|
حورات |
|
|
|
|
|
بلير لِمَ يأتي ...فليؤتى به - عادل سمارة |
|
|
2007-07-05 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
رام الله المحتلة
* * * بدأ مشروع سايكس-بيكو للإجهاز على أنوية المشروع القومي العربي، استمر، ويحاول البقاء بعد. وكانت الدولة أو الكيان القطري وليده السفاح. وهذا يعني أن المركز الراسمالي الغربي كعدو قد خلق ورعى حكم الطبقات القطرية الحاكمة. وكانت الخمسينات والستينات حقبة محاولة الأنظمة ذات التوجه القومي والإشتراكي للخروج من تحت عباءة قطرية سايكس-بيكو محاولة تحقيق الوحدة والتنمية والتحرر والتحرير. لكن المعركة مع المركز الراسمالي الغربي وتابعيه هنا كانت أضخم منها ناهيك عن عجزها عن التعامل الديمقراطي مع القوة ألأقوى من الجميع أي الطبقات الشعبية، فوقعت في القمع والفساد والفشل إلى درجة هيأت وكأن الأنظمة التي اختارت التبعية المتواصلة للعدو هي الأكثر "عقلانية وعملياتية"! وكأن الدرس المقصود: "لا تحاولوا"، وهو اليوم "لا مقاومة في حقبة العولمة". وباختصار، فإن الهزيمة في التنمية والوحدة ديمقرطياً، قد مهدت لهزيمة 1967 التي من نتائجها انتهاء حقبة الأنظمة القومية وخروج كافة الطبقات الحاكمة من معركة التنمية والوحدة والتحرر والتحرير. على مدار الثلاثة ارباع الأولى من القرن العشرين أفرزت البرجوازية الصغيرة والطبقة الوسطى وأحياناً الراسمالية التجارية حركات سياسية استقطبت في قواعدها بعضاً من الطبقات الشعبية. وتعددت هذه الحركات بين الشيوعي والقومي وحتى الوطني. لكن هذه الحركات جوبهت وحتى اللحظة بهجمة الأنظمة الحاكمة مدعومة بالمركز الراسمالي الغربي لتكون المعادلة مكسورة في الوطن العربي، اي حركات سياسية عقائدية ولكن سرية وتخضع لملاحقة دموية! فلم يكن هناك مناخاً حراً للتبشير بأفكار وطموحات هذه القوى. وقد يكون أكثر ظلم وقع عليها أنه حتى اليوم لم يكتب أحد إنسيكلوبيديا قمع وتعذيب وشهداء هذه الحركات في الوطن العربي. وما أن دخل العالم حقبة العولمة، لنقل تعسفياً منذ الربع الأخير للقرن العشرين، حتى كان معظم هذه الحركات قد استسلم لأنظمة الكمبرادور وتحول إلى حامل للطيب أو مستشار...في محافل الدولة القطرية، وبالتالي كان هذا الإستسلام الحزبي بعد الإستسلام الأنظماتي في الوطن العربي. وللتوضيح، فإنه حين أعلنت بعض الأنظمة العربية قبولها بحلف بغداد عام 1954 عمت التظاهرات الوطن وسقطت الحكومات وسقط الحلف. أما اليوم، فيتم احتلال الوطن قطراً قطراً، ولا حراك. فمن كان يفجر التظاهرات هي الأحزاب!. واليوم موقعة مجدو وهذا يكشف عن خطورة المعركة اليوم "موقعة مجدو"، ولا نقصد هنا ما قصده الرئيس الأميركي المأفون ولا كافة الكتب الصفراء التي على اصفرارها أعيدت كتابتها لتلائم مصالح المركز الراسمالي الغربي الصهيوني حسب كل سنة. موقعة مجدو اليوم هي الهجمة على الطبقات الشعبية العربية لتجريدها من الذاكرة، وتراب الوطن والمستقبل. فنحن أمام عدو بالمطلق. أو علانية، وفيه فقط تمارس الحكومات الغربية تعيين حكومة او إقالتها، وسفراء الغرب هم الحكام الفعليين، وفيها يعلن الغرب ويمارس مطاردة المقاومة ومديح عملائه ودعمهم، وفيه فقط يجب الذهاب إلى المفاوضات على وطن تحت الإحتلال والاستيطان دون "شروط مسبقة"، وفي قطر منه، مصر أو الجزائر أو المغرب أو اليمن أو موطن الرسول....الخ فقط يتم استقبال من يذبح العراق أو الصومال أو فلسطين. في الوطن العربي يتابع المثقف آخر ما كتب في الغرب، سواء للثورة أو ضدها بما في ذلك هلوسات متثاقفي اللغة، والرموز والتسامح وما بعد الإستعمار...الخ يعظون لا مباشرة بالخنوع لراس المال كي يشعر أنه يتابع ما يكتبه "السادة"، ولا يكتب هذا المثقف للثورة في الوطن الأحوج إليها من كل مكان! وأخيراً، ترحب معظم الحكومات العربية بتعيين بلير مسوِّقاً، بائعا متجولاً للتسوية في الوطن العربي، ويمدح ذلك المثقفون أو يخرسوا. بمعنى آخر، فقد ترسخت الدولة القطرية لتكون قاعدة عمالة بالمليان! ولتكون راس الحربة في الهجمة على الطبقات الشعبية لتفقد ما لديها من مشترك قومي. وهذه هي المعركة الفاصلة التي من أجلها يأتي توني بلير إلى المنطقة. ليقول ثانية "ها قد عدنا يا صلاح الدين" هذه المرة إلى القدس مباشرة. ليس من قبيل التكرار أن نقول إن هذه أخطر مرحلة. وكل قول كهذا كان صحيحاً في حينه لأن كل يوم اخطر من سابقه طالما لم نحقق النصر بعد! على أن المهم هنا هو الخطاب. بل الفارق بين الخطاب البنائي الإستراتيجي الذي يحمل اليوم لغدٍ، وبين التعامل اليومي بل اللحظي مع ما يدور. فالتعامل اللحظي مهم ولا شك لا سيما إذا كان التحليل دقيقاً، لكنه لا يكفي لأن المطلوب دوماً هو الإحاطة التحليلية الشاملة والمتواصلة، وليس التحليل عند الحدث، بل ما قبله لاستشرافه والتحكم به، وليس الانحصار اللحظي. فالكلاب كثيرُ أجاب جورج بوش على التساؤل فيما إذا كان تعيينه توني بلير "مندوباً أميركياً سامياً" في الوطن العربي مثابة مكافأة لكلب الحراسة، أجاب بأن "بلير أكبر من ذلك". ليس هذا ما يهمنا، وليس بلير مجرد كلب سياسي كما يُقال. بلير هو أداة لراس المال، ماكينة تسهيل التراكم، التراكم أولاً والتراكم ابداً، ماكينة آتية من خلفية يسارية مفترضة، وغير حقيقية، ليكون خادماً إضافياً لراس المال، بلير تلميذ برنارد لويس وأنتوني جيدنز دعاة الصهيونية وخلق جيش رديف لراس المال ما اسمي بالطريق الثالث. بعد ايام من فوز المأفون الفرنسي براس المال والحرب والعنصرية، ساركوزي، جرى تعيين بلير مندوباً للوطن العربي. فقد حل ساركوزي محل بلير في خدمة مركز المراكز. نحن إذن أمام رئاسة أركان تعين هذا هنا وذاك هناك حسب متطلبات المعركة. مثلاً جرى تعيين إبريل جاسبي بعد كونها سفيرة في العراق قبيل محاولة العراق تحرير الكويت، عُينت هذه مسؤولة عن وكالة الغوث في القدس! ولا يهم كثيراً إن تحول بلير إلى الكاثوليكية فقد تحول ساركوزي إلى الإنجليكانية. تقسيم أدوار، من يكن في السلطة يجب أن يكون انجليكانيا "بالمعنى السياسي والمالي"، ومن يشغل منصب التلاعب الدبلوماسي يفضل ان يصبح كاثوليكياً، فالكاثوليك مقبولون عربيا اكثر، والأرثوذكس أنظف من الجميع. ترى لو تحول خالد مشعل إلى شيعي، ألن تقوم قائمة الطائفة السنية ولن تقعد؟ ألا يوضح هذا أحد الفوارق، كم نلهث نحن ورائهم! الدين في المركز الراسمالي مطية لراس المال، ماكينة توليد التراكم، أما الدين عندنا فمطية ايضاً، ولكن لتوليد التخلف وخدمة تراكمهم. بلير كلب أو "قلب الأسد" لا يهم، المهم أنه لا يوجد بالمقابل صلاح الدين! بل فرق من مخاصي الحكام والمثقفين الذين سوف يتسابقون على لمس كعبه. رحم الله كاتب رسالة "الرخ والبيدق". والأساس هو الدور، كيف يوزع العدو جنده؟ وفوق هذا وذاك كيف يجرؤ اي حاكم عربي على استقبال بلير وفمه مطلي بدماء العراقيين، وبوش وملابسه رانخة بدماء نساء العراق والصومال، وأولمرت الجريح بحراب حزب الله. واليوم، يلجأون إليه ليرفع من طريق رام الله نابلس كومة من الحجارة؟ ليضع مكانها ألغاماً. بلير هنا لإكمال المهمة، لإكمال وعد بلفور، وإقامة دولة يهودية نقية بلا نقصان، بلا شوائب عربية، بلا أحد من الأغيار العرب. بلير إلى اين؟ لا جزع بل حذر. فأسلحتهم لم تتجدد. ليس هناك من محتوىً ذا قيمة أو بال في شخص المندوب السامي، تعبيراته الراقصة، وتهزهزه أمام المايك، ونرجسيته لا تعني الكثير، مثلا مقارنة مع الهدوء السافل لهنري كيسنجر، أو الإصفرار اللئيم لبريجنسكي[1]. ولكن، لا تطمئنوا كثيراً، فالمسألة ليست كفاءة الفرد وحده، بل المشروع العدو وأدواته وخطابه. يأتي بلير ضمن مشروع عدواني إذلالي يقول للشعب العربي، ها هم حكامكم دون "نعلي" فعلام ترفضون؟ هو منطق الإستشراق السياسي نفسه، لا جديد. وقد يكون جديده تزاحم مثقفين عرباً للدخول تحت ذلك الحذاء. مسكين هذا الحذاء كم ستكبر مساحة شسعه حتى لو وصلت حكماً ذاتياً! يأتي بلير والطبقات الشعبية العربية أمام أحد خيارين، حتى اللحظة، فإما الدخول تحت الحذاء مع الكمبرادور، وإما اختيار المقاومة والممانعة. إما الحذاء وإما الهامة العالية. لا توسط بينهما. قالوا وسيقولون إرهاباً، لا بأس. ولكن علينا التعلًُم والحذر. لا بد أن نتعلم الدرس جيداً، ولا بد أن نأخذ من العصر روحه وجوهره، لا بد من تجديد اسلحتنا، تجاه المرأة والحريات والتنمية والوحدة. صحيح أن اسلحة العدو لم تتجدد، لكنها لا تزال قوية ولا يزال بين جنوده حكامنا وكثير من مثقفينا. البليرية إلى اين حتى السياسة الشعبية الباردة في بريطانيا ضاقت بتوني بلير ذرعاً، فرمته إلينا. ورغم تشوه المجتمع المدني في بريطانيا، المجتمع المدني الذي يحمل إرثاً إمبريالياً هائلاً، "إلا من رَحِم ربي" من الثوريين الأنقياء أمثال جالوي وتوني كليف وطارق علي "وتد ذا رِد"...الخ، إلا أن هذا المجتمع ألقى عن كاهله هذا الدموي المتراقص. فهل سينجح هنا؟ لن يفهم بلير ومن يسقبلونه أن هذه "الرُقى" لن تنفع. صحيح أننا مقبلون على مذابح هائلة، سوف يقتلون منا الكثيرن بين من يموت في دربهم سلبياً دون مقاومة، أو من يموت واقفاً وقد صفعهم بحذائه مثل صدام حسين، فهل تختار الطبقات الشعبية طريق صدام حسين أم حكام المذلة واللذات؟ ولكن مشروعهم لن يمر بما هو مشروع تراكم راس المال، وتحرير التجارة الدولية، واحتلال القطريات واحدة بعد الأخرى، وإقامة حكم ذاتي في اشلاء فلسطين. لن يفهم بلير "الظريف" ان ليس لدى المتنازلين أكثر من الحكم الذاتي، وأن موقعة مجدو لن تأخذ الأمة العربية لما ابعد من الحكم الذاتي. وأن قواعد اللعبة قد تغيرت بعد عراق المقاومة وانتصار حزب الله. ولم يعد لدى العملاء ما يعطوه سوى إعلان العمالة على رؤوس الأشهاد. اصبح كل شيء مكشوفاً. وإن وجد من يسلم لهم بكل شيء فسيبقى لحينٍ على أسنة الحراب ثم يهرب. سيدير بلير وبوش واتباعهما أزمة المنطقة إلى حين، ولكن أحداً لن يحلها. فلا حل في العراق إلا بأكثر عدد ممكن من قتلاهم حتى يهربوا، وفي الصومال كذلك، وفي لبنان. أما في فلسطين، فلا حيِّز لدولتين، بل ولا حتى لحكم ذاتي ودولة. لن يكون إلا حل الدولة الواحدة كجزء من وطن عربي متحرر، نامٍ، اشتراكي. سيكون بعد دهر، لا باس، ولكن لا حل غير هذا.
|
||
|
|
|
حورات |