|
حورات |
|
|
|
|
|
إبن خلدون والإجتماع العربي - فائز البرازي |
|
|
2007-07-08 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
لايزال العبقري / عبد الرحمن بن محمد بن خلدون / المعروف بإسم " إبن خلدون " ، يثير الجدل والعظمة بما تركه من آثار وبصمات في علم الإجتماع ، وفي عقول العلماء حتى الآن ، بعد مضي أكثر من 600 عام على وفاته . وتشكل ( المقدمة ) المعروفة " بمقدمة إبن خلدون " والتي نستطيع القول : أنه أنشأ بها علمآ جديدآ إجتماعيآ إنسانيآ نعرفه الآن " بالسوسيولوجيا " . حيث لاتزال " المقدمة " تعتبر من أمهات الكتب العالمية ، ولها مكانتها العلمية فتدرس في معظم الجامعات الأوروبية ، محافظين لها على إسمها باللفظ العربي – المقدمة – والتي تكتب بأحرف أجنبية. ومن أوضح المختصرات عنها ، هو ما قدمه الدكتور / نواف الجراح / لها – للمقدمة – في عرضها إذ قال : [ المقدمة .. هي بنية تتواكب فيها ثلاثة نظم متباينة : الطبيعة – المنطق – الزمان ، بصورة يوازي فيها واحدها الآخر .. وتتوضح نقاط المقدمة الأساسية في عنوانها . فكلمة " المقدمة " : هي عبارة متعددة المعاني كثيرآ ، وميدان دلالاتها يمتد على نطاق واسع ليشمل ضمنه عددآ مختلفآ من النظم المفاهيمية ، مثلما يتبين ذلك بشكل واضح المعالجات الواسعة المدى في الأعمال الموسوعية التي كتبت عن العلوم العربية والإسلامية ، بهذا الجزء من تاريخ إبن خلدون ، وهي مقدمة بأوسع وأشمل معاني هذه الكلمة .. وقد إستهل كتابه بموضوع ( علم العمران ) ، وفي الوقت ذاته يستمد من هذا العرض الذاتي ، الموضوع الذي تتوجه المقدمة بأسرها تجاهه ، وهو " المُلك " . فعلى البشر الإجتماع كي يكون بإستطاعتهم تأمين ضرورياتهم من طعامهم وشرابهم والدفاع عن أنفسهم ضد : وحوش الفلاة ، ثم إن تشكل التجمعات البشرية يفسح المجال لإمكانية زراعة المحاصيل وصناعة الأسلحة . لذا فإن الحياة البشرية نوعآ من " المحال " دون إجتماع البشر ... وإنطلاقآ من أن الشيئ يتوقف عليه شيئ آخر بذاته ، سواء أكان التوقف عقليآ أو عاديآ أو جُعليآ ، يمكن أن تعني المقدمة ما تعنيه في القياس المنطقي نظرآ لأن المقدمة تتضمن النتيجة التي ستنجم عن عملية القياس المنطقي. وبالطريقة ذاتها يتكلم إبن خلدون ، أن " التاريخ " يتضمن تسلسلآ نصيآ يُبنى اللاحق على السابق . إنه يبدأ بالحديث عن الشروط التي تصنع أحداث التاريخ ، ومن ثم يقوم بسرد أحداثه . وهذا ما دفعه لطرح ( مشكلة التاريخ ) – التاريخ هو خبر عن الإجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم - . إنه بالدرجة الأولى يقوم بدور المعيار الذي تُقوّم وفقه الأخبار التاريخية المتوارثة من الماضي ، مع الإتجاه لتأكيد معقوليتها أو عدم معقوليتها ] . وبداية .. ننطلق من تساؤلات هامة تتردد كثيرآ في دراسات الباحثين والدارسين " لفكر إبن خلدون " ومقدمته : هل تمكن / إبن خلدون / من إنتاج مشروع ثقافي سوسيولوجي وسياسي ، لخص فيه ما أنتجه طوال حياته ؟ كيف نفهم " الخاص " في القوانين الإجتماعية ، إلى جانب " العام " ؟ بإعتبار أهمية إبن خلدون الكبرى تعتمد أساسآ وأولآ على " الخاص " من خلال ( تشخيص حالة العرب ) ،بكونه دائم الحديث عما هو " خاص " في مجتمعات العرب وتاريخهم ، وتفاعلهم في النطاق الإسلامي مع من جاورهم من ( ذوي السلطان الأكبر ) ، ثم .. ماهو " العام " المؤثر في رؤيته التحليلية ؟ . ومن هنا .. لابد أن ننطلق من " العام " وصولآ إلى " الخاص " المميز ضمن العام . فإبن خلدون يعتبر عالمآ مجددآ ومصنفآ لعلوم عصره ، ومؤرخآ ، وفيلسوفآ (للعلم ) . وبالتالي لابد أن نتلمس معالم نظريته عن ( العلم ) لبيان مفهومه وحدوده المشروعة ، وإفتراضاته المسبقة ، وبنيته العامة ، وعلاقته بغيره من " الأنساق المعرفية " ، وكل هذا ضمن إطار عصره هو بمكوناته الثقافية – الموروثة والوافدة - ، وحضارتنا الإسلامية .
لقد طرح إبن خلدون " مسلمات " لازمة لإقامة العلم ، وهي : 1- إعتبار العقل : الذي هو جوهر الطبيعة الإنسانية ، مجعولآ للإدراك . 2- السببية : كمبدأ للوجود وللفكر . 3- ثبات الطبائع : في الكون ، وإطراد حوادثه وفق سنن لاتختلف .
أولآ : العقل : ------------ إن العقل مفطور على إدراك العالم الطبيعي ، مهيأ للإستدلال على ما فوقه بآثاره . وهذا العقل تتجلى فاعليته في مستويات ثلاثة ، متدرجة في كمالها ، هي : العقل التمييزي - العقل التجريبي - العقل النظري . وليست مدارك العقل هي غاية مايدرك ، بل تأسيسآ على أن "الوجود " هو الأصل في المعرفة ، وليس العكس . يقول إبن خلدون : ( إنا نشهد بالوجدان الصحيح وجود ثلاثة عوالم : أولها ، عالم الحس ونعتبره بمدارك الحس الذي شاركنا فيه الحيوانات بالإدراك ، ثم نعتبر الفكر الذي إختص به به البشر فنعلم عنه وجود النفس الإنسانية علمآ ضروريآ بما بين جنبينا من مداركنا العلمية التي هي فوق مدارك الحس ، فنراه عالمآ آخر فوق عالم الحس ، ثم نستدل على عالم ثالث فوقنا بما نجده فينا من آثاره التي تُلقَى في أفئدتنا ، فنعلم أن هناك فاعلآ يبعثنا عليها من عالم فوق عالمنا ، وهو عالم الأرواح والملائكة وفيه ذوات مدركة لوجود آثارها فينا ، مع مابيننا وبينها من المغايرة ) . إذن العقل يظهر بما هو مرآة عاكسة للوجود ، إلا أن مايميز العلم الإنساني أنه علم مكتسب نتيجة صرف همة العقل إلى تحصيل المدركات . فعلم البشر هو (حصول صورة المعلوم في ذواتهم بعد ألا تكون حاصلة ، فهو كله مكتسب . والذات التي تحصل فيها صورة المعلومات وهي النفس ، مادة هيولانية تَلبس صورة الوجود بصورة المعلومات الحاصلة فيها شيئآ فشيئآ .. فالبشر جاهل بالطبع ، وعالم بالكسب والصناعة ، لتحصيله المطلوب بفكره بالشروط الصناعية ) . إن هذا الجهد العقلي الموصول لإكتساب المعرفة على إتساعها هو جوهر الروح العلمية . فالعقل هو الأساس ( في إنتظام الأفعال الإنسانية ) وفي إقتناص ( العلم بالآراء والمصالح والمفاسد ) وبه يحصل تصور الموجودات غائبآ وشاهدآ على ماهي عليه . والإنسان في الحالة الأولى قبل التمييز ، هو هيولى فقط لجهله بجميع المعارف ، ثم تُستكمل صورته بالعلم الذي يكتسب بآلاته ، فتكمل ذاته الإنسانية في وجودها . ويضيف إبن خلدون إلى " ملكة الفهم والوعي " ، ملكة أخرى يسميها " ملكة الإحاطة " وذلك في قوله : ( إن الحذق في العلم والتفنن فيه والإستيلاء عليه ، إنما هو بحصول ملكة في " الإحاطة " بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله وإستنباط فروعه من أصوله . ومالم تحصل هذه الملكة ، لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلآ . وهذه الملكة هي غير الفهم والوعي ، لأننا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها ، مشتركآ بين من شدا في ذلك الفن ، وبين من هو مبتدئ فيه . وبين العامي الذي لم يحصل علمآ ، وبين العالم النحير . والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون سواهما ، فدل ذلك على أن هذه الملكة هي غير الفهم والوعي ) .
ثانيآ : السببية . --------------- السببية مبدأ للوجود والفكر : ولا تستقيم دلالة الحوادث الفعلية إلا بالفكر الذي وهبه الله للإنسان . والسببية التي هي مبدأ عقلي ، والذي يتضافر معها "النظام " و " الترتيب " ، هي مبدأ للفعل، كذلك فأول العمل هو آخر الفكرة ، وأول الفكر آخر العمل . وعلى أساس الإلتزام بهذا المبدأ ، تتحدد مكانة الفرد من أفراد النوع الإنساني . أي : كما يقول إبن خلدون : ( على قدر حصول السباب والمسببات في الفكر مرتًبة تكون إنسانيته . فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتين أو ثلاث ، ومنهم من لايتجاوزها ، ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ست ، فتكون إنسانيته أعلى ) . فالفكر هنا يُدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع ، أو بالوضع . فإذا قصد إيجاد شيئ من الأشياء فلأجل الترتيب بين الحوادث ، لابد من التفطن بسببه أو علته أو شرطه ، وهي على العموم ، مبادئه . ومن هنا تتفاوت همم الأفراد في فهم حقائق الأشياء كما تتفاوت قدراتهم في النفاذ إلى عمق الوقائع وبواطن الأمور . والسببية عند / إبن خلدون / هي خاصية ذاتية لوجود الموجود : ( والحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات ، أو من الأفعال البشرية ، أو الحيوانية ، فلا بد لها من من أسباب متقدمة عليها ، بها تقع في مستقر العادة ، وعنها يتم كونها . وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضآ ، فلا بد له من أسباب أخُر ، ولا تزال تلك الأسباب مترقية حتى تنتهي إلى " مسبب الأسباب " وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو ) . ولأن الوجود أرحب من الإدراك ، كما أن الوجود هو الأصل في الإدراك ، يؤكد / إبن خلدون / هذا الطابع النسبي للعلم الإنساني المحدود بطبعه بحدود الزمان والمكان . فيقول : ( ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على " الإحاطة " بالكائنات وأسبابها ، والوقوف على تفصيل الوجود كله . وإعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لايعدوها ، والأمر في نفسه بخلاف ذلك ، والحق من ورائه ) . ولا ريب في أن رأي إبن خلدون هنا مؤسس على " نقد " قدرات العقل النظري وبيان حدوده . وهو أبعد مايكون عن " نزعات الشك " والإرتياب في قدرة العقل على الإدراك . وبالتالي فإنه يبادر لتوضيح ذلك فيقول : ( وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه ، بل العقل " ميزان صحيح " . فأحكامه يقينية لاكذب فيها . غير أنك لاتطمع أن تزن به أمور " التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقيقة الصفات الإلهية " وكل ماوراء طوره ، فإن ذلك طمع في محال .. لكن للعقل حدآ يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته ، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه ... وإذا تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الإرتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة ، فيضل العقل في بيداء الأوهام ويحار وينقطع ) . فالسببية إذآ : مسلمة من مسلمات " المنهج " لإمكان قيام المعرفة العلمية على تنوع مجالاتها الرياضية والطبيعية والإنسانية . ثالثآ : ثبات الطبائع وإطراد الحوادث : ----------------------------------- يؤكد إبن خلدون أن كل حادث من الحوادث ذاتآ كان أو فعلآ ، لابد له من طبيعة تخصه في ذاته ، وفيما يتعرض له من أحواله . والوقوف على طبائع الكائنات ( أصل لتحكيم النظر والبصيرة ، وتجنب الغلط والوهم . وأي تجاهل لطبائع العمران وأحواله بمقتضى طبعه ولما يعرض له من العوارض الذاتية – المؤدية إلى معرفة علل الكائنات وأسبابها – لايؤمن معه العثور ومزلة القدم والحيدة عن جادة الصدق ) . إذآ لاسبيل لتحصيل العلم الصحيح ، إلا إذا كانت طبائع الموجودات ثابتة لاتحكمها المصادفة ، والوقوف على هذه الطبائع أساس تقديرنا للمعارف المكتسبة من بعد ، والتي يكون قبول ما يقبله المتعلم منها رهنآ بعرضها على القواعد والأصول . فإن وافقها وجرى على مقتضاها ، كان . وإلا زيَفه وإستغنى عنه . ومتى كان السامع عارفآ بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها ، أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب ، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض . ويتضح تمييز إبن خلدون بين : ماهو ثابت وضروري " ذاتي " بمقتضى الطبع في الموجودات ، وبين : الأحوال العارضة تلك التي قد تلحق بها أحيانآ ، وبين : أحوال تقع في الوهم وليست مما يمكن أن تعرض في الواقع للموجودات بحال ما . ومع تسليم / إبن خلدون / بثبات الطبائع لأحوال الموجودات ، إلا انه يقيم توازنآ يفرضه الواقع بين قانون " التشابه " أو التماثل ، وقانون " التباين " الذي يتضايف معه . وفي ذلك يقول : ( ومن الغلط الخفي في التاريخ، الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأغصار ومرور الأيام . وهو داء دوي شديد الخفاء ، إذ لايقع إلا بعد أحقاب متطاولة ، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة ، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم ، لاتدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو إختلاف على الأيام والأزمنة وإنتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأفكار والأزمنة والدول . سنة الله التي قد خلت في عباده . وهذا التباين أوضح ما يكون في العمران البشري . .. وإذا تبدلت الأحوال جملة ، فكأنما تبدّل الخلق كله من أصله ، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدَث ) . وهذا ما جعله ينظر في كثير من الأحوال ، إلى النصوص الشرعية – التي تنظم الأحوال المعاشية – في ضوء ما يزخر به الواقع من متغيرات ، وما قد يطرأ عليه من مستجدات .
العلم : ظاهرة حضارية : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العلم والتعليم في نظر / إبن خلدون / : ( طبيعي في العمران البشري ) . ( فإن الفكر الذي إختصت به الطبيعة الإنسانية ، تنشأ العلوم والصنائع . فالإنسان يتوجه بفكره ونظره إلى واحدة واحدة من الحقائق ، وينظر ما يعرض له لذاته واحدآ بعد آخر ، ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكه له فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علمآ مخصوصآ ، وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيئ التعليم من هذا ) . العلم إذآ نشاط مكتسب ، ومظهر للإرتقاء الإنساني . و ( الحذق في العلم والتفنن فيه والإستيلاء عليه ، إنما هو بحصول ملكة في "الإحاطة" بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله وإستنباط فروعه من أصوله ، ومالم تحصل هذه الملكة ، لم يكن الحذق في المتناول حاصلآ ) . وتتحدد أقدار الجماعات الإنسانية نتيجة لعلاقتها بالعلم ، الذي هو سبب للتحضر ونتيجة له . حتى أن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو برسوخ الحضارة وطول أمدها و( قيمة كل إمرئ ما يحسن ) . بمعنى أن صناعته هي قيمته ، أي قيمة عمله الذي هو معاشه . وبما ان النشاط العمراني مرآة تعكس طبيعة التحضر ، فإننا نجد العلوم تكثر حيث يكون العمران ، وتعظم الحضارة . و ( الصنائع تكثر في الأمصار ، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش ) . ولزم عن ذلك أن اصبحت " الثقافة العلمية " عند/ إبن خلدون / قاعدة لعمل المؤرخ طالما أن العلم ذاته يصنع التاريخ ، ولا يمكن فهم حقيقته دون أن نأخذ في إعتبارنا الإطار الذي يحيط به ويوجهه . . ومما يتصل بنظرية العلم عند / إبن خلدون / ، تحليله " للأسس المنطقية للمعرفة " وبيانه لكيفية التدليل على صحة القضايا والتحقق منها . وهو في ذلك يتابع جهود من سبقه من مفكري الإسلام الذين حاولوا دمج المنطق في بنية الثقافة العلمية . فالوعي بأسس العلم المنطقية وأحكامه ومعرفة أصول الجدل ، أمور واجبة على المشتغلين بالعلم على إختلاف ضروبه ، ليُعرف بها ( الصحيح من الفاسد في الحدود المعرِفة للماهيات ، والحجج المفيدة للتصديقات ) . فالمنطق إذآ أمر صناعي مساوق للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها . على أنه مما يُحمد / لإبن خلدون / الذي لم يكن تجريدي النزعة ، تحرره من التقاليد الصورية للمنطق الأرسطي وترسيخه للأسس الإستقرائية للمعرفة العلمية ، وحملته على المقلدين الذين يتجاهلون الوقائع الجزئية فلا يرونها مؤدية إلى علم صحيح ، ويتعاملون مع أحوال الواقع بإعتبارها ( صورآ قد تجردت من موادها ) . وتتوزع العلوم أصنافآ على أساس التباين في الموضوعات ، والمناهج ، والغايات . فيستقل كل علم منها بموضوعه وبمنهجه وبغايته . ولأن " الوجود هو الأصل " في المعرفة ، وليس العكس ، تنوعت العلوم يتنوع موضوعاتها . وكل ماهو طبيعي معايَن يمكن تناوله بالدراسة العلمية . وعلى أساس " نجاح العقل " في حصر موضوع معين ، هو شرط ضروري لقيام العلم ، عرض إبن خلدون " لعلم العمران " الذي إبتدعه ، مبادرآ إلى القول : ( وكأن هذا العلم علم مستقل بنفسه ، فإنه ذو موضوع ، وهو العمران البشري والإجتماع الإنساني ، وذو مسائل وهي بيان مايلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى . وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيآ كان أو عقليآ ) . على أن هذا " الشرط " الضروري ليس كافيآ وحده في قيام العلم ، بل لابد أن ينضاف إليه " شرطان " آخران هما : المنهج الملائم لبحث موضوعاته – والثمرة المرجوة من قيامه . وهذا مايفصله / إبن خلدون / في بيانه لخصائص الخبرة العلمية الفارقة لها عن غيرها من الخبرات المعرفية الأخرى المغايرة لها أو المضادة لطبيعتها . طبيعة الخبرة العلمية : --------------------- الخبرة العلمية محصورة – بطبيعتها – في حدود الوقائع الفعلية ، لافي حدود الخبرات الذاتية ، كما هو شأن الخبرة الدينية ، أو الخبرة الفنية . وتستهدف الخبرة العلمية ضمن ما تستهدفه ، وصف الواقع وصفآ يأتي معه دليل صدقه ، وأن يكون هذا الدليل عامآ مشتركآ . وينهج / إبن خلدون / - في تأسيسه لعلمه الجديد علم العمران البشري – النهج الواجب ، فلا يستهدف شأن من سبقه ممن كانت لهم عناية ببعض موضوعاته المتفرقة ، الإقناع . بل يستهدف معرفة الوقائع طالما أن موضوعه " ليس من علم الخطابة " ، وإنما هو الأقوال المقنعة النافعة في إستمالة الجمهور إلى رأي ، أو صدهم عنه . و " علم العمران " عند / إبن خلدون / إذآ ، ليس علمآ معياريآ يسعى إلى ( مايجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليُحمَل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه ) . فتتحدد أهداف المعرفة العلمية عنده في الوصف وفي التفسير ( أي بيان العلل والأسباب ) وفي تسخير وتحقيق السيطرة على الواقع لإستكمال العمران وترسيخ الحضارة ، وبذلك تتميز المعرفة العلمية عن غيرها من المعارف التي تستهدف الإقناع بمنهج خطابي ، أو الإمتاع وإشاعة الإحساس بالجمال ، أو تحقيق الخلاص والهداية العامة للشخصية الإنسانية في الدنيا والآخرة . وعلى هذا الساس تحدد هدف / إبن خلدون / في مقدمته وهو ( بيان مايعرض للبشر في إجتماعهم من أحوال العمران في الملُلك والكسب والعلوم والصنائع ، بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة ، وتدفع بها الأوهام ، وتُرفع الشكوك ) . ولأن الحقيقة العلمية " موضوعية " وليست ذاتية ، عامة وليست شخصية ، تستوجب نبذ كل صور ( التشيعات للآراء والمذاهب ) . فإن ( النفس إذا كانت على حال الإعتدال في قبول الخبر ، أعطته حقه في التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه . وغذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة ، قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتشيع غطاءآ على عين بصيرتها عن الإنتقاد والتمحيص ) . وإنطلاقآ من تصور الوجود بما هو حركة مستمرة مبدعة تنتقل من حال إلى حال في حلقات متصلة ، يأتي تصور " المعرفة " بما هي " جدل بين الثابت والمتحول " وإرتقاءآ مستمرآ لايعرف له نهاية ، وهو مايقترن حتمآ بالحاجة المتجددة إلى تطويع مناهج تلائم موضوعاتها المستحدثة . ولقد كان لمفهوم " التقدم " الموصول أبدآ ، أساس راسخ في النسق الخلدوني ، وهو ما يعني أن صرح العلم لايكتمل إلا بتضافر جهود العلماء . وبرغم وعي إبن خلدون بقيمة ما أنجزه ، إلا أنه يؤكد على نسبية المعرفة الإنسانية . ويعرض رأيه في جدّة موضوع " علم العمران " بحيطة العلماء وأناتهم وتقديرهم لتواصل المعرفة البشرية ، ولا يغيب عنه إدراك الطابع النسبي لمحاولته التأسيسية لهذا العلم . ولا يستنكف من مطالبة غيره بإستكمال ماقصر عن بلوغه . ففي ختام " مقدمته " يقول : ( فلعل من يأتي من بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا .. والمتأخرون يُلحقون المسائل ، شيئآ فشيئآ إلى أن تكتمل ) . وهو مايستوجب المراجعة الدائمة للأفكار ، وعدم الركون إلى صوابها المطلق . ولن يقدح ذلك في الفضيلة العقلية للإنسان . ويقترن بهذا الإيمان الراسخ بمفهوم " التقدم " ، ضرورة " التحرر " في مواجهة أي سلطة فكرية ضاغطة ، وعدم ربط صواب الفكرة بمصدرها أو بالسلطة التي صدرت عنها ، ووجوب التخلص من كل صور التبعية لأي سلطة خارج نطاق العقل ذاته . كما نبه / إبن خلدون / وهو الخبير بطبائع البشر وأحوال العمران ، إلى مخاطر " التملق والنفاق " الذي يسود الأوساط العلمية عندما يتقرب الأدعياء لأصحاب "التَجِلة والمراتب " بالثناء والمديح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك ، فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة . وينصح / إبن خلدون / العالم والمتعلم أن يكون : ( مستوعبآ لأسباب كل حادث ، واقفآ على أصول كل خبر . وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول ، فإن وافقها وجرى مقتضاها كان ، وإلا زَيّفه وإستغنى عنه ) . ومن هذا .. يظهر ( الشك ) كخطوة منهجية أولى عنده ، ووصيته للباحث عن الحقيقة قوله : ( فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك ، وتأمل الأخبار وغعرضها على القوانين الصحيحة ، يقع لك تمحيصها بأحسن وجه ) . وإذا كانت الثقة بالناقلين من الأسباب المفضية إلى الكذب – أحيانآ – وكان سبيل التمحيص يرجع إلى التعديل والتجريح ، فموقف / إبن خلدون / الصريح هو : أنه لايرجع إلى تعديل الرواة حتى يُعلَم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع . وأما إذا كان مستحيلآ فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح . ولقد عَد أهل النظر من المطاعن في الخبر، إستحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لايقبله " العقل " فيكون العقل هنا مقدمآ على " النقل " . ويقول / إبن خلدون / عن الباحث في " علم التاريخ " : ( يحتاج إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات وإختلاف الأمم والبقاع والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال ، والإحاطة بالحاضر من ذلك ، ومماثله مابينه وبين الغائب من الوفاق أو بون مابينهما من الخلاف ، وتعليل المتفق منها ، والمختلف ، والقيام على أصول الدول والملل ، ومبادئ ظهورها ، وأسباب حدوثها ، ودواعي كونها ، وأحوال القائمين بها وأخبارهم ، حتى يكون مستوعبآ لأسباب كل حادث واقفآ على أصول كل خبر . وحينئذ يعرض الخبر المنقول ، على ماعنده من القواعد والأصول . فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان ، وإلا زَيًفه وإستغنى عنه ) . الخبرة الفلسفية : ــــــــــــــــــــــــــــ قد ينجم شيئ من الإلتباس عن إستخدام / إبن خلدون / لمصطلح " علوم الفلسفة " أو لمصطلح " علم الإلهيات " الذي يطلق على " الميتافيزيقا " – مابعد الطبيعة - . وواضح أنه يعرض لهذين المصطلحين بدلالتهما التقليدية عند الفلاسفة القدماء ، وعند الإسلاميين ممن كانوا ينشدون معرفة الوجود على ماهو عليه ، أو الوجود في ذاته . ولا يقنعون بدراسة الموجود بحال ما ، فيظهران بإعتبارهما من الأسماء المشتركة التي قد تُوقع في الخطأ . وإبن خلدون وهو يكشف عن تصوره لحدود " الميتافيزيقا " التقليدية ، يبادر إلى إخراجها من دائرة ( العلم اليقيني ) لمجاوزتها حدود " الإدراك الإنساني " الممكن ، لأن : ( ذواتها مجهولة رأسآ ، ولا يمكن التوصل إليها ولا البرهان عليها . لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية ، إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا . ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نُجرّد منها ماهيات أخرى ، بحجاب الحس بيننا وبينها ، فلا تأتي لنا برهان عليها ، ولا مُدرَك لنا في إثباتها على الجملة ) . ويظهر تحديد / إبن خلدون / للخبرة العلمية بموضوعها الجزئي ، خلافآ للخبرة الفلسفية بموضوعها الكلي ، عندما يميز بين : " علم التاريخ " و " فلسفة التاريخ " فإن ( التاريخ هو ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل . وأما ذكر الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصر ، فهو أسّ للمؤرخ تنبنى عليه أكثر مقاصده وتتبين به أخباره ) . ولأن التجربة الفلسفية – عند أصحابها – تجربة عقلية خالصة ، ينبه / إبن خلدون / إلى وجوه الخلط المنهجي الحاصل في الثقافة الإسلامية ، بينها وبين التجربة الأصولية عند علماء الكلام . ويميز إبن خلدون بين : الخبرة الفلسفية العقلية التي لاتنطلق من إفتراضات مسبقة نسلم بيقينها ، وبين مسلك المتكلمين الذين ينطلقون إبتداءآ من الإيمان بصحة العقائد الموحاة ، ويستهدفون إقامة الحجج العقلية عليها إلزامآ للخصوم . ويتصل بمحاولات / إبن خلدون / الناجحة في ترسيم الحدود الصحيحة بين الأنساق المعرفية ، موقفه الرشيد من ضرورة "التمييز " بين ما هو ( دين ) وما هو ( علم ) . وحملته الشديدة على من يخلطون بين " المطلق " و " النسبي " . وبين " الإلهي " و " البشري " ، وبين " الكامل " و " الناقص " ، فتغيب عنهم " الحكمة " في أصل الدعوات الدينية ومقاصدها . ولا يتردد إبن خلدون ، وهو يتحدث عما عُرف ( بالطب النبوي ) في القول : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بُعث ليُعلم الشرائع ، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات ، وقد وقع له في شأن تأبير النخل ما وقع ، فقال " أنتم أعلم بأمور دنياكم " ، فلا ينبغي أن يُحمل شيئ من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة ، على أنه مشروع ) .
وفي نهاية الوقفة مع ( نظرية العلم ) عند / إبن خلدون / ، يجب الإشارة إلى أمر هام يضعنا في مواجهة أزمة تحيق بالكتاب والمفكرين . فقد دفع حرص / إبن خلدون / على صيانة مستقبل " العلم " في امته ، إلى أن يوصي المشتغلين بالكتابة العلمية ، ألا تغيب عنهم " مقاصدها السبعة " ، وهي : · إستنباط العلم بموضوعه وتقويم أبوابه وفصوله وتتبع مسائله أو إستنباط مسائل ومباحث تعرض للعالم المحقق يحرص على إيصالها لغيره لتعم المنفعة . · أو : بيان المستغلق على الأفهام فيما عند السابقين من علماء المعقول والمنقول . · أو : العثور على خطأ في كلام مشاهير المتقدمين بعد الاستوثاق من ذلك ، بالبرهان الواضح الذي لامدخل للشك فيه ، وإيصال ذلك للغير . · أو : إتمام نقص حاصل . · أو : ترتيب وتنظيم معارف جاءت بغير تهذيب . · أو : جمع مسائل متفرقة تبرز وحدة في موضوعها ، لتصبح أصولآ للعلم من بعد . · أو : إختصار المسهب ، وإيجاز المطول ، وحذف المكرر غير الضروري . وما سوى ذلك ، مما يقوم به الكاتب ، هو في نظر / إبن خلدون / ، " فعل " غير محتاج إليه وخطأ عن الجادة التي يتعين سلوكها في نظر العقلاء .
وإذا كانت عظمة المفكر تقاس بمدى نجاحه في التمييز بين الموضوعات العلمية المشتركة ، وفي قسمة الموضوع الواحد إلى عناصره تحقيقآ لمزيد من التخصص ، فإن / إبن خلدون / قد نجح في إبتداع معارف جديدة مستقلة بموضوعها وبمنهجها وبغايتها ، نخص بالذكر منها : علم العمران البشري – علم الإقتصاد – تبشيره بمنهج " النقد التاريخي " – ترسيخ المنهج الإستقرائي في العلوم الإنسانية – تضييق الهوة بين مناهج البحث في كل من : " العلوم الإنسانية " و " العلوم الطبيعية " .
إبن خلدون وإشكاليات قراءته : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ان هناك في معظم الأحوال ، قراءات متعددة للتراث . وأن هذه القراءات جميعها تمتلك شرعية تراثية ، أي : تتماثل في الحضور الموضوعي الفاعل على نحو ما ، والمؤسَس على الإقرار بمبدأ تعددية القراءات . هذا المستوى هو الذي يقوم بضبط ما يُستهدف من التراث ، يدآ بيد مع المرجعية الثانية ، وهي المتمثلة بالمصالح الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والبيئية وغيرها . ويقول المفكر د. طيب تيزيني : في تعليقه على الأمسية الفكرية التي نظمها المعهد الفرنسي في حلب في الذكرى المئوية السادسة لوفاة إبن خلدون : راح البعض يتساءل .. هل ذلك يعني أننا أمام عدد قد لايحصى من القراءات ، التي تجعل التراث موضوعآ لها ؟ وبصيغة أخرى : هل تضيع ( الحقيقة الموضوعية ) في هذا الحال القائم على تعددية القراءات ؟ أما الأمر الثاني ، فقد تبلور حول التساؤل .. فيما إذا كان يوجد ( معيار ) أو معايير تميز القراءات المذكورة بعضها عن بعض ، بحيث تكون واحدة منها أكثر قربآ من المصداقية ، من غيرها ؟ ثم كيف يمكن أن يُفصح عن نفسه النظر إلـــى " الإرث المعرفي الخلدوني " ؟؟ . في ذلك .. لابد من التمييز تمييزآ نظريآ منهجيآ ، وآخر تطبيقيآ إجرائيآ بين كلمتين يمكن أن ترتفعا إلى مستوى " مقولتين" . وهما : " الإعادة " و " الإستعادة " . ولابد من القول أن الموقف الراهن من الإرث الخلدوني ، ومن كل إرث آخر ، يقوم على محاولة " الإستعادة " له ، وليس " إعادته " . ووجه التمييز بين المقولتين اللفظيتين ، يتحدد في أن : " الإعادة " يخترقها الوهم بإمكانية إعادة ذلك الإرث إلى راهننا كما هو ، بعجره وبجره ، دونما تدخل مباشر أو متوسط من موقع الراهن . وهنا .. يقع القصور المعرفي في التصور الأصولي اللاتاريخي للتراث والتاريخ . أما مقولة " الإستعادة " .. فتمثل حالة مركبة وُمثقلة بحمولات الراهن المعلنة والخبيئة أو المسكوت عنها ، خصوصآ ثقافيآ وايديولوجيآ ومصالحيآ ، بحيث يصح القول انا لانأخذ بصفته الخلدونية وبغيرها ، كما هو "على حله ومن حيث هو " ، وإنما نأخذه مخترقآ بهمومنا ومشكلاتنا والأسئلة التي نطرحها ، إضافة إلى الأجوبة التي نطمح إليها . وفي هذا الموقع ، نكتشف الأوهام التي تنسجها " النزعة الأصولية " حين تعتقد أنها قادرة على العودة إلى التراث الديني الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو البوذي ، من " حيث هو " ، وعلى إعادته إلى عصرنا كما هو ، دون توسطات وتدخلات مباشرة وغير مباشرة . وفي عمق الحميمية الفكرية والإنسانية والعقلانية ، التي تمخضت عنها أمسية إبن خلدون ، أفصحت الأطروحة التالية عن نفسها : إن إرث إبن خلدون المعرفي والايديولوجي والأخلاقي ، يمثل بكل تلويناته وأوجهه ، وهجآ تحت الرماد ، يجد المفكرون والمثقفون والكتاب والفئات الشعبية الحية ، فيه خميرة لفهم الإصلاح والثقافة ، ولفهم مداخل متقدمة الإنتاج المعرفي والتغيير الديمقراطي ...
وقد يجادل البعض حول ( الخلدونية ) وعما إذا كان الفكر الخلدوني قد أصبح مجرد تراث تجاوزه الواقع الزمني والإجتماعي وأنماط التفكير ؟ أم أنه لايزال يصلح على الحالة الإجتماعية والعقلية التي نعيشها نحن العرب ؟ في واقع حال معظم المفكرين والدارسين ، وفي الندوات والمؤتمرات العربية والدولية ، فإن الأمر المتفق عليه في جله ، هو أن ( الخلدونية ) وأفكارها لاتزال حبيسة النخب ، ولم تدخل بعد في تأسيس الثقافة العربية الجديدة من أجل إحداث النهضة المرجوة ، ولنبني على إبداعها ، المشروع النهضوي العربي المستقبلي . ومع إدراكنا أن الفكر الإنساني التاريخي والإجتماعي العالمي ، قد تجاوز إبن خلدون في النظر إلى التاريخ والمجتمع ، إلا أن ( العقل العربي ) الراهن والسائد على صعيد " الوعي الشعبي العام " ، مازال بحاجة ماسة إلى نهج " إبن خلدون العقلي والعملي الواقعي " لفهم " خصوصيات " مجتمعه الذي لم يتجاوز النظرات الخلدونية ، وقد حان الوقت مع تأخره لأن تحل النظرة العقلية والواقعية التي أتى بها إبن خلدون لواقع التاريخ العربي بمجمله ، وأن تحل تلك النظرة محل النزعة الرومانسية والوهمية السائدة لدى أغلب العرب والمسلمين في نظرهم إلى تاريخهم الذي لم بعد خارج " الإنبهار الأسطوري الغرائبي " . وفي مفارقة معرفية ، يمكن القول : أن إستيعاب العرب " عقليآ " لحقيقة تاريخهم من منطلق النهج الخلدوني ، سيعينهم كثيرآ ذهنيآ على فهم حقيقة العالم المعاصر . فحركة العالم حركة واحدة من الماضي إلى الحاضر حسب منطق ( القوانين والنواميس ) المحركة للمجتمعات بشكل عام . ومن ينظر إلى تاريخه مغلفآ بالأساطير والأوهام والمغالطات ، لن يستطيع فهم العالم المحيط به ليكون متساوقآ وفاعلآ به . إن ( وعي التاريخ ) بما هو حركة العالم ، يمثل أفضل مدخل ذهني لفهم حقائق العالم المعاصر . أما إذا بقي ( الوعي العربي العام ) مضللآ بشأن تاريخه ، فسيبقى مضللآ بشأن عالمه المحيط به ، لأنهما من نسيج واحد بين ماضي وحاضر . وإبن خلدون وما رآه برؤية نافذه ، إلى السوسيولوجيا السياسية للعرب ، لايزال الكثير منه مترسبآ بقوة إلى يومنا رغم " قشرة " الحداثة والعولمة التي تحاصر المجتمعات العربية . ولقد كان لدى / إبن خلدون / رؤية تحليلية لتكوين المجتمعات العربية ، ولا بد من الإلمام بها ودراستها ، قبل تجاوزها إلى غيرها من الرؤى . وقد يعترض البعض ، على البقاء " أسرى " !! إبن خلدون وقد تجاوزه العالم بقرون . ونواجه هذا الإعتراض : بأننا كمجتمعات عربية لم نتجاوزه في تكويننا وإن دخلت علينا مؤثرات أخرى . فمن الأهمية بمكان ، أن نفهم ( الخاص ) في القوانين الإجتماعية ، إلى جانب ( العام ) . ومن هنا أتت أهمية فكر ومنهج إبن خلدون في تشخيصه لحالة العرب . فلقد كان دائم البحث عما هو " خاص " في مجتمعات العرب وتاريخهم وضمن تفاعلهم في النطاق الإسلامي ومع من جاورهم من [ ذوي السلطان الأكبر ] ، أكثر من إنشغاله بالقوانين " العامة " عند بحثه في " فلسفة التاريخ " و " صيرورة المجتمع " . وعن علاقة الإسلام بالعروبة : فقد نبه / إبن خلدون / إلى أن " الدعوة الدينية " بلا عصبية أو قومية ، لا تتم .. لإحتياجها إلى " وازع طبيعي " . وذلك ما يحاوله ( معكوسآ ) في أيامنا ، بعض المشتغلين بالإسلام السياسي ، وتحديدآ بإثارتهم النعرات الطائفية والعشائرية لدى أتباعهم . وعليه ، فإذا إنتفت القوة الإجتماعية الدافعة ، يتحول الدعاة إلى مجرد أصوات صارخة في البرية بلا أثر ، أو حسب تعبير إبن خلدون : [ ومن هذا الباب احوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء ، فإن كثيرآ من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين ، يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء الثواب عليه من الله ، فيكثر أتباعهم والمتمثلون بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك ، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل ، مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم ، وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لايزحزحها ويهدم بناءها ، إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر ، وهكذا كان حال الأنبياء وفي دعوتهم إلى الله ، وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء ، لكنه إنما اجرى الأمور على غير مستقر العادة ] . ويعلق الدكتور / محمد جابر الأنصاري / على ذلك : ( هذا النص الخطير لإبن خلدون كتب قبل أكثر من ستة قرون ، لكنه كمن يشخص ( الظاهرة الإرهابية ) في ايامنا ومن يندفع وراءها من فقهاء وعامة وغوغاء ودهماء ، فيقضون ويهلكون حسب تعبيره " مأزورين غير مأجورين لأن الله لم يكتب ذلك عليهم " حيث تذهب أعمالهم عبثآ . أما احوال الدول فقائمة لاتؤثر فيها إلا القوى الإجتماعية الفاعلة ، سواء كانت قبائل أو غيرها من قوى مجتمعية كما في عصرنا . وهذا يعني من منطلق إبن خلدون ، أن الموعظة تبقى موعظة ، سلفية كانت أم علمانية ، وأن الفكرة مهما كانت لاتهبط إلى واقع الناس ، إلا إذا حملتها قوى فاعلة من ذلك الواقع ، وما عداه حرث في البحر ، " ولو كان تنويرآ وعظيآ من جانب أخطر المفكرين والدعاة ) .
وأهمية إبن خلدون أيضآ ، تمثلت في إيماءات فكرية تتخطى عصرها ، كالفكرة الإقتصادية ، والفكرة القومية . وكأنه مازال " معاصرآ " لنا كعرب ، وأنا سنحتاج إلى وقت حتى نتجاوزه في واقعنا الإقتصادي والإجتماعي والسياسي . ويمكن إيراد بعض هذه الإيماءات الفكرية على سبيل المثال لا الحصر : 1- من أهم المسائل التي حذر منها / إبن خلدون / ، إشتغال رجال السلطة بالتجارة ، ومنافستهم لأهل البلد وتجاره بما يؤدي إلى عرقلة الإقتصاد وتدميره وإنعكاس ذلك وبالآ على الدولة نفسها في نهاية الأمر ، كما يتضح من تجارب عربية معاصرة . ويقول إبن خلدون في نص كأنه كتب اليوم عن هذه الظاهرة ، وخلاصته : [ ان التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية ] . وفي مقدمته ، إسهاب فكري مهم في إيضاح جوانب هذا الأمر والوبال الذي يجلبه على الرعية ، وكيف أن رؤوس الأموال تهرب وتهاجر من بلد التسلط ، إلى بلدان أخرى ، خصوصآ إذا إستغل المتسلط نفوذه في السلطة لمنافسة أهل البلد في أرزاقهم . وعلى العكس من ذلك ، كان غبن خلدون يشيد دائمآ بالسلاطين الذين يكتفون بسلطة الحكم ، ولا يخلطون بين الإمارة والتجارة ، وهو مابقي مثلآ أعلى للحكام العرب القلائل الذين تميزوا عن غيرهم بالنزاهة ونظافة الذمة ، على ندرتهم في تاريخنا وواقعنا . 2- حذر /إبن خلدون/ من أنواع الإستبداد والتسلط الأخرى ، لأن ذلك يؤدي إلى تنفير أهل البلد ، وإنقلابهم على السلطان ، وتعاونهم مع أعدائه . وقد لخص إبن خلدون رؤيته لآثار مختلف أنواع الإستبداد والتسلط بمقولته الرائعة : [ الظلم مؤذن بخراب العمران ] داعيآ السلاطين إلى إكتساب قلوب رعاياهم بالمودة والعفو والإحسان ، تعزيزآ لدولهم ذاتها . 3- ولقد إقترب / إبن خلدون / كثيرآ من المضمون الفكري ، للدعوة الصريحة الحالية التي تقول : بأن القيمة الإقتصادية للسلعة ، يحددها الجهد الإنساني " العمالي " المبذول فيها ، وليس مجرد قيمتها المادية . وهي الفكرة التي إنبنى عليها الفكر الإجتماعي الحديث – الإشتراكي بخاصة – في دعوته إلى إنصاف العمال الذين يضيف جهدهم إلى قيمة السلعة ، أحيانآ في ظروف قاسية ، وهي قيمة يستفيد منها الرأسماليون عادة في النظم التي لاتنصف العمال . وهذه الفكرة التي قاربها إبن خلدون ، تفسر إحتفاء كتاب يساريين عرب به وإن لم يكن حكرآ عليهم . وكذلك من أمثال : الشيخ محمد عبدو ، وطه حسين ، وساطع الحصري . ولكن أن هؤلاء المفكرين الكبار ، لم يستطيعوا إدماج فكره الإجتماعي ، في ثقافة النهضة أو الحركة القومية .
آراء أخرى في إبن خلدون : =============== لابد وكإلتزام بموضوعية المنهج العلمي ، من إظهار بعض الآراء الأخرى في / إبن خلدون / عند تناولها لشخصه وفكره وإنتاجه . وطالما أن : العالم والباحث والمبدع ، بشر إنسانيون ، فإن الكمال يبقى لله وحده . إن تنمية الحوار والجدلية في موضوع ما ، فكريى ومنهجيآ ، هو من أبدع ما توصل إليه الإنسان على طريق المعرفة النسبية وتصاعدها ، بدون تعصب أو إنفلاش ، بدون تأييد مطلق أو تهجم مطلق . إن الأفكار المتعارضة ، والرأي والرأي الآخر وفي جدليتهما ، هو الطريق الصحيح – كما أدّعي – لتحقيق المعرفة وتطويرها ، ولتحقيق التقدم الذهني والفكري والعملي ، على طريق تطور الحضارة الإنسانية . أخطاء / إبن خلدون / في " المقدمة " : -------------------------------------- يتقصى الدكتور / خالد كبير علال / الأستاذ بجامعة الجزائر ، اهم الأخطاء المنهجية والموضوعية في الفكر الخلدوني ، والتي وقع فيها العلامة / إبن خلدون / في كتابه " المقدمة " ، من خلال دراسة نقدية تحليلية . وكذلك يتعرض في الرد على مبالغات وأخطاء بعض المعاصرين ممن " إتهموا " إبن خلدون وآثاره . وكل ذلك في إطار النقد العلمي النزيه المتجرد للحق والأمانة . فقبل ان يدوّن / إبن خلدون / تاريخه ، كتب مقدمة تاريخية إنتقد فيها المؤرخين المسلمين الذين سبقوه ، وطرح منهجآ نقديآ بديلآ لمنهجهم ، لخصه الدكتور / علاّل / في جملة من قواعد يجب الإلتزام بها في تحقيق الروايات التاريخية ونقدها ، ومنها إرجاع الأخبار والآثار إلى طبائع العمران وأحواله ، وتمحيصها وتمييز صحيحها من سقيمها ، ومنها كذلك تحكيم العادة وقواعد السياسة والأحوال ، وقياس الغائب بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار وإخضاعها للعقل من حيث الإمكان والإستحالة ، ومنها أيضآ التركيز على نقد المتون وتقديمها على نقد الأسانيد ، وجعل نقد الإسناد خاصآ بالخبر الشرعي ، ونقد المتن خاصآ بالخبر البشري . ويرى المؤلف أن إبن خلدون بالغ كثيرآ في الدعوة إلى الإعتماد على " قانون المطابقة " بين الروايات التاريخية ، والواقع الطبيعي ، مع انه محدود ولا يصلح لتحقيق كثير من الأخبار التاريخية . كذلك فإن قاعدة " الإمكان والإستحالة " تدخل الروايات التاريخية في إطار الإمكان العقلي والواقعي ، ولا ينقدها ولا يصححها بالضرورة . بل هو يستبعد المستحيل ، ويبقى ممكن الحدوث ينتظر النقد والتمحيص . وإنما يتم نقد ذلك ، بنقد الأسانيد والمتون معآ . كذلك حول " مسألة المعاش في أحوال الناس " إذ يرى إبن خلدون أن [ إختلاف الأجيال في احوالهم ، إنما هو بإختلاف نحلتهم من المعاش ] . وهذا كلام يحتمل عدة تفسيرات بإعتبار أن لفظة " نحلة " تحتمل عدة معاني كألفاظ الطريقة ، والمذهب ، والعقيدة ، والعطاء ن والصدقة . وترجيح أي إحتمال هو مبالغة من إبن خلدون . إذ يجعل الإنسان مسلوب الإرادة خاضعآ لتأثيرات المعاش في مختلف أحواله . وهذا مخالف لما هو واقع أصلآ ، بديل أن التاريخ البشري يشهد على أن عقائد ومذاهب كثيرة ، ظهرت قديمآ كالبوذية والبراهمية واليهودية والمسيحية والإسلامية ، كان لها تأثير كبير في أفكار وسلوكيات أتباعها الكثيرين . وهي لاتزال قائمة إلى يومنا هذا مع تأثيرها الواسع في أتباعها رغم التغييرات الجذرية الكثيرة التي حدثت في طرق المعاش . وهذه التغيرات لم تغير تلك العقائد والمذاهب ولا أذهبت أتباعها ، مما يثبت أن الزعم بإختلاف الأجيال تبعآ لإختلاف طرق معاشهم ، زعم غير صحيح . ومن ضمن الأخطاء : الموقف من العرب . فقد ذكر إبن خلدون أن [ العرب لايتغلبون إلا على البسائط بسبب طبيعة التوحش التي فيهم ، كما لايطلبون إلا الأمور السهلة ، ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلا دفاعآ عن النفس ] . ويرى المؤلف : أن هذا الحكم لايصح إصداره في حق أي شعب من الشعوب ، لاشرعآ ولا عقلآ . وأنه لادليل عليه من نصوص الشرع ، ولا بمنطق العقل . فهو بعيد كلية عن النظرة العلمية الموضوعية الصحيحة ، ومخالف لما وصف الله به " العرب المسلمين " بكونهم خير أمة ، في قوله تعالى : [[ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ]] . ولا شك في أن أمة لاتتغلب إلا على البسائط ، لايحملها الله تلك المسؤولية الكبرى في التبليغ ، ولا يعدها بالتمكين والنصرة في الأرض . ويشير أيضآ : إلى أن إبن خلدون أعلن في مطلع مقدمته عن ميلاد علم جديد ، علم مستقل بنفسه ، موضوعه العمران البشري والإجتماع الإنساني ، ومسائله هي بيان مايلحقه من العوارض والأحوال واحدة بعد أخرى .. فيرى المؤلف بأن هذا التعريف ، تعريف غامض وغير دقيق في تحديد موضوعه ، وأن وصفه هذا بالعلم الجديد ، تصور ضيق بعيد عن الصواب . ذلك أن العمران البشري شامل لكل سلوكيات البشر ومظاهرها ، ومن بينها ما يتعلق بعلمي : الخطابة ، والسياسة . فهما علمان جزئيان يندرجان في العلم الكلي الشامل . والدليل على ذلك ، إدراجه – غبن خلدون – لها في كتابه ( العبر ) الأمر الذي يعد دليلآ قويآ على عدم إكتمال تصور دقيق وواضح لهذا العلم عند إبن خلدون .
وفي خاتمته : يشير الدكتور / علاّل / إلى أن الرد على الباحثين الغربيين الذين أنكروا أن يكون علم الإجتماع ، علمآ إسلاميآ ، يجب ألا يصرف العلماء المسلمين عن الأخطاء التي وقع فيها إبن خلدون ، وعن دراستها ، لابقصد القدح فيه والتقليل من شأنه ، وإنما خدمة للعلم وتحقيقآ للنزاهة والموضوعية في البحث الأكاديمي المنهجي .
المبالغات فيه ، والإتهامات له : ================== من المبالغات في مديح / إبن خلدون / من بعض الباحثين المعاصرين : قول الدكتور / محمد فاروق النبهان / ، في وصف الفكر الخلدوني ، بأنه سابق لعصره ، متكامل مترابط قوي البنية . ويرد عليه الدكتور / علاّل / : بأنه فكر وثمرة متأخره للعلوم الشرعية ، وليس إبداعآ سابقآ لعصره . ولو لم يحدث إنحراف في مسار الحياة العلمية لدى المسلمين ، لما تأخرت تلك الثمرة إلى زمان إبن خلدون . ثم يقول الدكتور / حسن الساعاتي / : ان إبن خلدون كشف عن أمر مهم في علم الإجتماع ، هو التغيير الإجتماعي الذي عبر عنه إبن خلدون [ بتبدل الأحوال والعوائد وتغير الأحوال وإنقلابها ] . فيرد عليه الدكتور / علاّل / : بأن مبدأ تغير الأحوال ، ظاهرة طبيعية وإجتماعية يعرفها الناس منذ أن خلقهم الله . فهم يدركونها بالمشاهدة والنظر في أحوالهم الخاصة والعامة ، ولهذا قال الناس ( دوام الحال من المحال ) .
على أن أسؤأ ما تعرض له / إبن خلدون / من تهجم وإتهام ، كان في قلم الدكتور / محمود إسماعيل / - 1976 - ، في كتابيه : " نهاية اسطورة " و " هل إنتهت أسطورة إبن خلدون / جدل ساخن " . فقد إتهمه " بالسطو " على أفكار ( إخوان الصفا ) في فلسفته الإجتماعية ، على الرغم من عقلانية إبن خلدون ، البارزة ، وقصور فكر أخوان الصفا عنها أساسآ . وهنا سأحاول إستعراض " بعض " من آراء مفكرين وباحثين على مستوى الوطن العربي – مؤيدين ، ومعارضين – لما جاء به د. محمود إسماعيل ، إغناءآ للصورة العامة عن فيلسوفنا / إبن خلدون :
مؤيدون لطرح د. إسماعيل / من مصر : --------------------------------------- كتبت الدكتورة / آمال محمد حسن / مقالآ يحمل عنوان " نعم .. سرق إبن خلدون من رسائل إخوان الصفا " ، والمقال منشور بمجلة ( أخبار الأدب ) القاهرية بتاريخ : 15/12/1996 ، تقول فيما تقوله : (كمتخصصة في التاريخ الإسلامي ، تابعت بإهتمام كبير الدراسة التي نشرتها " أخبار الأدب " بعنوان : هل سرق إبن خلدون نظريات إخوان الصفا ؟؟ للعالم الكبير الذي تتلمذت وجيلي عليه من خلال كتبه وأبحاثه الرائدة في التاريخ الإسلامي ، خصوصآ في مجال وتراث المغرب والأندلس بإعتباره مجال تخصصي الدقيق . .. إن التسليم بأطروحته من حيث المصداقية لايتأتى إلا من خلال " التناص " ، أي : إثبات النصوص الخاصة بنظريات إبن خلدون ومقارنتها بمقابلها في رسائل إخوان الصفا . ولأن المجلة لم تنشر التوثيقات في هذا الصدد ، فقد حرصت على الحصول على نسخة من رسائل إخوان الصفا ، وأيضآ نسخة من مقدمة إبن خلدون بنفس الطبعة ، وعكفت على القيام بعملية المقارنة بين " النصيين " في صبر وأناة ، وإقتنعت تمامآ بأطروحة مؤرخنا الكبير – د.إسماعيل - ... لذلك أستطيع الإجابة عن السؤال ، وأقول : نعم .. سرق إبن خلدون ، وأدعم هذا القول بأن هذا الكشف أخطر وأهم إنجاز في حقل التراث . لذلك كانت " صدمتي " بحق نتيجة ردود الأفعال من قبل ثلة من الباحثين الكبار أمثال : د. الساعاتي ، د. الطاهر مكي ن د. عاطف العراقي ، وغيرهم لالشيئ إلا لأنهم تسرعوا في الحكم على هذا الكشف . والأغرب شن حملة مضادة على صاحبه قوامها الدمغ والوصم والتجريح . ) .
معارضون لطرح د. إسماعيل / مصر : -------------------------------------- د. /عاطف العراقي / استاذ الفلسفة بآداب القاهرة يعلق قائلآ : ( بعد أن كتبت عن " إخوان الصفا " و " إبن خلدون " وأشرفت على أكثر من عشر رسائل عن إخوان الصفا ، أرى أن هذا الموضوع قد يكون من نوع " الفرقعة الصحفية " . فعلى الرغم من أنني اختلف مع / إبن خلدون / في كثير من الآراء ، إلا أن هذا لايمنع إنصاف هذا المفكر العربي الكبير الذي تختلف طبيعة أفكاره عن أفكار / إخوان الصفا / . إذ نجد إخوان الصفا لديهم أفكار فلسفية غاية في الجرأة رغم الخلط والتكرار الموجود في بعض الرسائل ، ولكن نجد أفكار تنويرية وجريئة بحيث يمكن أن نعقد أكثر من مقارنة بين : " إخوان الصفا " في القرن الرابع الهجري ، وبين : " رفاعة الطهطاوي " ، وليس بين الإخوان وإبن خلدون . أيضآ لابد أن نضع في إعتبارنا أن الموضوع ليس سرقة ، إذ نجد أكثر فلاسفة العرب قد تأثروا / بأرسطو / ، وكذلك " الكندي " و " إبن رشد " تأثروا بدائرة المعارف اليونانية . إن ما يطرحه د. إسماعيل سيجعل تاريخ فكرنا تاريخآ للسرقات ، وليس تاريخآ للإجتهاد في البحث والرأي ) . معارضون لطرح د. إسماعيل / تونس : --------------------------------------- ومن تونس توالت الردود على صفحات " أخبار الأدب " فكتب / أبو يعرب المرزوقي / أستاذ الفلسفة بجامعة تونس ، ومدير معهد إبن خلدون ، و / البشير بن سلامة / المفكر المعروف ووزير الثقافة التونسي الأسبق ، وغيرهما .. ويرى / أبو يعرب المرزوقي / أن : ( ابن خلدون لم يكن لصآ ، وأن بحث د. إسماعيل ، تنقصه ضوابط العلم لأنه أغفل شرط المقارنة الأساسي لكي يصل إلى النتيجة التي يريدها .
مؤيدون لطرح د. إسماعيل / المغرب : ------------------------------------ الأستاذ / فؤاد اسحاق الخوري / وبعنوان ( الذهنية العربية ، العنف سيد الأحكام ) . يقول : ( .. والذين "تزوجوا" أفكار إبن خلدون ، أو بالأحرى بعض الأفكار التي إستخرجت من رحم كتاباته " قيصريآ " ويحاولون الحفاظ على هذا " الزواج الكاثوليكي " على علاته ، يعيبون على د. محمود إسماعيل " طلاقه لها " ، أوليس هو القائل بأن إبن خلدون فلسف التاريخ حيث عالجه بإعتباره " علم العمران البشري " !! . وأما الذين يدافعون عن مشروعية " طلاقه لها " يعتبرونه " أبو التاريخ " . وبين هؤلاء وأولئك وقع " طلاق النشوز " وهو طلاق بائن بينونة كبرى .... وما أحوجنا إلى دراسات ودراسات تسائل موروثنا الثقافي والعلمي ، وتنقحه من الأيدلوجي والديماغوجي والخرافي حتى ، بعيدآ عن حماسة ما بعد الإستقلال ، وعن المقولات " المدرسية المختزلة " والتي تخاطب فينا العقل الطفولي ، الذي " يقدس المعلم " حتى " كاد المعلم أن يكون رسولا " . فلا نثق إلا في المعلم ولو " كذب " ، ونكذب " المنجمين " ولو صدقوا . ) .
معارضون لطرح د. اسماعيل / المغرب : -------------------------------------- د . محمد عابد الجابري : فقد جزم في حسم ، بأنه : ( لاعلاقة بين المصدرين ، لافي الأسلوب ولا في الحقائق ) . د. عبد الله العروي : قال : ( ماكتب مؤخرآ عن سرقات إبن خلدون يعتبر من الترهات التي لاتستحق النقاش ) .
معارضون لطرح د. اسماعيل / سوريا : -------------------------------------- كتب المفكر السوري المرموق الأستاذ / محيي الدين اللاذقاني / مقالآ في جريدة الشرق الأوسط ، بعنوان ساخر هو: " إمسك .. إبن خلدون .. !! " قال فيه : ( مشكلة الدكتور محمود اسماعيل الذي يتهم ابن خلدون " بسرقة المقدمة " من " إخوان الصفا " ، إعتقاده الشخصي العميق بأنه أتى بما لم تستطعه الأوائل . ومن شأن اعتقاد من هذا النوع ، أن يضخم صورة الباحث في مرآة نفسه . فما بالك لو كان موضوع بحثه ، والسرقة التي يعتقدها ، تتعلق بأشهر كتب التاريخ العربي وبأساس علم الإجتماع العالمي . إن فكرة استفادة إبن خلدون من رسائل إخوان الصفا ، مطروحة للبحث منذ الستينات ، ولو عند صاحب الإتهام بعض الوقت ، فآمل أن يتناول من مكتبته كتاب / علي الوردي / " إبن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته " ، فسيجد دون عناء أن جذور المشكلة التي يتحدث عنها في كتابه " نهاية أسطورة " وكأنها فلته غير مسبوقة في ميدان البحث العلمي موجودة في ذلك المكان من كتاب الوردي : ص : 161 ، 162 ، 163 . لقد ناقش كتاب / الوردي / إستفادة إبن خلدون من الإخوان في قضايا اعمار الدول ، والدورة الإجتماعية ، ونظام الكون والفلك . وقال الوردي "بتهذيب" شديد وأدب جم : " يغلب على ظني أن ابن خلدون استمد هذه الأفكار منهم ، وطورها ، وأخضعها لمنطقه الجديد " . وغكتفى الوردي رحمه الله بهذه العبارة التي تليق بعقول العلماء ، دون أن يقفز إلى حكاية " السرقة " ، ويفتح ملفآ عند البوليس ، ويجري في الشوارع مبتهجآ وهو يصيح : " إمسك حرامي " . إن المسائل التي يبحثها د. محمود إسماعيل ويتخذ من بعضها أدلة على السرقة كتفسير العبقرية الخلدونية ، وكتابة المقدمة في خمسة أشهر وإختلاف أسلوبها عن تاريخ العبر ، من المسائل التي قتلها الباحثون تمحيصآ ، وليسمح لنا أن نعد من هؤلاء على سبيل التذكير والمثال ، كلآ من : طه حسين – ساطع الحصري – علي عبد الواحد وافي – محمد عبد الله عنان – جميل صليبا – مصطفى الشكعة – كامل عياد – حسن الساعاتي . ومن الأجانب : غوتيه – إيف لاكوست – ناثائيل شميث – جاستون بوتول .. وثلة أخرى لاحظت ما " شمه " وتلذذ به مؤلف كتاب نهاية الأسطورة ، ولم يقفزوا إلى ذلك الإستنتاج البوليسي الذي خرج به ليفسد صنيعه الرصين الذي كان يمكن أن تتم قراءته في ضوء آخر ، لولا ذلك العنوان الإستفزازي والعبارات الإتهامية التي تذكرني ببعض مناضلي الخمسينات ، ولعل المؤلف يذكر أن أحد أولئك المناضلين القوميين ، طالب آنذاك " بنبش قبر " إبن خلدون ، وإحراق كتبه ، عقوبة له على رأيه غير الإيجابي بالعرب ، والذي لم يكن ينسجم مع توجهات المرحلة القومية . وما دامت شهية د. محمود إسماعيل مفتوحة لإمساك اللصوص ، وإنصاف المظلومين الذي سطا عليهم ابن خلدون، فسوف نشغله كثيرآ ومعه قسم السرقات في بوليس عين شمس ، ونشير عليه بقائمة جديدة من المظاليم ، حتى يستطيع القول بعد مقارنات صورية ولي أعناق بعض الحقائق ، أن ابن خلدون قد سرق : فصل علم الطب في مقدمته من كتاب لسان الدين بن الخطيب " مقنعات السائل عن المرض الهائل " – ونشل أحاديث الفتنة من كتاب أبي بكر بن العربي " العواصم من القواصم " – وسطا على فكرة أخلاق البدو من رسالة أبي حيان التوحيدي في الرد على الجيهاني – وسلب تفسير الظواهر الطبيعية من كتاب " المناظر " لإبن الهيثم _ أما مذهب العصبية الذي يقوم عليه عصب مقدمته ، فآثاره عند شيخ الإسلام الغزالي أوضح من أن تخفى ، وكذلك تأثيرات ابن تيمية والطرطوشي صاحب " سراج الملوك " . كل هذه السرقات ، حسب [ المنطق الجديد !! ] للدكتور إسماعيل ، يستطيع أن يسجل فيهم "( مضابط ) في أقسام الشرطة ، أو في " كتاب جديد " . ================================== المراجع : --------- * مقدمة إبن خلدون . دراسة وتحقيق: علي عبد الواحد وافي . * في نظرية العلم عند إبن خلدون . مصطفى لبيب عبد الغني – مجلة وجهات نظر . * الدرس الخلدوني بين الإعادة والإستعادة . د. طيب تيزيني – الإتحاد الإماراتية . * الخلدونية والتحديث الثقافي . د. محمد جابر الأنصاري – الخليج الإماراتية . * أخطاء المؤرخ إبن خلدون في كتابه المقدمة . د. خالد كبير علاّل - عرض ايناس حسني . * هل إنتهت اسطورة إبن خلدون ؟ د. محمود إسماعيل . ------------------------------------------------ فائز البرازي : 30/ 6 / 2007
|
||
|
|
|
حورات |