أقام
كثير من المعلقين السياسيين "مندبة" حول
أحداث غزة، وهي بالفعل أحداث مؤسفة. غير
أن هؤلاء المعلقين مضوا شوطاً بعيداً في
إدانة "الثقافة" العربية وكأنها هي
المسؤولة عن الأحداث. تستمد هذه النظرة مرجعيتها من فهم خاص للسياسة العربية وكأنها استثناء من القوانين العامة للسياسة في الدنيا كلها, وينسب هذا الاستثناء "للثقافة" العربية... بل ويبدو أن بعض المعلقين "اغتبطوا" لهذه الأحداث على طريقة "ألم نقل لكم", أي كأنها دليل جديد على تشوه أصيل في الثقافة السياسية العربية يجعل الدول "قبائل" ذات أعلام ومطارات, ويجعل الفصائل عشائر... إلخ. والصراع بين "فتح" و"حماس" بهذا المعنى هو صراع "عشائري" لا علاقة له بالعقل والعقلانية أو بالوطن والوطنية... إلخ.
واقع الأمر غير ذلك تماماً. إذ يمكن فهم أحداث غزة كظاهرة عالمية تستجيب لقانون كوني عام. بل وقد لا يمكن عزلها عن الوطن والوطنية ولا حتى عن المسار الطويل للديمقراطية. ويكفي أن نستعين بالمنطق لنفهم المسار المحتمل للسياسة في ظروف توازن نسبي ودقيق ومتحرك بين قوتين سياسيتين متعارضتين أيديولوجياً ومتنافستين سياسياً.
عندما يتطور الوضع الاجتماعي إلى حالة توازن سياسي من هذا النوع، ينفتح مخرجان كبيران: إما الصراع الاستئصالي أو التعايش.
يحتاج التعايش إلى تنظيم دقيق نسبياً للقواعد التي تحكمه. والديمقراطية تمثل أفضل تنظيم للتعايش السياسي بين قوتين سياسيتين متنافستين. بل تطورت الديمقراطية في أوروبا الغربية أساساً بفضل "اكتشاف" حتمية التعايش حتى لا تستمر حروب أهلية طويلة ومدمرة. بهذا المعنى وقع اكتشاف الديمقراطية أو فرضت نفسها في الواقع التاريخي والسياسي العالمي ليس بفضل الدعوات الدستورية كما تزعم النظرية الأوروبية السائدة، بل "كبديل للحرب الأهلية". كان ذلك هو ما حدث بعد انقسام "المستقلين" إثر وفاة "كرومويل" زعيم الثورة البريطانية الأولى أو بالأحرى الوحيدة في تاريخ المملكة المتحدة الحديث. ثم إن هذا هو ما حدث في نهاية حرب الثلاثين عاماً والتي أسست فكرة العلمانية أو فصل الدين عن الدولة في أوروبا كلها باتفاقية "وستفاليا" الشهيرة عام 1648 وفتحت الطريق لتطور أوروبا الطويل نحو النظام الديمقراطية.
وتكفينا نظرة واحدة لتاريخ فرنسا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين لنكتشف نفس القاعدة. ظلت فرنسا تراوح في مكانها بين الاستبداد والديمقراطية حتى انتصرت الأخيرة فقط عند بناء الجمهورية الخامسة عام 1958. وتاريخ أوروبا كله هو حكاية التوازن الحرج والمتحرك بين اليسار واليمين وبين قوى شد وجذب مختلفة.
بل نضيف إلى هذا الاستنتاج من التاريخ الأوروبي والعالمي، قاعدة عامة أخرى وهي أن الميل الأقوى في بداية حالات التوازن السياسي هو تفجير الصراع أو الحرب الأهلية من أجل استئصال الخصم. فجميع خلق الله يحبون الاحتفاظ بالقيادة أو السلطة ومنافعها لأنفسهم ومنعها عن غيرهم, وهم ينتجون من المبررات والأيديولوجيات والتفسيرات ما يضفي شرعية على هذه الرغبة الدفينة في احتكار السلطة عندما يصلون إليها. وتظل النزعة للاستئصال، ولو عن طريق الحرب الأهلية والقمع السياسي، سائدة حتى تفرض الحياة درس التعايش الذي قد ينتج "الديمقراطية".
وفي الحالة الفلسطينية تحديداً يمكننا أن نضيف قاعدة ثالثة هي أيضاً تطبيق خاص لقاعدة عالمية. فالمشكلة ليست كما أثارها المعلقون العرب: أي أن الحرب الأهلية تعيق النضال الوطني الموحد, بل العكس. فحالة الاحتلال وشدة القسوة والعنف والتلاعب والقمع وهذه كلها يمارسها نظام الاحتلال الإسرائيلي... ساهمت بشدة في تضييق فضاء التعايش ومن ثم صعوبة الاحتفاظ بالإنجاز الديمقراطي الذي حققه الفلسطينيون وصعوبة تعميق "اكتشاف" الديمقراطية كأسلوب لحل الصراع السياسي المحلي. فقد أضاف الاختلاف حول كيفية مواجهة الاحتلال بعداً أيديولوجياً وعاطفياً كبيراً على الانقسام السياسي بين "فتح" و"حماس" وجعل من الصعب الاحتفاظ بحكومة الوحدة الوطنية لأكثر من أسابيع قليلة. ويمكن النظر إلى الحرب الأهلية المصغرة في غزة باعتبارها حلقة في الطريق الطويل لإعادة اكتشاف "حتمية الحل الديمقراطي" في المجتمع الفلسطيني.
السؤال من هذا المنظور هو حول كيفية تسريع اكتشاف هذا الحل وضمان احترامه وإقامته على أسس عملية سليمة حتى يتفرغ الفلسطينيون للنضال من أجل انتزاع حقوقهم التاريخية وتصفية نظام الاحتلال.
جانب من الإجابة على هذا السؤال يمكن فقط لبقية العرب الإجابة عليه, ففي الظروف الاعتيادية، وبشكل خاص في ظروف الاحتلال الإسرائيلي بالغ القسوة والكفاءة العملية معاً، قد يصعب على الفلسطينيين التوصل بأنفسهم لقواعد تعايش سليمة وفعالة في الوقت ذاته. وما يجب على العرب أن يفعلوه هو أن يشعروا الطرفين، بل والمجتمع السياسي الفلسطيني ككل، لا بحاجته للتعايش وإنما حتميته.
ويستنتج الجميع "حتمية التعايش" عندما يشعرون أنه يحقق عائداً سياسياً أفضل من الاستئصال أو الإنكار أو الحرب الأهلية وعندما يتأكدون من استحالة كسب الحرب الأهلية على الدوام وأن البديل للتعايش هو حرب دائمة.
هذه هي السياسة، عارية وحقيقية وقاسية كما تطورت في الدنيا كلها.
وعند هذا الحد تظهر قضية عملية بحتة، وهى كيفية الحفاظ على التوازن السياسي بين الفصيلين القائدين في السياسة الفلسطينية. ثمة عناصر كثيرة في الإجابة. لكن أهم هذه العناصر على الإطلاق هو إنقاذ "فتح" من التراجع والتشظي أو الانهيار التام, وهو أمر يبدو أنه سيقع ما لم يحدث تدخل أو تغيير خلاق.
"فتح" ليست واحدة، هذه حقيقة صارت معروفة للجميع. ويتفق كثيرون على أن "فتح" وقع اختطافها من جانب البيروقراطية العسكرية والأمنية الفاسدة التي تكونت مع الوقت وخاصة في ظل "أوسلو" وبتشجيع من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. لكن يستحيل القبول بهذه النهاية البائسة لحركة وطنية عظيمة لها تقاليد تاريخية ونضالية كبيرة. والسؤال الذي يجب أن يجد إجابة خلاقة عليه هو: هل يمكن إنقاذ "فتح" من التفكك والتدهور والانهيار في نهاية المطاف؟
لا يمكن أن نجيب على هذا السؤال الآن. كل ما لدينا هو "مكونات" للإجابة. فالرئيس الفلسطيني أبو مازن اثبت فشله في إعادة توحيد "فتح" وفقاً لتقاليدها التاريخية والنضالية. وهو مع كل التقدير والاحترام ليس من نوع القيادات الكاريزمية القادرة على إنتاج حل لأزمة "فتح" من داخل "فتح" وخاصة في الوقت الحالي وفى الظروف الحالية. لكن الفاسدين في "فتح" هم في الحقيقة أقلية. وهناك قطاع كبير جداً في "فتح" يخلص لتقاليدها التاريخية ولإرثها النضالي. وحتى يمكن إنقاذ "فتح", يتحتم على هذا القطاع أن يتحرك بسرعة كافية وقبل فوات الأوان لإعادة بناء "فتح" باعتبارها التيار الرئيسي لحركة التحرر الوطني الفلسطينية.
هل هذا ممكن؟ أظن بل أقطع بأنه ممكن. يجب إجراء حوارات معمقة على مستوى القيادات النظيفة الباقية, وعلى مستوى قواعد "فتح" لينتهي بعملية إعادة تأسيس جبارة. وسوف تظل هذه العملية من دون قيادة كاريزمية ومقتدرة حتى يتم إنتاجها فعلاً في سياق النضال السياسي في الداخل وضد نظام الاحتلال الإسرائيلي.
هذا هو قدر الفلسطينيين وهذا هو أيضاً أفضل خياراتهم.


