لم يكن أسبوع الإقتتال الأخير في قطاع غزة، وبشكل جزئي في بعض الضفة الغربية هو بداية الإقتتال، بل كان اللحظة الأخيرة فيه. ولم تكن بداية الإقتتال منذ عام ونصف حينما فازت حماس في الإنتخابات الأميركية في الضفة والقطاع حيث أطلق هذا الفوز العنان للشركة المساهمة في الإنقلاب المعولم ضد حماس. كما لم تكن بداية الإقتتال في قرار حماس دخول الإنتخابات على سجادتين هما المقاومة والمساومة، ولكل سجادة إله! قد تكون بداية الإقتتال كامنة في قيام قيادتي الطرفين وهما من نفس الطبقة العليا، بالتعبئة الفاشية لعناصرهما من الطبقات الشعبية الذين نشأوا في حقبة التسوية حيث استبدل الشغل في الكيان بتمويل وظائف السلطة من خالقي الكيان "المركز الراسمالي"،  مجموعات من الشباب، ولحسن الحظ، بعض النساء في مجتمع متخلف إنتاجياً، إلا من إنتاج البشر بلا حساب، يقطع باع المرأة إذا امتدت للسياسة والنضال، أنصاف متعلمين، اشباه مثقفين، فقراء عاطلين عن العمل، يبحثون عن قائد فيخلقوه طبقاً لأفقهم الثقافي والفكري، وحتى لو رفض العبادة لأجبروه على أن يكون معبودهم. يكتفون بمصروف الجيب، وبسيارة مسروقة من الكيان عليها أجهزة تكبير الصوت لتذيع في الشارع أناشيدهم وحدها، وليخسأ اي مواطن يعبر عن إنزعاجه، وبملابس نصف عسكرية، وقطعة سلاح.  مجموعات من الشباب المعبىء بشكل خطي واحد: نحن الصحيح وكل ما عدانا عدو من الصهيوني وحتى الشقيق في المنزل. لذا، يمكن استبدال العدو الصهيوني بالشقيق بعد دقيقتين من النقاش فما بالك بعد عام ونصف من الإشتباكات! ما الذي يترتب على هذا غير اقتتال حتى الرمق الأخير؟ فهو تعبير عن تناقض تناحري. تناقض ليس طبقياً ولا طائفياً ولا مذهبياُ بل تناقض مصلحي فئوي شرائحي إلى حد مقيت.

حين يكون التناقض تناحرياً، لا يمكن بلورة حل يقبل به طرفا التناقض إلا إذا تنازل أحدهما أو خسر. وحين تدخل حركة تحرر أو تقبل بمخطط عدوها، تؤول لا محالة إلى تفكك واحتراب وضياع. كما تفقد قضيتها قداستها ووهجها بداية لدى عناصرها وانتهاء بحلفائها.

هكذا كان مشروع اتفاقات اوسلو، اعتراف واضح بالكيان مقابل اعتراف بمنظمة وليس بشعب أو دولة، قبول فلسطيني بمشروع صاغه النظام العالمي كعدو ولصالح العدو. أما تسمية ما نتج عن اوسلو ب دولة ، فقد افقد المقاومة قداستها وأعطى النظام الرسمي العربي فرصة التنصل من القضية الفلسطينية وكأنها شأن داخلي ل "الدولة" الفلسطينية، وهو تنصل غير محايد، فالعرب إما مع المقاومة أو في صف عدوها.

في هذا السياق، كانت الإنتخابات في السابق وفي العام الماضي محاولة نقل المقاومة إلى اللعبة السياسية، ليعيش الناس وهم السيادة وبريق المنافع، مما يخلق مصالح وبالتالي تناقضات طبقية. وانتقلت بالفعل معظم القوى الفلسطينية إلى مواقع البرلمانية في بلد غير مستقل، ودخلت هذه القوى لعبة بتمويل العدو الأكبر. وسواء توقع العدو خسارة فتح أم لا، فما يهمه هو النتيجة النهائية وهي إدخال الجميع مطهر التسوية، وإذا اقتتلوا فذلك افضل.

إن العدو نفسه الذي موّل مشروع أوسلو، وأغمض عينيه عن الفساد طالما هناك تطبيع وتمسُّك بالتسوية، وهو ما ترتب عليه مصالح مالية للحزب الحاكم وحلفائه، كل عضو بمرتبته مما جعل السلطة موقع مصالح لا قلعة سيادة، مكاناً وليس وطناً، وهذا ورط السلطة السابقة في إشكالات أفقدها الصوت الإنتخابي، وأوقعها، نتيجة عدم الإحتجاج الشعبي، في اعتقاد مطلق أنها الفائز الأوحد في الإنتخابات الثانية.

لذا اصر العدو على الإنتخابات ولم يتدخل للتزوير، لأن ما يهمه عملية انخراط المقاومة في التسوية. أما التهليل الرسمي عربيا ودوليا للإنتخابات فلم يكن إلا كدق الطبول والغناء وإشعال النار حين إلقاء زوجة الهندي فيها بعد موت زوجها. وعليه، سواء فازت حماس أم تم تسهيل فوزها لتوريطها، كل هذا يؤكد أن العدو كان يدرك أن نتائج اللعبة الإنتخابية هي لصالحه كغيمة هارون الرشيد، وأن حياة سلطة تابعة ممولة منه هي في يده، وهو ما تجلى في الحصار، أو بالأحرى عدم "تغذية وليد سفاح برأيه". لذا، لم يهتم العدو بتزوير الإنتخابات، كما لم يفرض، وهو صائغ الإنتخابات، شروطه سلفاً "اي الإعتراف بالكيان كشرط لاستلام السلطة" على الفائز كما حصل بعد فوز حماس.

 مقدمات موضوعية للمذبحة

ما اشرنا إليه أعلاه هي مقدمات موضوعية للصراع. يُضاف إليها الكثير مثل وجود تيارات تعتبر الإعتراف بالكيان الصهيوني واجب "أخلاقي وحداثة سياسية"، وهناك تيارات الأنجزة التي استبدلت الوطن والتحرر بزرع أوهام وجود مجتمع وحقوق إنسان ومناخ تحرر المرأة في بلد تتفشى فيها ثقافة ذكورية الميليشيا، وكل هذه وغيرها مقصود بها إشغال الناس عن حق العودة، ونسيان الوطن واستبداله بالمكان، اي البيت، مخيم اللاجئين، الحساب البنكي...الخ. 

كانت أوسلو مناخ تكوين مصالح طبقية للقيادات، وهناك فئات تجارية لها مصالح طبقية قبيل اوسلو نفسها، أملاك وتجارة ومشاغل...الخ. وهذه أمور موضوعية تتفاعل كالبنزين مع الكبريت حينما تتوفر فرصة الإمساك بسلطة. فالسلطة والمصلحة المادية حالتان تتفاعلان تبادلياً بالضرورة. هذا حتى لو لم تكن سلطة سيادية، وهذا يلقي بعض الضوء على اسباب دفع قيادات ما للصراع إلى نهايته.

حينما يتضح لقيادات معينة انسداد افق المشروع الوطني، تتخلص البرجوازية من مقولة تحرير السوق الوطني، وفي حالتنا قبلت بحكم ذاتي.  صحيح أنه لا يحقق الربح الأقصى، لكنه يرمي لها باقتصاد التساقط الذي لو رفضته لن تحصل على شيىء!

وطالما ان هذه القوى دخلت اللعبة الانتخابية، فلا بد أن تُشد إلى مصالحها. وهذه ليست خيانة إنما أمر طبقي طبيعي. لذا، صحيح أن هذا الدخول هو مأزق وطني، لكنه كذلك مأزق لكل قوة فلسطينية تتحدد شدته بمقدار اقترابها من التسوية والتطبيع. وعلينا التذكر، أن التطبيع والتسوية ليسا مع الكيان وحده. كما أن التطبيع معه ليس الأخطر. فالتطبيع مع المركز الراسمالي المعولم هو الأخطر. إن اية علاقة لأي فصيل او فرد بالولايات المتحدة وتوابعها من الإتحاد الأوروبي واليابان والأنظمة العربية هو التطبيع الأخطر. فالعالم منفصل اليوم بين معسكر العولمة ومعسكر المقاومة، والمركز الراسمالي هو الذي يزيد هذ الفصل ويدفعه للقتال المفتوح.

إن القبول بوساطة أنظمة عربية "بل حتى مخابراتها" تعترف بالكيان وتاتمر بأوامر المركز، وخاصة الأميركي، هو شرط موضوعي للصراع، فهو تطبيع وانخراط في التسوية، وفي أفضل أحواله إعلان من هذه القوى أنها بصدد القبول بشروط اللعبة البرلمانية تحت الإحتلال. أليست المخابرات العربية هي التي كانت تحج إلى واشنطن حاملة ملفات عن الوضع العراق إلى أن أُحتل العراق؟   

كما أن حال النظام الرسمي العربي هو من المقدمات الموضوعية للصراع. فهو نظام يعلن تبعية كل قطر للمركز المعولم، نظام مرجعيته واشنطن، وبدرجة سرية تل ابيب، نظام يرى الأقطار العربية تُحتل واحداً بعد الآخر ولا يجرؤ على إصدار بيان، بل ويساعد على جعل ذلك أمراً عادياً، كما لو كان الإحتلال استقلالاً. نسوق هذه الفقرة فقط للتذكير التاريخي بأن فلسطين قضية عربية وليست فلسطينية، وأن سقوط القضية ترافقاً مع سقوط النظام الرسمي العربي هو أمر طبيعي لا مفاجأة فيه، وأن ما يحدث في العراق وفلسطين والصومال ولبنان واليمن، هو استمرار لسايكس بيكو ورفعها إلى تفكيك كل قطر من داخله تفكيكاً احترابياً، وليس هجوماً إسلامياً على الحداثة. حتى لو تقاطعت بعض الأمور.

ربما كان الشرط الموضوعي الأخير لحتمية الإقتتال وجود تكثيف هائل من التعبئة الفاشية من كل طرف ضد الآخر. قيادات من طبقة غنية تمول وتحرِّض فقراء يبحثون عن مصروف الجيب اليومي "من لا يقاتل لا يأكل". لذا، ليس غريباً وجود أموال للأسلحة وليس لحليب الأطفال!. لقد أنتجت الإشتباكات المتقطعة فريقا من مشعلي الحرائق من وبين الطرفين، وهو فريق اصبح التصالح تهديداً له. لذا كان لا بد من إبعاد هؤلاء خارج البلاد أو استمرار الإقتتال حتى النهاية.  لقد سقط المجتمع التقليدي في الثأر السياسي والعائلي والفردي، وطالما لم تعد هناك قيمة للقانون والسلطة، فليس هناك ما يمنع الإقتتال. بل هناك ما يمنع المقاومة. ومن هنا، فإن التعبئة الفاشية هي إيذان بوقف المقاومة أو اعتبارها مجرد "حبة عند اللزوم". وهو ما انتهى إلى سيطرة طرف على غزة وآخر على الضفة الغربية.

المعالجات المنحازة خطيرة

كلا الطرفين كان ولا يزال حريصاً على قتل صاحبه. والخطورة في التقييم أن ينحصر في مسلمات طرف ضد الآخر، مثلاً، الانحصار في اسبوع الإشتباك الأخير، أو الانطلاق من "الشرعية" كمطلق مقدس. فالإشتباكات الأخيرة حصيلة للشروط الموضوعية التي هيأت لها وجعلتها حتمية. أما الشرعية، فليست شرعية قط طالما مرجعيتها اوسلو. بعد اوسلو، إن لم يكن قبله بطويل زمن، اصبحت الشرعية نفياً للمقاومة، وبهذا المعنى يصبح الخروج المقاوم عليها واجباً وطنياً. ومن هنا الإشكالية الخطرة التي وقعت فيها كافة الأطراف التي شاركت في التسوية والانتخابات لأنها كانت تلعب كضحية "بالقضية" في حضن الوحش. فالشرعية هي رفض الإحتلالين الأول والثاني، والتمسك بحق العودة والمقاومة أنّى سنحت.

بعض المعالجات انطلقت من التركيز على "فلسطنة" القضية، التي لم تكن ابداً فلسطينية بحتة. ودور هؤلاء هو تغييب البعد العربي الذي غاب شعبيا ولم يغب رسمياً. وفلسطنة القضية إما سذاجة سياسية أو تمريراً لمؤامرة، ولا فرق في عمق الجريمة. فالقضية تعلو بالعلو العربي وتنحط، كما نرى، بانحطاطه.  

بعد المذبحة حل السلطة 

إذا لم تكن كافة الشروط الموضوعية للإقتتال، وهي ناجمة بقدر كبير عن وجود أوسلو-السلطة، فإن المذبحة أتت لإتمام وجوب حل السلطة. فطالما أن وجود السلطة قاد إلى كل هذا التذابح، وطالما أن وجودها أو تقاسمها سيزيد من "المرونات في أحسن الأحوال" لصالح ومع العدو، فإن التخلص منها يصبح بداية مشروع العودة إلى الخط الصحيح الذي ينطلق من التحرير وحق العودة، وفي حده الأدنى بناء سلطة ذات سيادة، بمعنى أن سلطة بلا سيادة حتى لو كانت بنوايا حسنة لا بد ستقود إلى خلق مصالح فئوية وطبقية على حساب الوطن نفسه وكبديل له.

يعني حل السلطة قلب المشروع المعادي راساً على عقب. فقد اثبتت التجربة أن العدو لن يسمح بدولة فعلية حتى على أمتار قليلة، ناهيك عن أن اية دولة بمعزل عن حق العودة مكتملاً، هي مشروع خطير وتصفوي من جهة ولا ينهي الصراع من جهة ثانية، لأن تنازل طرف/أطراف عن حق العودة لن يميت هذا الحق. وأثبتت التجربة مرة أخرى أن حل الدولة الواحدة هو الحل العملي الوحيد، حتى برأي الكيان الصهيوني، ولو من الباب المعكوس. فهو يريد دولة واحدة غرب النهر، الدولة اليهودية النقية حتى لو بعد زمن يوازي عمر التوراة.  

ولكن، للتعفف عن السلطة شروطه ومفاهيمه، وقد لا يكون وارداً في حسابات الكثيرين. ومن هنا وجوب الضغط عليهم ليحصروا دور السلطة في النطاق الخدماتي والمدني والشُرَطي وليس السياسي والتفاوضي. لكن ممولي السلطة لن يسمحوا بذلك، ومن هنا فرصة اختبار هؤلاء. فلو كان من شاركوا في الإنتخابات مع هذا المدخل لأقاموا برامجهم على هذا الخيار، وهو الأمر الذي كان سيرفضه خالقو اوسلو وكانوا سيلغون الانتخابات نفسها اصلاً. 

ماذا عَّمن هم خارج اللعبة؟

ولكن، من المعني بموقف جذري كهذا؟ علينا التذكر أن الساحة الفلسطينية والعربية تخلو من تيار حقيقي يرفض التسوية. إن "وطن سايكس-بيكو" محكوم في هذه الحقبة بتيارين اثنين:

-        تيار التسوية الكمبرادوري المتخارج لصالح النظام العالمي، والذي أرسى "قيماً" تنقض التنمية والوحدة والإشتراكية والتحرر والتحرير...الخ

-        وتيار ألإسلام السياسي الذي يتوزع بين الجهادي والتكفيري والسلفي...الخ

والغائب هو التيار الرئيسي والتاريخي لهذه الأمة كما مختلف الأمم وهو التيار القومي والاشتراكي، وهو الذي حورب من هذين التيارين ومن النظام العالمي. وهو تيار بأخطائه وإيجابياته فقد جماهيره لصالح التيارين أعلاه. كما أن ضعفه أفقده حتى فرصة التحالف هنا أو هناك مع اجنحة في تيار الإسلام السياسي لتشكيل الكتلة التاريخية.

في الحالة الفلسطينية ليس من سبيل لهذا التيار لأن يلعب دور المصلح العشائري بين التيارين المتنافسين، ولا المنحاز لأي منهما. فكليهما عليه تقديم حساباته للشعب والأمة. ولذا، يجب ان يعمل هذا التيار على أرضية خارج التسوية وترقيعاتها وتصالحاتها، لا بل لن يقبل التيارين المتخاصمين به مصلحاً ووسيطاً، فلكل منهما مشرفيه وحلفائه العرب والدوليين. 

لا توجد سيادة ولا استقلال في الحالة الفلسطينية، وعليه، يجب ان يعمل هذا التيار في أوساط الطبقات الشعبية لإعادة بناء المجتمع، انتاجيا وثقافيا وقيميا وحداثياً. ليس له أن يتقاطع مع تسابق الآخرين على المكاسب والمناصب الانتخابية أو التمويل الأجنبي أو القداسي. لا بد ان يبدأ من القاعدة الشعبية. ولا بد له أن يتأكد بأن مختلف التصارعات لن تنهي القضية الوطنية ابداً. هي تضعفها حقاً، ولكنها لن تنتهي. ولن ينهض بها سوى تيار عروبي وحدوي اشتراكي تنموي تثقيفي علماني. سيأخذ هذا مدى زمنياً، لا باس، فهو تيار تاريخي وليس تياراً محكوماً بمنافع يكسبها هذا الزعيم أو ذاك عبر منصبه أو إشرافه على دفوقات تمويل أجنبي.

 هذا هو اساس السلطة الشعبية. هو تيار مقاومة بالممكن، والمهم أنه ليس تيار مساومة. سيقولون ولكن متى؟ ونقول أن الصراع التاريخي يحتاج إلى زمن اقرب إلى التاريخ منه إلى النضال اليومي بالمفرق.