|
حورات |
|
|
|
|
|
عوائق الانقلاب العسكري في تركيا (*) - عبدالله تركماني |
|
|
2007-07-05 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
وهكذا، يخيم على الحياة السياسية التركية احتمال قيام الجيش بانقلاب عسكري تحت ذريعة الدفاع عن النظام العلماني، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك سنة 1923. وفي العموم، ليست وقائع الحاضر إلا حصيلة تراث طويل من الانقلابات العسكرية، أعقبتها في كل مرة تعديلات دستورية كانت تقوّي حجم التدخل العسكري وموقع الجيش في الحياة السياسية والمدنية. ويبدو أنّ الأزمة بين الجيش وحكومة حزب " العدالة والتنمية " هذه المرة أزمة حقيقية وكبيرة ومعقدة، تتجاوز بكثير مسألة تصرفات الحزب التي " تهدد " النظام العلماني، أو رفض الجيش لأن تكون زوجة الرئيس القادم محجبة. إنها أزمة ثقة وخلاف كبير حول مستقبل تركيا، ومستقبل أمنها الوطني المتعلق بالقضية الكردية وشمال العراق وقبرص. ويبدو أنّ شكوك العسكر حول نيات رئيس الحكومة طيب رجب أردوغان بدأت تظهر منذ زيارته لمدينة ديار بكر وقوله أمام تجمع كردي " إنّ القضية الكردية في تركيا، هي قضية الديموقراطية، وهي قضيتي وسأحلها بالطرق السلمية ". ومن ناحيتها، أطلقت مؤسسة الجيش إشارتها الأولى إلى عزمها العودة إلى لعب دور مؤثر وحاسم في الحياة السياسية، حينما هددت أكراد العراق بالويل والثبور. وتوقع كثيرون أن تكون لتلك التهديدات صلة مباشرة بمسار الانتخابات التشريعية التركية وطبيعة العلاقات بين الجيش والحكومة. وبالفعل، توضح الآن، بعد أن أعلن الجيش معارضته ترشيح عبدالله غول لرئاسة الجمهورية، أنّ التهديدات ضد الجوار الكردي العراقي لم تهدف سوى إلى تذكير الإسلاميين في الحكومة والبرلمان بأنّ المؤسسة العسكرية ستظل صاحبة القرار الفصل في تحديد مستقبل البلاد السياسي. ومما يعيق مثل هذا السيناريو أنّ المتغيّرات الدولية والإقليمية أسقطت عن الجيش التركي أوراق التوت، المتمثلة في الدعم الغربي، الذي كان يستر تدخله السافر في سياسة بلاده بذريعة حماية الجمهورية العلمانية والمبادئ الأتاتوركية، فبدت المؤسسة العسكرية التركية وكأنها قد استنفدت واجباتها حيال الغرب، بل انزلقت نحو الاصطدام به على نحو ما بدا خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم إصرارها على توجيه ضربات عسكرية لحزب العمال الكردستاني والتوغل في شمال العراق، إلى جانب رفضها لمعظم الشروط الأوروبية اللازمة لضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، والتي يرى قادتها فيه تقليصا لنفوذ الجيش وتدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد. وغالب الظن أنّ مثل هذا التحول في الموقف الغربي، حيال تدخلات الجيش التركي، جاء نتيجة لتطور الأحداث واختلاف الظروف عما كان سائدا إبان الانقلابات العسكرية الأربعة الماضية، بشكل أفضى إلى تغيّر نظرة الغرب إلى تركيا. فأوروبا، التي التأمت في منظومة واحدة تتوق تركيا إلى الالتحاق بها، تريد أن تكون تركيا أقرب إلى أسس وقيم تلك المنظومة، بحيث تغدو أكثر استعدادا للتعايش مع القيم الحضارية، بما فيها الديموقراطية والدولة المدنية التعددية، وأقوى اقتصاديا من خلال الانفتاح على الغرب ومجاراة العولمة، وهو ما لا يتأتى في ظل هيمنة الجيش على السياسة. أما داخليا، فالاقتصاد التركي ينمو بقوة، كما تحظى حكومة أردوغان بشعبية واسعة. ومن أهم العوامل المؤثرة التي قد تمنع الجيش التركي من التدخل في هذا الجدل السياسي الحالي، ربما رغبة الأتراك في دخول بلادهم الاتحاد الأوروبي، حيث أنّ تدخل الجيش في الحياة السياسية سيزيد من التشدد الأوروبي في مفاوضات الانضمام. إذ تعد السيطرة المدنية الكاملة على شؤون الدولة، ومنها القوات المسلحة، من أهم معايير " كوبنهاغن " للعضوية في الاتحاد الأوروبي. وعليه، لا شك أنّ شروط القيام بانقلابات عسكرية مباشرة لم تعد سهلة كما في السابق، ولاسيما مع معارضة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، لكنّ الجيش بعد إخراجه المعركة إلى العلن سيعمل على استنفاذ كل الوسائل السياسية الممكنة، حتى إذا ثبت فشلها لن يتورع عن القيام بانقلاب في وجه الجميع، في الداخل وضد أوروبا " التي تريد تقسيم تركيا "، وضد أمريكا " التي تريد دولة كردية مستقلة في العراق "، كما يرى العسكر، وانعكاسات ذلك على تركيا. إنّ تركيا في مواجهة تحديات خطيرة جدا، لا أحد يعرف عن أي واقع جديد ستسفر، خصوصا بعد سقوط نظرية العسكر التي راجت على ألسنة قادته باحترام العملية السياسية وإرادة البرلمان، وانعدام الثقة بما يقوله لأنه أظهر أنه يقول شيئا ويفعل شيئا آخر. إنّ الجمهورية والعلمانية تُحميان فقط بالديموقراطية وليس بالتدخل العسكري، فكيف يمكن لبلد في وسط مفاوضات عضوية مع الاتحاد الأوروبي، ولبلد في مركز العالم أن يأتي الجيش ويعيق انتخابات رئاسية فيه ؟ سيكون مشهدا محبطا لكل الديموقراطيين في هذا الشرق لو أنّ الجيش التركي عاود لعبته الانقلابية المرذولة.
تونس في 1/7/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس (*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 5/7/2007.
|
||
|
|
|
حورات |