتلقين فيه.
5- أما إضاعة الوقت في التصدي للدعاية المضادة ووضع لجنة لذلك ورصد ميزانية لها، فنحن نعتقد أنها غير مجدية! فماذا يريد العرب أن يقولوا للعالم؟! نحن لا ندري لماذا يتغافل الإعلاميون الرسميون عن حقيقة الأوضاع في العالم العربي، وكل ما يجري في العالم العربي مكشوف ومنقول بالخبر والصورة إلى العالم. فأي دعاية مضادة يريد الأخوة الإعلاميون الرسميون الوقوف في وجهها؟! هل حقوق الإنسان مصانة في الدول العربية؟ هل الديمقراطية معمول بها في الدول العربية؟! هل نتائج صناديق الاقتراع حقيقية؟! فأي دعاية مضادة يود الأخوة وزراء الإعلام الوقوف ضدها؟!
6- أما دعم بعض الدول العربية، فهو حديث ذو شجون؛ ما هي طبيعة الدعم الذي يمكن أن يقدمه وزراء الإعلام للإعلام العراقي، ونحن نشهد في العراق عشرات الفضائيات ومئات الصحف والمجلات؟! الكل هناك يغني على ليلاه. والمسألة تنطبق على إعلام الدول الأخرى. من نؤيد في الصومال؟ وفي جزر القمر؟ بعض هذه الدول متخلف جداً ويحتاج إلى البنى الأساسية في التعليم والصحة والطرق، فكيف تُدعم إعلامياً وهي في مثل هذه الأوضاع؟
7- ونحن لا ندري لماذا تفتق ذهن المجتمعين عن مقترح لصندوق الدعوة، واعتماد مبلغ 3 ملايين دولار! الدعوة لمن ولماذا؟! وهل ستقوم الدول العربية ببث البرامج المقترحة! ونحن لدينا تجربة في الخليج مع برنامج (افتح ياسمسم) الذي أنتج للأطفال عبر "مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية"، حيث ترددت العديد من الدول العربية في بث البرنامج –رغم أنه من أنجح البرامج التي صرفت عليها المؤسسة، كما لا يحمل دعاية سياسية بل له أسلوب تعليمي راق، لكن رفضته بعض الدول العربية التي تختلف أنظمتها عن أنظمة دول الخليج، لمجرد كونه أنتج في دولة الكويت! فأية برامج سوف يضمن وزراء الإعلام بثها عبر ذاك الصندوق؟! ابحثوا عن المستفيدين من هذا المقترح؟
وأخيراً؛ فإننا بحاجة إلى أرضية صالحة للعمل العربي المشترك. خصوصاً في الإعلام الذي يرتكز على معطيات جديدة، منها الحرية والرأي الآخر والانفتاح، وهذه قيم للأسف محظورة في أغلب الدول العربية. وجميل أن يتم حظر بث بعض الفضائيات التي لا تخدم القيم العربية والإنسانية على السواء. ونأمل أن تتم متابعة هذا الأمر!