قضايا حقوق الإنسان
وحرياته الأساسية أثارت وما زالت تثير إشكاليات
عديدة لجهة الانتهاكات التي تتعرض لها حيث تسجل
الأحداث في الماضي وفي الحاضر بعض الصفحات السوداء
والصور القاتمة التي تبشّر بمستقبل مظلم في ميدان
حمايتها، او تعزيز اجراءات تلك الحماية.
فالمشكلة قديمة قدم المجتمع البشري نفسه مع مراعاة
اختلاف ظروف المكان والزمان وتطور الفكر الانساني
لإضفاء مزيد من الضمانات بهدف الحفاظ عليها، على
الأقل من الناحية النظرية بانتظار الوصول الى ما
ينشده الإنسان من كمال ضمن سياسة فردية وعامة تحقق
له الاستقرار والعيش بكرامة وأمان.
لا شك بأن حقوق الإنسان ترجع في جذورها القديمة
الى مبادئ القانون الطبيعي او مبادئ العدالة عند
اليونان الذين قالوا بوجود قانون أزلي ثابت لا
يختلف باختلاف الزمان والمكان، وهو ليس من صنع
البشر بل من الله خالق الكون، ويسمو على كافة
القوانين الاخرى ويخضع له الفرد والحاكم، ويستمد
قوته من المبادئ التي يتضمنها، ما يعني ان الانسان
وحمايته الهدف الأساسي لكافة القوانين، وانتقلت
هذه الفلسفة الى الفكر الانساني عند الرومان، كذلك
تبنت هذه الفلسفة الديانة الكونفوشية في الصين
والديانة البوذية في الهند، والديانة اليهودية
والديانة المسيحية، والشريعة الاسلامية حققت خطوات
واسعة في هذا المجال، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا
بالتقوى، وان أكرمكم عند الله أتقاكم.
فهل استطاعت البشرية في كفاحها الطويل والمستمر ان
تتوصل من الناحية العملية الى حكمها على حماية
حقوقها وحرياتها الأساسية؟
الجواب في غاية البساطة اذا ما ألقينا نظرة سريعة
على الانتهاكات لحقوق الإنسان خلال الحربين
العالميتين وخلال النزاعات المسلحة والأزمات
الكبرى التي اجتاحت العالم بعد ذلك في يوغوسلافيا
ورواندا والسودان وكمبوديا والقضية الفلسطينية،
واحتلال العراق والاعتداء الاسرائيلي على لبنان.
لقد تمخضت أحداث الحروب العالمية عن ولادة الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان سنة ,1948 والاتفاقية
الأوروبية لحقوق الإنسان (1950)، ومعاهدة هلسنكي
للأمن والتعاون في أوروبا (1975)، والاتفاقية
الاميركية لحقوق الانسان (1969)، وهنالك المنظمات
الدولية غير الحكومية وهي ذات صفة استشارية لدى
المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة
والمهتمة بحقوق الإنسان كمنظمة العفو الدولية،
وبخصوص الأحداث فهنالك الإعلان العالمي لحقوق
الطفل (1989) إذ ان من حق الاطفال ان يتمتعوا
بالضمانات والحماية والمزايا التي توفرها حقوق
الانسان المعترف بها في كافة المواثيق الدولية،
واعتمدت المؤتمرات الدولية السياسة ذاتها في تطوير
وظائف المؤسسات العقابية، (مؤتمر جنيف ,1955
ومؤتمر لندن 1960)، ومؤتمر هافانا 1990 الذي أوصى
باعتماد التدابير غير الاحتجازية على نطاق واسع.
وإذا كانت حقوق الإنسان تتعرض للانتهاكات في زمن
الحرب، كذلك يمكن ان تحصل في زمن السلم وان كانت
صورتها في زمن الحرب تكون أكثر بشاعة وضررا، وهذا
ما يمكن الاشارة اليه من خلال انتهاك حقوق الإنسان
من قبل التحالف الذي قام باحتلال العراق، او من
خلال ما يجري في فلسطين من مجازر على أيدي
العسكريين الاسرائيليين، او من خلال ما ارتكبته
اسرائيل من جرائم ضد الانسانية بحق المدنيين على
لبنان وتهجير السكان الأمنيين وقصف المنشآت
الحيوية، فهل منع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
وغيره من المواثيق الدولية انتهاكات تلك الحقوق
بشكلها السافر.
لا شك بأن هنالك بعض النصوص المثالية والنظرية
بشأن حماية حقوق الإنسان، لكن على الصعيد العملي
نرى ان المجتمعات تعيش شريعة الغاب في ظل معالم
العولمة التي تطغى عليه، وأهم مظاهرة اتساع الهوة
بين الدول الغنية والدول الفقيرة، واتساع مجالات
الفقر والبؤس والنقمة، ورواج تجارة البشر عن طريق
بيع الاطفال والنساء والاستغلال الجنسي لهم،
ودفعهم الى عالم الجريمة والرذيلة، الى جانب سوء
التغذية وانتشار البطالة والأمراض في العالم
الفقير بحيث ان الكرامة الإنسانية تكاد تكون
معدوية او غير موجودة، فالانتهاكات تكاد تقتصر على
من لديهم القوة والسيطرة، والنفوذ السياسي
والاقتصادي، بحيث تخولهم هذه الصفات ارتكاب
جرائمهم باسم الشرعية الدولية وفرض النظام العام
ومكافحة الارهاب تحت مجهر الأمم المتحدة وصمتها
المريب الذي يثير اكثر من علامة استفهام حول دورها
في مواجهة انتهاكات حقوق الانسان المتكررة في اكثر
من مكان في هذا العالم.
وبرغم ان الصورة تبدو قاتمة بالنسبة للمستقبل على
صعيد حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ما
يعني ان هذه الحماية لكي تكون فعالة يجب ان تكثف
الجهود باتجاه إنشاء الهيئات والمؤسسات التي تعنى
بهذه الحماية وتعزيز دورها واستقلالها في وظائفها
وكي نبدأ بالخطوة الاولى والأساسية يتعين التمسك
بالقيم الإنسانية على وجه يقيني ودون تردد،
والاعتماد على المنظمات العاملة في الحقل الإنساني
من أجل بناء عالم تسوده حقوق الإنسان وحرياته
الأساسية، وهذا الأمر يستلزم بناء الإنسان منذ
مراحل طفولته وحتى بلوغه سن الرشد وفي المراحل
التي تتبع ذلك، اي من خلال الأسرة، والمدرسة
والمعاهد والجامعات، والسعي الى تكوين شخصيته على
أساس وعيه لحقوقه كإنسان كي يتمكن من الدفاع عن
هذا الحقوق باعتبارها تمثل حصنا منيعا لوجوده
وكرامته، وحصانة تمنع الغير من الاعتداء عليها،
ونحن في العالم العربي وفي العالم الاسلامي بصورة
خاصة ونتيجة لأنظمة الحكم التي تخاف من رأي شعوبها
جعلت حقوق الانسان في الدرك الأسفل ومهد للمعتدي
وللمحتل ان يمعن فيها طعنا وانتهاكا الى ان بلغ
حدا لا يطاق من الظلم والتعسف والتحكم خاصة
بالنسبة لما جرى ويجري في العراق وفلسطين.
فالمشكلة لا تكمن فقط في المنهج السياسي للدولة
انما تكمن ايضا في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي
والفكري وان ظاهرة عالمية حقوق الانسان تعني كل
البشر في كل أقطار العالم وبالتالي لا يمكن
انكارها باعتبارها حقا مكتسبا لا يجوز المساس به،
بل نعتبرها انجازا للإنسان يستحق التضحية وبذل
الجهود البناءة من أجل ان نترجم النصوص النظرية
الى ممارسة حقيقة، ونلغي المعايير المزدوجة
والانتقائية على كافة المستويات باعتبار ان الحقوق
الانسانية غير قابلة للتجزئة وهي تعبر عن حضارة
الانسان ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وتكرس رسالته
وتطوير نمط حياته في العمران البشري، وتدفعها
بالاتجاه العادل الذي يحقق لها القوة والاحترام
الدائم.
وبصرف النظر عن بعض الهوامش البسيطة في خصوصية
وأهداف الثقافات والأعراف والتقاليد عند كافة
الشعوب، فإن الاطار العام لهذه الحقوق وأهدافها
تبقى واحدة وهو الانسان والحفاظ على كرامته
ورسالته في الحياة أينما وجد ولأي عقيدة او اي
تيار سياسي ينتمي اليه، ويبقى العبء الأكبر في
تنفيذ هذه السياسة يقع على عاتق المثقفين في
اعتماد وخلق نظام قانوني ملائم من أجل احترام حقوق
الانسان على أكمل وجه، وعندها نسجل على صفحات
التاريخ أننا أمة نؤمن بعدم استعباد الناس لأن
أمهاتهم ولدتهم أحرارا.
([) استاذ جامعي
|