|
حورات |
|
|
|
|
|
المحكمة الدولية: تمهيد للعدوان - بقلم المحامي محمد الرشدان |
|
كنعان |
2007-06-22 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
مقدمة تم تشكيل المحكمة الدولية الخاصة تحت شعار "البحث عن الحقيقة وتحقيق العدالة في موضوع إغتيال النائب رفيق الحريري" الذي شغل منصب رئيس وزراء لبنان بفترة ماضية. وحيث أن تشكيل هذه المحكمة يُخالف نصوص ميثاق الأمم المتحدة ويفتح باب الجحيم على المنطقة، وإن كافة مبررات إنشاء مثل هذه المحكمة لا تتفق مع الميثاق فإن هذه المحكمة ستكون مبرراً للعدوان وتهديدا للأمن والسلم العالمي، وذلك تمهيداً للعدوان على لبنان وسوريا، وبنفس الوقت فإن هناك تهديداً آخر لجمهورية السودان الشقيقة أيضاً. وإن هذا البحث مقدم لبيان النصوص القانونية الواردة بالميثاق وتوضيح مدى مخالفة مجلس الأمن لهذه النصوص التي تشكل إعتداءً على سيادة لبنان وسوريا تمهيداً للاعتداء على سيادة السودان أيضاً وخروج مجلس الأمن عن الهدف من إنشاءه وهو الحفاظ على الأمن والسلم العالمي ومنع العدوان، إلى عامل رئيسي بتهديد الأمن والسلم العالمي وشن العدوان على دول ذات سيادة أعضاء في الأمم المتحدة وذلك نتيجة سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على المنظمات الدولية. آملاً أن يكون البحث قد وضح بعض هذه الجوانب. والله الموفق. * * * لمحة تاريخية عن هيئات التحقيق والمحاكم الجنائية الدولية: خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 1919 و 1994 تم إنشاء خمس لجان تحقيق دولية خاصة وأربع محاكم جنائية دولية خاصة، وقد تمت تلك المحاكمات والإجراءات تحت مسميات قانونية مختلفة تبعاً لإلتزامات متباينة وجاء العديد منها بنتائج مغايرة لما كان منشوداً منها أصلاً.[1] أما النزاعات الأهلية – مهما كانت بشاعتها – فلم تجذب سوى القليل من اهتمام القوى العظمى، وإن المحكمة الدولية الجنائية الخاصة براوندا هي الوحيدة التي اختصت بنظر جرائم الحرب التي ارتكبت خلال نزاع مسلح غير دولي ولم تحقق إلا نجاحاً محدوداً. علماً بأن المحاولة الأولى لإنشاء محكمة دولية كانت بنهاية الحرب العالمية الأولى عندما عقد مؤتمر السلام في باريس عام 1919 وتم توقيع معاهدة السلام ومحاكمة مجرمي الحرب الألمان وإنشاء محكمة جنائية خاصة لمحاكمة قيصر ألمانيا، المادة ( 227) من المعاهدة وقد تم تشكيل لجان لذلك من أجل تحديد أسماء الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم الحرب إلا أن ذلك لم يحدث. فهل كانت نوايا الحلفاء هي السعي من أجل العدالة؟ أم أنهم تعمدوا استعمال رموز العدالة لتحقيق أهداف سياسية؟[2] أما المحكمة العسكرية في نورمبرج عام 1945 رغم أنها محاكمة المنتصر للمنكسر وهي وصمة عار في جبين العدالة، فقد تم استعمالها سياسياً، حيث أن الدول المنتصرة فضلت التعجيل بإعدام القادة الألمان بسرعة، وحيث أن الإجراءات التي تمت كان يشوبها الكثير من الأخطاء الفادحة فقد استغل الإتحاد السوفييتي المحاكمة لإعادة صياغة التاريخ فعقدوا محاكمات لألمان متهمين بجرائم أرتكبها الإتحاد السوفيتي مثل اختفاء خمسة عشر ألف سجين بولندي تقريباً من بينهم ما يقارب (3800) ضابط بولندي وما أشبه اليوم بالبارحة، فلقد تم محاكمة قادة العراق على جرائم حرب ارتكبتها القوات الإيرانية بعد خروج الجيش العراقي من الكويت فدخلت قوات بدر وقتلت أبناء الجنوب على الهوية والطائفة وتم محاكمة القادة على استعمال الأسلحة الكيماوية في منطقة الأكراد رغم أن إيران هي التي استعملت الأسلحة الكيماوية.[3] إن كافة المحاكم التي تم إنشاؤها ترتبط نتائجها بالقرارات السياسية وكانت المحاكمات تفشل في تحقيق العدالة لارتباطها بالقرار السياسي فهي كلمة حق أريد بها باطل، وليس أدل على ذلك موقف المحكمة الجنائية الدولية خلال الأعوام القليلة الماضية وموقفها من كافة الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية دون أن تحرك ساكناً لأن هذه الجرائم قامت بها الإدارة الأمريكية التي منعت محاكمة جنودها على اقترفوه من جرائم باستثناء محاكمة بعض الجنود المجرمين الذين صدرت أحكام بسيطة بحقهم لا تتجاوز الحبس لمدة سنتين رغم فداحة جرائمهم. في عام 1993 أصدر مجلس الأمن قراره رقم ( 827) بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة والتي كان من اختصاصها: الإنتهاكات الجسيمة لمعاهدات جنيف. مخالفات قوانين أو أعراف الحرب. الإبادة الجماعية. جرائم ضد الإنسانية.[4] وتم تسييس تلك المحكمة.[5] وفي عام 1994 أقر مجلس الأمن بقراره رقم ( 935) إنشاء لجنة خبراء للتحقيق في الإنتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني والتي ارتكبت أثناء الحرب الأهلية في رواندا بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية وصدر قرار مجلس الأمن رقم ( 955) بإقرار النظام الأساسي والوسائل القضائية لمحكمة رواندا الذي ورد صورة عن النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا السابقة تقريباً، مع وجود بعض الخلافات. الخلاصة: من الملاحظ أن جميع المحاكم الجنائية الدولية الخاصة لم يكن الهدف منها تحقيق العدالة وملاحقة مجرمي الحرب، بل إن العامل السياسي كان له الأثر الأكبر في التحقيق أو إصدار الأحكام هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن كافة المحاكم التي تم إنشاؤها بقرارات من مجلس الأمن رغم مخالفتها لأحكام الفصل السابع كما سيظهر فيما بعد إلا أنها كانت تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، ولم تكن تتعلق بإنسان واحد فقط. قراءة لبعض مواد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بعض نصوص الفصل السابع من الميثاق وبيان فيما إذا كان قرار مجلس خاضع لهذه النصوص: لقد ورد بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في المادة ( 39) ما يلي:- (يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب إتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين ( 41، 42 ) لحفظ السلم والأمن الدولي وإعادته إلى نصابه). إذن النص الوارد في الباب السابع مادة (39) حدد حالات تدخل مجلس الأمن وطرق إتخاذ التدابير وحصرها بالمواد ( 41، 42 ) من الميثاق، وبدلالة المادة الثانية فقرة (2)، وذلك للوصول إلى نتيجة وهي " حفظ الأمن الدولي ". وإن الحالات الواردة في المادة ( 39) والتي تسمح لمجلس الأمن بالتدخل هي:- إذا وقع تهديد للسلم العالمي. إذا وقع إخلال للسلم العالمي. إذا وقع عمل من أعمال العدوان. المادة ( 41): (لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب إتخاذه من التدابير التي لا تتطلب إستخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية). لذلك فإن نص المادة ( 41) ذكرت التدابير التي يجوز لمجلس الأمن أن يتدخل إذا توفر شرط من شروط المادة ( 39) وتم تحديد هذه التدابير:- ب ) 1- قطع الصلات الإقتصادية. 2- قطع المواصلات الحديدية والبحرية والجوية. 3- قطع العلاقات البريدية والبرقية. وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أوكلياً. 4- قطع العلاقات الدبلوماسية. إذن المادة ( 41) تتعلق بالعلاقات الدبلوماسية وبالحصار الاقتصادي والمواصلات والإتصالات. أما المادة ( 42) فلقد ورد النص كما يلي:- (إذا رأي مجلس الأمن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه، ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء " الأمم المتحدة "). إذن وعملاً بأحكام المادة الثانية فقرة (7) يقوم مجلس الأمن بفرض الإجراءات القمعية مثل الحصار الإقتصادي وقطع العلاقات الدبلوماسية إذا كان هناك تهديداً للأمن والسلم العالمي، وإن لم يتحقق ذلك فتتخذ الإجراءات المنصوص عليها بالمادة ( 42)، ولا يجوز لمجلس الأمن التوسع وإن صلاحيات هذا المجلس صلاحيات مقيدة وليست مطلقة، وإن إنشاء محكمة ليس من صلاحياته وإن ظروف إنشاء المحكمة لا تشكل أي تهديد للأمن أو السلم الداخلي في لبنان ولا يشكل الإعتداء على نائب في البرلمان اللبناني عدواناً على لبنان ويبقى إغتيالاً لرجل قد يكون سياسياً. قراري مجلس الأمن 1644 (2006 ) و 5685 ( 2007 ) وعلاقتهما بميثاق الأمم المتحدة: إن الرسالة المرسلة من رئيس وزراء لبنان إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 13/12/2005 والتي يطلب فيها جملة أمور ومنها إنشاء محكمة ذات طابع دولي[6] فيه مخالفة صريحة لنص المادة ( 2/7) من الميثاق. حيث أن النص جاء واضحاً ومنع الأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة عضو في الأمم المتحدة. وبنفس الوقت منع الدول من اللجوء إلى الأمم المتحدة للتدخل في الشؤون الداخلية لدولهم أو أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم الميثاق.[7] لذلك، فإن طلب رئيس وزراء لبنان يخالف النصوص الواردة بالميثاق مخالفة واضحة وصريحة، وإن الإستجابة لطلب رئيس الوزراء إستجابة لا تتفق وأحكام الميثاق. ذلك لأن هذا الموضوع يشكل سابقة خطيرة وقد أشار إليها ممثلي الدول الذين صوتوا لصالح القرار بإعتبار هذا القرار صادر عن مجلس الأمن وعملاً بأحكام الفصل السابع في قرار مجلس الأمن ذكر ممثل البيرو ما يلي:- "يجب أن لا تشكل سابقة تتجاوز نطاق هذه الحالة بعينها".[8] وهذا يعني أن هناك مميزات جديدة في الأمم المتحدة تعطى لغير الدول العظمى، وأصبحت دول أعضاء في الأمم المتحدة لها ميزات على دول أخرى، لذلك أعطيت هذه الميزة الجديدة للبنان. أي أن إغتيال أي نائب في برلمان أي دولة يجب أن لا يعرض موضوعه على الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، لأن هذا القرار المجاملة ورد خصيصاً للبنان وبناءً على الطلب المخالفة لنصوص ميثاق الأمم المتحدة والذي تقدم به رئيس الوزراء اللبناني، وبعبارة أخرى وكأن القرار يتفق وأحكام القانون وليس قراراً سياسياً المقصود منه أعمال عدوانية ضد المنطقة. وبإستعراض كلمات ممثلي جميع الدول المشاركة في مجلس الأمن التي وردت قبل وبعد إتخاذ القرار والتي صوتت لصالح إنشاء محكمة دولية خاصة لم يشير أي منهم إلى أن هذه الحالة تشكل خطراً على الأمن والسلم العالمي أو أنها عدوان، أي أن قرار مجلس الأمن قد صدر عملاًً بأحكام المادتين ( 41، 42 ) من الميثاق – وهو ليس كذلك -، وتم تبرير إتخاذ القرار بالشكل التالي:- مندوب فرنسا دلاسابليير قال مبرراً: (إن هذا القرار هام لعدة أسباب، أما السبب الأول العدالة والقرار هام أيضاً لسلامة لبنان وملاحقة المجرمين هام أيضاً لمصداقية الأمم المتحدة ولمساعدة لبنان).[9] مندوب المملكة المتحدة السير أمير جونز – باري قال:- (إن المحكمة المقترح إنشاؤها تتسم بأهمية حيوية بالنسبة للبنان وللعدالة في المنطقة، وهذا لا يشكل تدخلاً تعسفياً بالشؤون اللبنانية بل هو رد مدروس من جانب المجلس، تم إتخاذه بالطريقة الصحيحة – لم يبين صحة طريقته – على طلب مقدم من حكومة لبنان بإتخاذ إجراءات لتذليل المأزق المستمر الذي تعرضت له إجراءات لبنان الداخلية). مندوب إيطاليا سباتا فورا قال:- (لتحقيق العدالة ودعم المجلس القوي للبنان بشرط المصالحة). مندوب سلوفاكيا ماتولاي قال: (وقد أيدنا القرار لإعتقادنا أن الإفلات من المساءلة أمر لا ينبغي السماح به أو التسامح معه، ومن أجل تقديم مرتكبي الجريمة للعدالة دون بيان أي أمر يتعلق بالأمن والسلم العالمي أو العدوان). أما الرئيس: (لقد سمعنا العديد من الأصوات التي تحذر من المخاطر على السلام والإستقرار في لبنان، وقد استنتجنا من جانبنا أن عدم التصرف دعماً للبنان أمر غير مقبول وأكد دعم الولايات المتحدة للبنان، وأنه على ثقة بأن المجلس سيفي بالتزامه بدعم لبنان في سعيه لتحقيق العدالة). إن السعي لتحقيق العدالة خارج عن نطاق المواد ( 39، 41، 42، 2/7) من الميثاق. أما الدول التي لم تصوت لصالح القرار، وامتنعت عن التصويت على استحياء فهي (الإتحاد الروسي، اندونيسيا، جنوب إفريقيا، الصين، قطر). حيث أن الدول التي لم تصوت على قرار مجلس الأمن قد أوضحت بأن المحكمة التي تفصل بموضوع مقتل الحريري شأن لبناني داخلي – رأي الصين وأندونيسيا وقطر وجنوب إفريقيا – وينبغي التوافق بين جميع الأطراف اللبنانية، وإن واجب مجلس الأمن ينبغي أن يكون في تقديم المساعدة لحل المشاكل بدون إضافة مزيد من التعقيدات – كلام السيد وانغ غوانفيا – مندوب الصين في إجتماع مجلس الأمن. وأضاف مندوب الصين أن مشروع القرار المستند إلى الفصل السابع من الميثاق سيلغي أجهزة لبنان التشريعية من خلال إتخاذ قرار تعسفي سيؤدي إلى ظهور سلسلة من المشاكل السياسية والقانونية التي يمكن أن تزيد من الغموض الذي يحيط بالحالة السياسية والأمنية المضطربة في لبنان وتخلق سابقة لتدخل مجلس الأمن في الشؤون الداخلية والإستقلال التشريعي لدولة ذات سيادة). وأخيراً ورغم كل التجاوزات لنصوص الميثاق أصدر مجلس الأمن قراره رغم تحفظات الدول التي إمتنعت بالتصويت لإنشاء محكمة دولية خاصة لمخالفتها لنصوص الميثاق، ولأنها تدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. لا يوجد أي نص قانوني أو صلاحية لمجلس الأمن بإتخاذ قرار لإنشاء محكمة دولية خاصة وأن النص الوحيد والذي ورد مجاملة للولايات المتحدة الأمريكية قد ورد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ( م / 13/ب)، وهي في حالة أن مجلس الأمن أحال حالة من الحالات إلى المدعي العام جريمة من الجرائم الواردة في النظام الأساسي، وهذا النظام الأساسي الذي أقر في عام 1998 وأقرته الدول الأعضاء وأودع لدى الأمم المتحدة. ولقد ورد هذا النص ليقيد المحكمة الجنائية الدولية، بحيث أن الإدارة الأمريكية تملك حق النقض (الفيتو) وتمنع إحالة أي مجرم حرب ويترتب على النص الوارد أعلاه توفر عدة شروط. 1) من المفترض أن تكون الأفعال الجرمية المنسوبة إلى شخص معين من الأفعال المنصوص عليها بالنظام الأساسي للمحكمة الدولية وهي:- جريمة الإبادة الجماعية. الجرائم ضد الإنسانية. جرائم الحرب. جريمة العدوان.[10] وحيث أن إغتيال نائب في لبنان لا يشكل أي حالة من الحالات المبينة أعلاه، فلم يستطيع مجلس الأمن إحالة موضوع المحكمة الدولية الخاصة إلى المحكمة الجنائية الدولية. 2) لقد ورد النص المشار إليه أعلاه وذلك لأن المحكمة الجنائية الدولية يفترض أن تكون مستقلة عن ضغط الدول العظمى، وإن المدعي العام والقضاة يتم تعيينهم بشكل مستقل كما هو الحال في محكمة العدل الدولية التي تعتبر كجهاز مستقل دون أي تأثير من الأمم المتحدة عليها، ولمنع تشكيل محاكم خاصة يعين قضاتها حسب رغبات الدول العظمى في مجلس الأمن. 3) إن إحالة الدعوى إلى محكمة يكون المدعي العام قد عين بالتوافق الدولي والقضاة كذلك يشكل فرقاً كبيراً بأن مجلس الأمن يقرر إحالة أمر ما إلى محكمة دولية ويعين القضاة والمدعي العام أو آلية تعيينهم ويباشر دور السلطة التشريعية بأن يضع طريقة الإجراءات في الدعوى. 4) إن صدور قرار مجلس الأمن فيه إنحياز واضح لفئة بلبنان ضد فئة أخرى والمقصود منه ليس التدخل في الشؤون الداخلية بلبنان بل بالمنطقة العربية والإسلامية وهذا القرار أو القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن بهذا الخصوص فيه تجاوز لصلاحيات مجلس الأمن وظاهر للعيان الإنحياز التام لمثل هذه القرارات كما هو الحال بمسألة دارفور أيضاً. النتائج المترتبة على مثل هذه القرارات: لقد ثبت بشكل واضح وصريح بأن هذه القرارات مخالفة لميثاق الأمم المتحدة والمقصود منها ليس حفظ الأمن والسلم العالمي أو رد عدوان، بل المقصود بها العدوان على أمتنا العربية والإسلامية. من نتائج تشكيل المحاكم الدولية الخاصة أنها ترفع الحصانة عن أي شخص لبناني أو سوري مهما كان يطلب لمدعي عام هذه المحاكم الخاصة سواءً كان شاهداً أم مشتبه به يفترض حضوره لدائرة المدعي العام. وعلى سبيل المثال أي مسؤول في المقاومة اللبنانية أو الفلسطينية في لبنان أو أي مسؤول أمني سوري أو سوداني. وحيث أن السودان وسوريا والمعارضة اللبنانية يدركون تماماً بأن قرار مجلس الأمن جائر وغير سليم ولا يتفق مع أحكام الميثاق، إلا أن القرار الصادر ملزم. وفي حالة رفض تنفيذ القرارات الصادرة بموجب الفصل السابق من ميثاق الأمم المتحدة يحق لمجلس الأمن تشكيل لجنة أركان حرب لتنفيذ القرارات، لذلك تكون النتيجة من الممكن قيام عدوان مسلح دولي تحت غطاء غير قانوني بحجة الحفاظ على الأمن والسلم العالمي أو رد العدوان. إذن قرار مجلس الأمن هو عدوان على أمتنا العربية والإسلامية. معاهدة الدفاع العربي المشترك: إن الإعتداء على أي دولة عربية هو إعتداءُ على كامل الدول العربية، وإن طلب رئيس الوزراء اللبناني تشكيل المحكمة الدولية الخاصة، بالإضافة إلى أنه مخالف لنصوص الميثاق هو مخالف للدستور اللبناني وأفقد لبنان سيادته وفتح الباب للعدوان على أمتنا العربية. إن طلب رئيس وزراء لبنان فيه إعتداءُ على السلطتين:- 1) التشريعية. 2) القضائية. والتخلي عن صلاحيات السلطة التنفيذية. فلم يبقى للجمهورية اللبنانية أي عنصر من عناصر السيادة. أولا: السلطة التشريعية: طالما أن مجلس الأمن وبقراره ( 1757) قد باشر بوضع القوانين لإنشاء المحكمة وطرق الإجراءات بالتحقيق والحكم والإستئناف فيعتبر هذا التنازل عن السلطة التشريعية اللبنانية. ثانيا: السلطة القضائية: حيث أن مجلس الأمن هو الذي يعين القضاة من خارج لبنان بل يتدخل بطبيعة القاضي اللبناني أو القضاة من لبنان وهؤلاء جميعأً الذين سيتخذون قراراً قضائياً فهذا إعتداءُ واضح على السلطة القضائية. ثالثا: السلطة التنفيذية: إن تخلي السلطة التنفيذية عن صلاحياتها واعتدائها على السلطة القضائية والتشريعية لن يبقي لها أي أثر في السيادة على لبنان. الإختصاص الجنائي الوطني: يكون الإختصاص الجنائي الوطني أولاً ومقدم على الإختصاص الدولي، ولا يُفعّل الإختصاص الجنائي الدولي إلا في حالات محددة، وذلك لعدم المساس بسيادة الدولة لأن التدخل في السلطة القضائية وسحب الإختصاص الوطني وعدم الإلتزام بالتشريع الوطني وتطبيق الإجراءات و/أو العقوبات خلافاً لما ورد في القانون الوطني، يعتبر مساساً مباشراً بسيادة الدولة رغم أن مفهوم السيادة للدول قد تغير مؤخرا ولم تعد الدول العظمى صاحبة قرار مستقل نتيجة هيمنة الولايات المتحدة على العالم كقطب أوحد. ومن القواعد الدولية لقبول المحاكم الدولية الخاصة أو تدخل المحكمة الجنائية الدولية في أي جريمة من جرائم الحرب، أن لا يكون التدخل إلا بعد استنفاذ كافة السبل الوطنية وعلى سبيل المثال:- إنهيار النظام القضائي الوطني. إذا كانت الدولة غير راغبة في معاقبة مجرمي الحرب لديها وتكون راغبة بالتغطية عليهم وعدم تحويلهم للقضاء. إذا جرى التحقيق من الدولة ذات الإختصاص وقررت الدولة عدم مقاضاة المجرمين، رغم وجود أدلة ضدهم. إذا كانت إجراءات الدولة غير نزيهة و/أو غير مستقلة. وهناك أسباب أخرى وردت بشكل تفصيلي في المادة ( 17) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تحدد متى يكون تدخل المحكمة أو مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية في تحقيق أو جريمة داخل دولة ذات سيادة. الوضع اللبناني: إن الجمهورية اللبنانية ذات سيادة وجهازها القضائي قائم ونشط، وفقهاء القانون في لبنان لهم الآراء القانونية التي يحترمها كافة رجال القانون في الوطن العربي، بل في العالم. إن الحكومة اللبنانية وبتصريحات رئيس الوزراء اللبناني السنيورة أكد ولا زال يؤكد على ضرورة مقاضاة قتلة الحريري، ويدعمه بذلك الأكثرية في مجلس النواب. ومن الجدير بالذكر أن قرار مجلس الأمن ألزم الجمهورية اللبنانية بدفع (49%) من تكاليف المحكمة الدولية، على أن تدفع (51%) من تبرعات الدول – المادة (5) من القرار رقم " 1757" لمجلس الأمن تاريخ 30 أيار 2007. وحيث أن تكاليف المحكمة الخاصة الدولية أكثر بكثير من نفقات المحاكم الوطنية، فإن إلزام لبنان بدفع (49%) من التكاليف ليس عقبة أمام لبنان طالما أنها ستدفع هذه النسبة التي ستكون أكثر بكثير من تكاليفها الوطنية، وبالتالي فإن التكلفة ليست عائق إذا أرادت الحكومة اللبنانية المحافظة على سيادتها وعدم التدخل الدولي بشؤونها الداخلية. ومن الملاحظ أن موضوع المحكمة الدولية الخاصة ومنذ 14/2/2005 ( تاريخ مقتل الحريري ) يتفاعل مع المواقف السياسية بالمنطقة، فكلما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية الضغط على لبنان أو المعارضة اللبنانية أو سوريا يثار موضوع المحكمة الدولية الخاصة، وكلما يهدأ الوضع يهدأ موضوع المحكمة. ورغم مرور أكثر من سنتين على الحادث وعودة المياه اللبنانية إلى مجراها الطبيعي تقريباً، وإختيار رئيس وزراء جديد ثم إختيار رئيس آخر، فإن موضوع مقتل الحريري لم يعد ذا أهمية ولم يكن يشكل أصلاً تهديداً للأمن أو السلم العالمي، وهو بالتأكيد ليس عدواناً دولياً بالمفهوم المتعارف عليه وحسبما أقرته الجمعية العمومية. إذن ما هو المطلوب؟؟؟!!. إن المطلوب أو غاية أعداء أمتنا العربية والإسلامية زيادة الفرقة بين الأشقاء في لبنان وتقسيم الطوائف اللبنانية بين مؤيدٍ للإدارة الأمريكية وبين معارض لها، وإثارة الاقتتال الطائفي في لبنان لتصفية كافة العناصر الوطنية التي تهدد أمن الكيان الصهيوني، ولنا تجربة ليست بعيدة في النوايا الحسنة التي ساقتها الولايات المتحدة الأمريكية لنشر الديمقراطية في العالم، وقامت بعدوانها على العراق فكانت هذه الديمقراطية الأمريكية في العراق هي القتل والتدمير والإرهاب. وفي سبيل هذه الديمقراطية فقد قامت القوات الأمريكية في العراق بالانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف الأربع، فلم تحترم أي نص يتعلق بحقوق الأسرى أو الجرحى أو المدنيين ومارست كل ما هو محظور بموجب الاتفاقيات والمواثيق الدولية. ومارست كل جرائم الحرب من القتل العمد والإبادة وإبعاد السكان والسجن والحرمان الشديد للحرية والتعذيب والاغتصاب واضطهاد جماعات معينة واختفاء الأشخاص والفصل العنصري والطائفي وأخذ الرهائن والهجوم على مواقع مدنية والهجوم على أماكن العبادة وسرقة الآثار وتدمير المستشفيات والاستيلاء على الممتلكات وسرقة الثروات... إلخ. وتم ودعم الميليشيات الطائفية التي تقوم بشكل يومي بقتل ما لا يقل عن مائة مواطن عربي عراقي، بالإضافة إلى الذين يستشهدون على أيدي قوات العدوان يومياً. فهل رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة فتح باب الجحيم على أمتنا العربية لنشر العدالة بالأسلوب الديمقراطي الأمريكي الحاصل بالعراق؟؟ وتهيئة عدوان جديد على لبنان والسودان بتغطية تدعي أنها قانونية، وهي ليست كذلك تحت مسمى " المحاكم الدولية الخاصة "؟!. فهل هذا هو المطلوب في سوريا و لبنان؟؟. إن لجان البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق كتبت تقاريرها بشكل يتوافق ورغبة الإدارة الأمريكية وكان الجزء الأكبر من التقارير عاماً وليس مؤكداً لوجود أسلحة دمار شامل، وما أشبه اليوم بالبارحة فإن لجنة تقصي الحقائق التي تم تشكيلها بموجب القرار ( S/2005/2003 )، وتم إرسال هذه اللجنة إلى لبنان وأوردت اللجنة بتقريرها لمجلس الأمن عبارة بأن ( التحقيق في اغتيال الحريري يشوبه عيوب جسيمة وعدم وجود القدرة والالتزام الضروري للتوصل إلى نتيجة مرضية ). ولم توضح هذه اللجنة أسباب عدم القدرة أو عدم الالتزام؟! وما هي النتائج المرضية؟! والرضا لمن يكون؟ هل المطلوب رضا الإدارة الأمريكية؟ أم الشعب العربي في لبنان؟ وما هي أسباب العيوب الجسيمة بالتحقيق، طالما أن الحكومة اللبنانية وضعت كامل إمكانياتها للتحقيق؟! وهل أن لجان التحقيق الدولية ستكون أكثر كفاءة بعد مرور سنتين على الحادث وسنتين أخرى لتشكيل لجنة التحقيق الدولية وسنين أخرى لتبحث المحكمة الدولية الخاصة بالدعوى واستعمال ذلك جميعه سياسياً؟!. إن ما ورد من عبارات فضفاضة بتقرير لجنة تقصي الحقائق المشار إليها تشابه العبارات التي استعملتها لجان البحث عن أسلحة الدمار الشامل بالعراق من حيث شك بوجود أسلحة دمار شامل أو أن الظروف التي وجدناها تشير إلى شبهة وجود إمكانية العراق للحصول على أسلحة دمار شامل... إلخ من العبارات الفضفاضة. وكان العدوان على العراق الذي من حقه أن يكون لديه أسلحة يدافع بها عن الأمة العربية والإسلامية بمواجهة الكيان الصهيوني الذي يمتلك أسلحة دمار شامل. إن قتلة الحريري هم ومن هم ورائهم الذين يتمترسون في مخيم نهر البارد وهم الذين يفجرون التفجيرات في لبنان في مواقع مختارة طائفياً، وإن دعم هؤلاء القتلة كدعم الإدارة الأمريكية لتشكيل المحكمة الدولية الخاصة لأن هذه المحكمة التي ستشكل بعد سنة على الأقل ويتم التحقيق بعد سنة أخرى وستستمع المحكمة للشهود وتقدم البينات سنة أو سنتين لحين صدور قرار بالنتيجة بعدم التوصل إلى الفاعل الأصلي والمعروف للإدارة الأمريكية تكون النتيجة هي مزيد من الفرقة اللبنانية بين معارض ومؤيد علماً بأن سلامة لبنان أهم من حياة الحريري. وإن عملية الاغتيال لا تشكل إبادة جماعية أو تشكل خطورة على الجنس البشري وإن اغتيال أي شخص ما مهما كانت مرتبته الاجتماعية ووزنه الدولي لا يشكل إخلالاً بالأمن والسلم العالمي ولا يشكل عدواناً خاصة وأن المرحوم رفيق الحريري يعد من أثرياء العالم حتى أنه يقال بأنه يملك مزارع قد تفوق مساحة الجمهورية اللبنانية وله أعداء بالاقتصاد ومنافسين لتجارته. بالإضافة إلى وجود خلافات سياسية وطائفية لبنانية، لذلك فإن اغتياله لا يرقى بأي حالٍ من الأحوال إلى مرتبة الإبادة الجماعية في رواندا أو يوغسلافيا السابقة حتى يعتبر بمثل هذه الأهمية خاصة وأنه سلامة الأوطان أهم من سلامة الأبدان، وإن إنشاء المحكمة الدولية الخاصة تعرض سلامة لبنان للخطر وتزيد الفرقة وليس العكس، خاصة وأن التوجه بإنشاء المحكمة من أجل إلصاق الاتهام لغير الفاعل الأصلي والمقصود بذلك موقفاً سياسياً واضحاً للإدارة الأمريكية حتى تستعمل هذه المحكمة تحقيقاً لمآربها. وإن هذه المحكمة الخاصة لن تكون إلا ورقة ضغط بيد الإدارة الأمريكية ضد المقاومة في لبنان والشقيقة سوريا والتهديد باستعمال باقي المواد في الفصل السابع من الميثاق إذا لم يتم الانصياع لرغبات الإدارة الأمريكية. إذن الفكرة الأساسية في الميثاق من تدخل مجلس الأمن إعادة الأمر إلى نصابه والهدف هو بالنتيجة وقف التهديد للسلم أو الإخلال به وليس الهدف إلصاق التهم بدول وأشخاص ولا يمكن لمجلس الأمن حتى وإن استعملت كل الدول العظمى حق الفيتو إعادة المرحوم الحريري للحياة. ولكن من المؤكد تماماً بأن اغتيال الحريري أياً كان الفاعل، سواءً كان الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أي شخص لبناني أو طائفة لبنانية فإن هذا الإغتيال لم يعد الآن يشكل تهديداً للسلم العالمي. دأبت الولايات المتحدة الأمريكية بإستعمال المنظمات الدولية لفرض سيطرتها على العالم، وقلبت المفاهيم الدولية بحيث أصبح عدوانها على العراق وأفغانستان عملاً مشروعاً وليس عدواناً أو إرهاباً. لقد أصبح حق تقرير المصير للشعب العربي في فلسطين أو العراق عملاً إرهابياً وكذلك إعتبار المقاومة الأفغانية عملاً إرهابياً أيضاً. بل أصبح عدوان الإدارة الأمريكية بأي منطقة بالعالم مشروعاً وأي مقاومة إرهاب وحسبما ذكر الرئيس الأمريكي " من لم يكن معنا فهو ضدنا "، ويصبح بالمفهوم الأمريكي إرهاباً. وقد استعملت الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها على الأمم المتحدة ومجلس الأمن لمزيد من التدخل في لبنان والمنطقة العربية ومناطق أخرى بالعالم، وقد باشرت في إرسال المعونات العسكرية للحكومة اللبنانية خلال الأيام القليلة الماضية تمهيداً لإرسال قوات أمريكية إلى المنطقة لفرض مزيداً من السيطرة. سيادة لبنان والمحكمة الدولية الخاصة: إن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي أقر من ( 104) دولة والذي لم تصادق عليه الولايات المتحدة الأمريكية التي وقعت اتفاقيات ثنائية مع الدول التي وقعت على النظام الأساسي لاستثناء الولايات المتحدة الأمريكية بموجب الاتفاقيات الثنائية من ملاحقة مجرمي الحرب الأمريكان بتطبيق نظام المحكمة الدولية عليهم رغم مصادقة هذه الدول على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية. حتى أن جريمة العدوان لم تجرؤ الدول التي صادقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من اعتماد تعريف واضح لجريمة العدوان، حتى لا تحاسب الإدارة الأمريكية عن عدوانها المتكرر على الدول. ومن الواضح أيضاً سيطرة الولايات المتحدة على هيئة قضاة المحكمة الجنائية الدولية ودائرة المدعي العام الذي لم يحرك ساكناً نتيجة جرائم الحرب التي تقوم بها الإدارة الأمريكية في العراق وأفغانستان وما يقوم به الكيان الصهيوني من جرائم وإبادة وحصار للشعب العربي في فلسطين. ورغم ذلك فإن لكل دولة سيادة ولا يجوز للدول المستقلة أن تتنازل عن هذه السيادة ويكون الاختصاص الجنائي الوطني له الأولوية على أي اختصاص آخر لأي محكمة دولية، م (17) من النظام الأساسي. وطالما أن الجمهورية اللبنانية دولة مستقلة ولها سلطة قضائية مستقلة، وإن الموالاة لها الأكثرية في مجلس النواب اللبناني، فلماذا تقصّر الدولة اللبنانية وجهازها القضائي بالتحقيق في جريمة اغتيال الحريري؟؟. إذا كانت الحكومة اللبنانية عاجزة عن إيجاد تعليل مناسب لهذا التقصير، فإن التعليل الوحيد بأن التقصير في التحقيق للوصول إلى من قتل الحريري، إما أن يكون مقصوداً من الحكومة اللبنانية للتغطية على الفاعل الأصلي أو أن يكون لغايات التدخل الأجنبي وعلى وجه الخصوص التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية اللبنانية. يشير البعض إلى أن قرار مجلس الأمن رقم ( 1595) بتاريخ 7/4/2005 كان بالإجماع على تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة بسبب " أن عملية التحقيق اللبنانية تشوبها عيوب جسيمة وأنها تفتقر للقدرة والالتزام الضروريين للتوصل إلى نتيجة مرضية وذات صدقيه ". إن الدول التي تباشر التحقيق بشكل صوري هي الدول التي ترغب بحماية مجرمي الحرب في قواتها المسلحة الذين اقترفوا جرائم يفترض أن يعاقبوا عليها، وهذه الحالة لا تنطبق على لبنان، وإن كافة الأطراف بلبنان يحاولون نزع فتيل الأزمة باكتشاف قتلة الحريري وطالما أن الدولة اللبنانية وكما تدعي جادة بالوصول إلى الحقيقة وباشرت التحقيق وقد تكون توصلت إلى الحقيقة، ولم تبين أسباب توقفها عن الإستمرار. فإذا كانت عاجزة، فما هي مبررات هذا العجز؟ خاصة وأن قرار مجلس الأمن الذي صدر في 30 أيار / مايو 2007 بموافقة إيطاليا، بلجيكا، بنما، بيرو، سلوفاكيا، غانا، فرنسا، الكنغو، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن ما هي نتيجة قرار مجلس الأمن المتعلق بتشكيل المحكمة الدولية الخاصة؟ فهل كانت النتيجة هي وقف التهديد؟ أم إنقسام لبنان إلى مؤيد ومعارض لقرار مجلس الأمن؟ وإنقسام العرب عربين، بين مؤيد ومعارض أيضاً؟ أم إثارة النعرات الطائفية داخل لبنان وخارجه؟ وإثارة الفرقة بين الأهل في لبنان؟. حتى أن مقتل شخص أو اثنين نتيجة ثأر عشائري قبل أسابيع وضع لبنان على كف عفريت مما إضطر الجيش اللبناني لاتخاذ مواقعه على زاوية في كل شارع في بيروت والمدن الرئيسية، وتم تعطيل المدارس والمؤسسات لحين هدوء الوضع وإحالة الأمر للقضاء وتهدئة النفوس. إن تدخل مجلس الأمن وإثارة موضوع المحكمة الدولية الخاصة كلما عم الهدوء في لبنان ليس تدبيراً لوقف تهديد السلم في لبنان، بل هو الشرارة أو الشعلة التي تهدد بإحراق سلم لبنان وتقترب هذه الشعلة كلما ساد الهدوء لبنان، وكأن لبنان على برميل بارود. إذن النتيجة التي توصل إليها مجلس الأمن هي ازدياد الخطورة الأمنية واحتمال اشتعال نار الحرب الطائفية بين مؤيد ومعارض، وهذا القرار الذي صدر عن مجلس الأمن وتحفظت عليه خمس دول منها دول عظمى مثل " الصين " التي لم تصوت على القرار وأوضح مندوبها الموقف السياسي الصيني، وبين أن صدور مثل هذا القرار سيزيد الفرقة والاضطراب بالمنطقة. لذلك، فإن ما ورد بالمواد ( 39) ودلالة المادتين ( 41، 42 ) من الميثاق فإن قصد الجمعية العامة للأمم المتحدة كان حفظ السلم العالمي بالحدود التي تم رسمها بالمواد ( 41، 42 ) وإتخاذ تدابير تتعلق بذلك إذا توفر أي شرط من شروط المادة ( 39). وحيث أن شروط المادة ( 39) غير متوفر وإن التدابير التي إتخذها مجلس الأمن تخرج عن حدود المادتين ( 41، 42 ) إذن فمن أين تنطح مجلس الأمن لموضوع المحكمة الدولية الخاصة؟ وهل هذا من صلاحياته سواءً كانت هذه المحكمة أم المحاكم الأخرى التي تم تشكيلها بناءً على قرار مجلس الأمن؟؟. لقد ورد بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة ( 13) منه إذا أحال مجلس الأمن متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حالة إلى المدعي العام يبدوا فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت. إن هذا النص الوارد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وبمقارنة ما أصدره مجلس الأمن من قرارات مخالفة لنصوص المواد ( 41، 42 ) من ميثاق الأمم المتحدة التي حددت الإجراءات حسبما ورد بالمواد المذكورة ولا يجوز التوسع بها إلا أن ما جرت عليه العادة أو العرف الدولي عندما خالف مجلس الأمن نصوص الميثاق بتشكيل محاكم دولية لم تكن هذه المحاكم تتعلق باغتيال شخص معين بل كانت تتعلق بحياة عشرات الآلاف من بني البشر، لذلك كان القرار المتعلق بيوغسلافيا السابقة ورواندا ولم ينزل مجلس الأمن إلى مستوى تدخله في حياة شخص واحد، ويتدخل بصلاحيات مدعي عام غرب بيروت. لذلك – وبالفرض الساقط بأن من حق مجلس الأمن تشكيل محكمة خاصة – فيجب أن يكون موضوع المحكمة الخاصة بمستوى ما صدر من قرارات سابقة كما ذكرنا أعلاه، وإن تدخل مجلس الأمن بحياة فرد معين يعد سابقة خطيرة ويخرج مجلس الأمن عن اختصاصاته ليتحول إلى مدعي عام يبحث في جرائم الأشخاص ومسائل ليست دولية، بل تحكمها القوانين الوطنية، وبالتالي يتدخل بكل صغيرة وكبيرة في أي دولة حتى وإن كان الموضوع جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات، وبالتالي يأخذ دور مدعي عام وطني ويتدخل بالتشريع الوطني لأي دولة بالعالم بحيث يضع العقوبات التي يراها لأي فعل جرمي وطني بأي دولة من دول العالم. أي أن مجلس الأمن أخذ يمارس إختصاصات قانونية ليست من شأنه – وبفرض أن هذه الإختصاصات من إختصاص هيئة الأمم – فإنها تكون من إختصاص اللجنة السادسة وهي اللجنة القانونية وليس من إختصاص مجلس الأمن، لأن اللجنة القانونية هي الأقرب للتشريع والقضاء. وطالما أن هناك مخالفة لميثاق الأمم المتحدة بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة ولم يتم تغطية هذه المخالفة لا من حيث الإختصاص أو القانون فصدرت عن جهة لا تملك الصلاحيات التشريعية أو القضائية ( مجلس الأمن ). فإن الذي يحترم القانون ويفهمه لا يؤيد تدخل الإدارة الأمريكية التي تتغول على الدول العظمى والتي فقدت سيادتها عندما دارت بالفلك الأمريكي وأصبحت تابعة لها، ولقد أصبح واضحاً تماماً بأن القرارات المتعلقة بالمحاكم الدولية الخاصة ليست لتطبيق القانون وملاحقة مجرمي الحرب الواجب ملاحقتهم فعلاً، ومن أوائل هؤلاء الإدارة الأمريكية وقادتها وكل عسكري قام بالقتل والنهب والإغتصاب... إلخ. لذلك فإن موضوع المحكمة الدولية الخاصة موضوع سياسي لفرض مزيد من التدخل بالشؤون السورية واللبنانية، وفرض تشريعات آخرى من مجلس الأمن لإيقاع عقوبات مغايره للقانون العقوبات اللبناني وإلغاء السلطة القضائية اللبنانية أيضاً بفرض مجموعة من القضاة ومدعي عام أو أكثر يتم إختياره من مجلس الأمن، أي بعبارة آخرى تعطيل السلطة التشريعية والقضائية اللبنانية وإحتواء السلطة التنفيذية. وبالنتيجة فإذا تعطلت هذه السلطات لن يبقى من سيادة لبنان شيئاً، فهل مقتل الحريري يساوي ذلك؟؟!!.
|
||
|
|
|
حورات |