تبدو ردود الفعل الفتحاوية على أحداث غزة التي انتهت بسيطرة حماس على القطاع تبدو محكومة بكبرياء مجروحة ولا تستند إلى حسابات سياسية واقعية.ذلك أن مطلب القوات الدولية لن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل 15 حزيران ـ يونيو الماضي فالطرف المعني بها لا يريدها ولديه القدرة على الحؤول دون انتشارها ومن جهة ثانية لن تغامر الدول المرشحة لمهمة من هذا النوع بإرسال جنودها للقتال ضد "حماس"  من أجل أن تستعيد الأجهزة الأمنية المنحلة دورها في القطاع. أما مطلب الاعتذار الذي رفعه الرئيس أبو مازن بوجه من يسميهم ب " الانقلابيين " فمن الصعب الرهان على تحقيقه لأن "حماس" ليست ضعيفة إلى حد التبرؤ من عمل تعتقد أنه كان مشروعا وتم تحت ظل حكومة " وحدة وطنية" بغض النظر عن السجال القانوني الفلسطيني ـ الفلسطيني في شأنها. والحديث عن رفض الحوار مع " القتلة والمجرمين" بحسب تصريحات أحمد عبد الرحمن الناطق الرسمي باسم السلطة الفلسطينية يوحي أن لدى هذه الأخيرة رهان سياسي أو عسكري يمكن بواسطته حمل الطرف الآخر على التراجع وبالتالي العودة إلى الوضع السابق لكننا نعرف وربما يعرف أركان السلطة أن ما تبدل في غزة قد مضى وأن أحدا لن يكون بوسعه إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء ما يعني أن اللهجة الانتقامية التي مازالت تميز تصريحات العديد من المسؤولين الفلسطينيين لا قيمة سياسية لها .بالمقابل يمكن اعتبارها "فشة خلق" مبررة خصوصا في الأيام التي تلت الأحداث مباشرة لكنها لا تشكل ردا سياسيا مناسبا على ما جرى بل تعيق ترميم  البيت الفلسطيني وبالتالي استئناف المواجهات والمجابهات الحتمية مع إسرائيل والتي بدونها لا يمكن استرجاع الحقوق الفلسطينية.

وقد يكون من حق الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يعيد تنظيم الأوضاع في الضفة الغربية وفي حركة فتح ومنظمة التحرير و السلطة الفلسطينية بطريقة تمنه من الحفاظ على عناصر قوة يعتقد أنها ضرورية من أجل استمرار دوره ودعم تحركه السياسي ولعل تشكيل حكومة الطواريء والعودة إلى مؤسسات "المنظمة" يدخل في هذا السياق. وربما يكون من حق عباس أيضا أن يختبر مدى جدية وحماسة القوى العربية والأجنبية التي راهنت على رئاسته ولعله سمع في جولته العربية والدولية وخصوصا في شرم الشيخ ما يطمئنه ويشد من عزيمته لكن الخوف الأكبر يكمن في سؤ فهم المحيطين به لمعنى هذه الحركة ولأبعادها وللأثقال التي يمكن أن تحملها خصوصا إذا كانت مشروطة بتصفية المقاومة الاسلامية المسلحة.

أغلب الظن أن عباس يدرك أن محاولات القضاء على حماس أو احتوائها قد باءت كلها بالفشل ابتداء من اعتقال قادة الحركة وزجهم في سجون السلطة قبل العام 2000 مرورا بالاغتيالات الإسرائيلية لقادتها ومؤسسيها وصولا إلى  محاولة "تسميمها" بواسطة اللعبة الانتخابية والحصار الاقتصادي خلال الشهور الطويلة الماضية ما يعني أن ما لم تدركه السلطة عندما كانت في أوج قوتها وما لم تدركه إسرائيل والولايات المتحدة وما يسمى ب "المجتمع الدولي" من الصعب إدراكه بعد أحداث غزة وبالتالي يخطيء الرئيس ويخطيء المحيطون به إذا ما اعتقدوا أن التأييد الكاسح للسلطة يتيح تغطية أخلاقية وسياسية لفتح معركة ناجحة ضد حماس وذلك لأسباب كثيرة من بينها أن إسرائيل لن تمكن السلطة من السيطرة على الأرض الفلسطينية وبناء دولة عليها وهي الورقة الوحيدة التي ترفع أسهمها بمواجهة التيار الجهادي الفلسطيني وأن هذا التيار بات يحتفظ للمرة الأولى في تاريخ الصراع مع إسرائيل بقاعدة بشرية وجغرافية حصرية سيدافع عنها حتى الرمق الأخير.

ثمة من يعتقد أن عباس خرج ضعيفا من مجابهات غزة وهو اعتقاد صحيح وخاطيء في الآن معا. صحيح لأن السلطة الفلسطينية ومعها حركة فتح تعرضت للمرة الأولى في تاريخها لهزيمة في اختبار قوة فلسطيني ـ فلسطيني وخاطيء لأن محمود عباس يمكن أن يحول ضعفه الطاريء إلى قوة مفيدة له ولخصومه وللقضية الفلسطينية عموما وذلك لأنه صار حاجة ماسة لكل أطراف الصراع فحماس تحتاج إليه للتواصل مع محيطها المباشر في مصر والأردن وللتواصل مع العالم. وإسرائيل تحتاج إليه بوصفه الطرف الذي وقع اتفاقات أوسلو ويجنبها العودة إلى جحيم غزة. والولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما يعتبره الممثل المقبول للشعب الفلسطيني. ومصر والأردن كما السعودية تعتبره مرجعا وحيدا في كل ما يتصل بعلاقة الفلسطينيين بجوارهم  العربي ناهيك عما يسمى بوثيقة السلام العربية التي اعتبرت في قمة الرياض الأخيرة سقفا للسياسة العربية الرسمية إزاء إسرائيل.

 بيد أن قوة عباس المستمدة من ضعفه بعد أحداث غزة لا تتخذ كامل هيأتها إلى إذا تمكن الرئيس الفلسطيني من الاستجابة لكل شروط اللعبة وأولها إعادة وصل ما انقطع مع حركة "حماس" بالعودة إلى اتفاق مكة أو بحوار جديد يحفظ الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تظل بالنسبة  للطرفين شرطا مصيريا لكل حراك سياسي وعسكري.

في روايته الوحيدة "علاقات خطرة" الصادرة في القرن التاسع عشر يعرض "شودرلو دو لاكلو" مأزق الفتاة المراهقة سيسيل على ما أذكر والتي كان عليها أن تتزوج من فيكونت ثري كبير السن نزولا عند رغبة عائلتها بينما تحب مدرسها الموسيقي الشاب الذي ينتمي إلى عامة الشعب فكان أن استشارت مدام دو مورتاي البارونة المجربة فقالت: لا عليك يمكنك أن تتزوجي الفيكونت دون أن تتخلي عن الموسيقي . لا تناقض أبدا بين الخيارين.!!...من حسن حظ الرئيس عباس أنه ليس كاثوليكيا و بالتالي ليس مضطرا لارتكاب فعل الخيانة فهو مسلم و دينه يتيح له الزواج من أربع في الآن معا هذا إن عدل.

انتهى.