يُنظر للتلفزيون باعتباره جزءا من وسائل الإعلام، وحين يعترف التلفزيون بنسبه إلي شجرة العائلة هذه... سوف يتذكر بالتأكيد أشقاءه الأكبر والأعرق ونعني: الصحافة والإذاعة... وقد استفاد التلفزيون في السنوات الأولي لدخوله المنطقة العربية لأغراض سياسية ودعائية، من أسلوب عمل الإذاعة والصحافة معا، ومن خبرة العاملين في كلا الحقلين حتي استطاع أن يقف علي قدميه قليلا، قبل أن يجري الحديث شيئا وشيئا عن عنصر الصورة باعتباره أمرا جوهريا يختلف به التلفزيون عن الإذاعة، وعن اللغة التلفزيونية، باعتبارها لغة لها أسلوبها وتقنياتها المختلفة عن لغة الصحافة.
لكن الصحافة التي هي فن البحث عن المتاعب، وجدت دائما في التلفزيون بؤرة للمتاعب التي تستحق الاهتمام، نظرا للدور الجماهيري الذي يلعبه... ولذلك ظلت الصحافة بالنسبة للتلفزيون مثل الأخ الناصح، الذي يحاول أن يستوعب سفه وعبث شقيقه الأصغر، ولكنه حين يقطع الأمل من أن يجد لديه أذنا صاغية، قد يقسو عليه ويشهر به، أملا في أن يجد رادعا لتحسين أدائه، والوعي بأهمية دوره.
وإذا أردنا أن نسقط كل هذه المفاهيم والمقدمات علي آلية عمل تلفزيونية تفسرها وتشرحها، فإننا بالتأكيد لن نجد أفضل من تجربة التلفزيون السوري، التي تقدم نموذجا لعلاقة (الأخوة الأعداء) ليس بين التلفزيون والصحافة فقط، بل وبين التلفزيون وجوهر البحث عن الحقيقة الذي يمثل روح الصحافة في كل زمان ومكان!
عملتُ في التلفزيون السوري لأكثر من خمسة عشر عاما، معدا للبرامج وكنت آتياً من الصحافة، التي علمتني أن الصحافي الذي يصفق ويهلل وينافق ليس صحافياً... وقبل دخولي التلفزيون كزائر وبعده، كنت أجد في الصحافة ملاذي وبيتي... لكنني سرعان ما اكتشفت أن انتمائي الصحافي، هو مدعاة للريبة والنفور والشك... لأن هذا يعني أنني أريد أن ألتقط خبرا، أو أكشف سرا، أو أميط اللثام عن حالة فساد... وبالتالي يجب اجتنابي، والسكوت أمامي، وحجب المعلومات عني... حتي لو كنت في الوجه الآخر أعمل ضمن طاقم عمل كبير يسعي ما أمكنه لتطوير برنامج هنا، أو تقديم فكرة جديدة هناك.. ويرتبط بما يمكن أن يسمي في مؤسسات سليمة ومعافاة: علاقات زمالة!
وخلال الخمسة عشر عاما الماضية، ُمنعتُ من دخول التلفزيون السوري ست مرات في عهود تعاقب عليها مدراء عامون ومدراء تلفزيون عديدون... والغريب أنني خلال المرات الست، لم يكن المنع بسبب خطأ برامجي ارتكبته في البرامج الكثيرة التي توليت إعدادها، أو سرقة مالية من السرقات الكثيرة التي تحدث في ميزانيات البرامج وما يجري في كواليسها، أو تجاوز أخلاقي من التجاوزات التي تقترب أحيانا من حدود الفضائح الجنسية... بل كانت كل أسباب المنع بلا استثناء هي التعبير عن رأيي ككاتب صحافي، سواء في برامج التلفزيون السوري نفسه، أو في قضايا سياسية عامة خارج إطار الصحافة السورية.
وبعيدا عن تداعيات الحالة الشخصية التي لا تخلو من مدلولات عامة... فالمشكلة كانت تبدأ أن الصحافي الذي يريد أن يدخل مبني التلفزيون السوري، حتي لمجرد أن يغطي حدثا، أو يتابع خبرا، يجب أن يحصل علي موافقة من إدارة التلفزيون نفسه، فإما تضع اسمه مسبقا عند المفرزة الأمنية التابعة لفرع المداهمة التي تحرس التلفزيون من رمشة العين... أو تمنحه بطاقة دخول مؤقتة تجدد كل ثلاثة أو ستة أشهر حسب الرضا. وبالتالي فالإدارة يحق لها إن لم تعجبها الطريقة التي تكتب فيها عن التلفزيون، أو عن ظواهر الفساد المزمنة التي فيه... أن تعاقبك وأن ترفض استقبالك باعتبارك زائرا غير مرغوب به... وقد حدث أن اشتكيت لمرة واحدة لنقيب الصحافيين السابق الدكتور صابر فلحوط، لكن وجود ابنته كمذيعة في التلفزيون، منعه من أن يمارس واجبه كنقيب للصحافيين علي النحو الذي يحب!
أما من يستطيع أن يحصل علي دعم يجعل دخوله إلي المبني أمرا تافها وشكليا... فسيكون له علاج آخر غير المنع عينك عينك! فهو إما سيخضع لرشوي مبطنة بالتلويح له بإعداد برنامج ما، أو سيخضع لرشوي معنوية عن طريق إرضاء غروره بمسألة حب الظهور التلفزيوني في البرامج بطعمة وبلا طعمة كي يحقق شيئا من النجومية التي لا تتحقق للصحافي السوري بفعل أدائه الصحافي بسبب الوضع المبكي للصحافة السورية الذي يعرفه القاصي والداني!
تكره أروقة التلفزيون السوري علي العموم الوجوه الصحافية المتعبة (بكسر العين)، التي لا تعرف لغة المديح والتي تحب بالفطرة الصحافية السليمة التي لم يشوهها التدجين أن تكتب عن الفساد الذي يعشعش ويستشري، فيجعل من العاملين في أسر وسلالات وأنساب أين منها عهود الإقطاعيات وعائلات المهن... فالمذيعة المدعومة بعد سنوات قليلة توظف شقيقتها وشقيقها وأولاد خالتها وعمومتها، والمحاسب يجعل من ابنه فني المونتاج المبتدئ مونتير دراما بين ليلة وضحاها حيث فارق الأجور يستحق فعلا... والمسؤول الأمني يشغّّل ثلاثة أرباع أسرته، وهذا ينقل زوجته من وزارة أخري كي تداوم معه في التلفزيون بضع ساعات علي مزاجها... وذاك ينقل زوجته من عاملة مقسم أو سكرتيرة كي تصبح مساعدة مخرج أو مخرجة... والكثير الكثير من الظواهر التي تشعر إدارات التلفزيون المتعاقبة أنها تهدد سمعتها وترمي بيتها الذي من زجاج بالحجارة... فتقرر أن تنظر للصحافة باعتبارها فعل شر وأذي وخراب بيوت، لا فعل نقد وقول كلمة حق في ضرورة إصلاح وتطوير مؤسسة تحمل سمعة وطن... ويمكن أن تلوث شيئا من تلك السمعة أيضا حين تتخلف وتصبح خارج قيم المنافسة والحضور!
والعداء للصحافة لا يقتصر علي إدارة التلفزيون بقنواته المختلفة، بل يسري إلي الأعلي ليشمل وزراء الإعلام، الذين يفترض أن مهمتهم تطوير عمل الصحافة وحماية الصحافيين... لكن هذا لم يمنع وزراء سابقين أن يصدروا توجيها بعدم نقد التلفزيون في الصحافة المحلية، أو وزراء لاحقين أن يصدروا هم بأنفسهم قرارات العقاب بحق الصحافيين الذين يتجرؤون علي كشف ملفات التلفزيون السوداء في الصحافة العربية أو علي شبكة الإنترنت. وإذا اعتبرنا أن تطوير التلفزيون في كل أنحاء العالم يتم من خلال الارتقاء بالخبرة التقنية التلفزيونية شكلا، وتشجيع روح العمل الصحافي في الرؤية والمعالجة مضموناً، فإننا سنجد أن بعض البرامج الجيدة كبرنامج (ملفات حرة) للصحافي إبراهيم ياخور منعت وأوقفت، لأنها كانت أمينة لجوهر العمل الصحافي في الرؤية التلفزيونية: البحث عن الحقيقة بلا خوف من عواقب وهواتف!
وقد تعاقب علي إدارة بعض مفاصل التلفزيون السوري في السنوات الأخيرة بعض الصحافيين والصحافيات، لكن هذا لم يغير في جوهر الأمر شيئا، لأن هؤلاء كانوا في كتاباتهم الصحافية لا يهشون ولا ينشون، فهم لم يمنعوا يوما من الكتابة... ولم يجرجروا إلي فروع الأمن للتحقيق معهم بسبب آرائهم وكتاباتهم... بل كانوا يصعدون في سباق حواجز أمنية بلا إنجاز مهني يستحق الذكر، وكانوا أيضاً أقرب إلي شهود الزور في الوقت الذي تحتاج فيه الصحافة كي ترقي وكي تعبر عن وجع الناس إلي شهود من نوع آخر. وفي الحالات التي كان يلجأ فيها أهل التلفزيون، تحت ضغط العسف الإداري، وسد الآذان والأبواب في وجوههم، إلي الصحافة لبث شكواهم وإيصال صوتهم، كانت عبارات التهديد والوعيد تتعالي في وجوههم... فمن يذهب إلي الصحافة، فليطلب منها أن تحل له مشكلته إن استطاعت... وهي عبارة بعث بها أكثر من مدير لأكثر من متضرر في أكثر من عهد، وآخرهم السيد ماجد حليمة المدير العام الحالي، ردا علي شكوي إحدي الممثلات علي تجاوز استبدال مخرج لها في مسلسل من إنتاج التلفزيون، بعد توقيع العقد رسميا... ومن دون حتي الاعتذار منها!
وهذه الروح الكيدية التي تستهين بدور الصحافة، وتري أن البديل هو الصمت والاستجداء والتغاضي عن الكرامات... لا تحكم مدراء الهيئة من فراغ... بل من صلف حقيقي في التمادي بالخطأ لأنه ليس هناك من يحاسب!
إن علاقة التلفزيون السوري بالصحافة هي جزء من فهم مشكلته... فحتي في الوقت الذي صار فيه التلفزيون السوري آخر خيارات المشاهد المحلي في المتابعة والاهتمام، استمر نهج العداء للرأي الآخر الذي كانت تمثله الصحافة أو ما تبقي منها أحيانا، كي يكرس واقعا يقول: إن التلفزيون هو حصن الرأي الواحد الذي لا يجب اختراقه، وإذا ما تم الحديث عن الرغبة اليائسة في تطويره، فيجب أن يتم ذلك بمعزل عن منغصات وشرور ووجع رأس الرأي الآخر مهما كانت درجة اختلافه الفني والإعلامي والخدماتي... ولن نقول السياسي بالتأكيد!

(فنون) الخاسرة ماديا ومعنويا!

ولا يكتمل الحديث عن علاقة التلفزيون السوري بالصحافة، من دون الإشارة إلي المجلة نصف الشهرية التي كان يصدرها التلفزيون تحت عنوان (هنا دمشق) وتوقفت في ثمانينيات القرن العشرين، وكانت مجلة ُتقرأ لأنها كانت تنطوي علي حرفية وهامش صحافي ورغبة في تقديم الأفضل، قبل أن تعود بشكل أسبوعي في منتصف التسعينيات تحت اسم (فنون) لتشكل نموذجا باهتا لمجلة فنية تولد ميتة كل أسبوع، رغم أن سورية فيها حركة فنية وتلفزيونية ناشطة اليوم... مجلة لا يتجاوز رقم توزيعها في الأسواق السورية الخمسمئة نسخة رغم رخص ثمنها، ولا يهتم بها حتي موظفو التلفزيون نفسه رغم مجاملاتها السمجة لهم... والغريب أن وزارة الإعلام السورية تخسر الملايين سنويا علي الإنفاق علي هذه المجلة الخاسرة ماديا، من دون أي مردود معنوي يذكر...سوي تكريس الصورة البائسة التي تفضلها إدارات التلفزيون السوري للعمل الصحافي الذي ينطبق عليه القول المأثور: لأنك لست باردا ولا حارا... تقيأتك نفسي !
كاتب من سورية
mansoursham@hotmail.com