تتزاحم الأحداث ككرة الثلج التي تتقدم وفق منطقها الخاص الخاضع غالبا لإرادة و مصالح الأطراف الأعظم قوة  الأكثر طغيانا التي تتلاعب بعالمنا في ظل تغييب شعوبنا عن أي قدرة أو حتى أي حق و لو نظريا في رسم مصائرها..تجاوز عريقات المحظور كما هو متوقع في مؤتمراته الصحفية الأخيرة فتحول الاحتلال إلى طرف حيادي في أسوأ الاحتمالات و أصبح "المجرم" هو الأخ و أصبح هذا الأخ هو المسؤول عن الجوع و الحصار

عن هذه الحالة المزرية الذي يعيشها الشارع الفلسطيني بل و تسمعه يصرح باللجوء إلى "القانون الدولي" الذي لم يستطع أن يحمي أي فلسطيني من عرفات إلى الشيخ ياسين و الشهيد أبو علي مصطفى إلى محمد الدرة و الآلاف من الفلسطينيين المجهولين الذين يموتون يوميا بل و لا حتى راشيل كوري ناشطة السلام الأمريكية التي داستها البلدوزورات الإسرائيلية أو أن يمنع أو يوقف جدار الفصل أو أن يفرض على إسرائيل التوقف مجرد التوقف عن قتل الفلسطينيين أو اغتصاب أراضيهم أو حتى أبسط حقوقهم...هكذا فجأة يصبح القانون الدولي "المرجعية" لمحاكمة الشقيق الذي أصبح اليوم هو المجرم المسؤول عن كل مصائب الشعب الفلسطيني و تصبح عدالة رايس و أولمرت هي المرجعية للعدالة من جهة و هي القوة التي يخوف بها قادة حماس حتى يعيدوا ما "اغتصبوه" إلى "أصحابه"..هناك شرعية على الأرض تفسر في غزة بشرعية القوة التنفيذية و كتائب القسام!! و في الضفة بشرعية كتائب شهداء الأقصى!! و في كل مكان تمارس الشرعية ضد الآخر بدرجات متفاوتة من الوقاحة و الهمجية و الدموية رغم أن السيدين هنية و فياض يتحدثان عن الشرعية و ضبط الفلتان الأمني..البيروقراطية الحاكمة في رام الله تستخدم ذات الخطاب الإعلامي العربي الرسمي الذي يستدعي عبارات كال"تكفيريين" و "الانقلابيين" ضد خصومهم هذا الخطاب الفرداني الذي يتحدث عن حالة واحدة كل ما يتجاوزها "انقلاب" و "كفر"..النظام العربي الرسمي يمارس كعادته حالة العين العوراء فهو أساسا لا يرى إلا واجبات الناس أي مواطنيه تجاه ولاة الأمر و أهمها السمع و الطاعة و لو ولي علينا أمثال هؤلاء و يغض الطرف أو يغلق عينيه و أذنيه عن أي حقوق "مزعومة" لهذه الرعية و هو يرى إيران و ينسى إسرائيل أو يتناسى , هذا النظام يريد اليوم أن يجتمع بالإسرائيليين "لحماية غزة" عبر إقناع جنرالات تل أبيب بعدم الحاجة لاجتياح قطاع غزة و هو يشتم و يستنكر بل و يستدعي التدخل الأمريكي ضد الأجندة الإيرانية "الخطيرة" ربما في مقدمة للعاصفة المرتقبة تماما كما حدث منذ 40 عاما..و على هامش الأحداث يبقى أولئك الذين خلفتهم موجة الصعود القومي على عروش بلادنا ينتظرون أن تبعد هذه الأحداث خطر التغيير عن عروشهم أو تمهد لصفقة توفر لهم الأمان و الطمأنينة على هذه العروش بغض النظر عمن سيحكم في غزة أو رام الله أو حتى القدس..يستطيع النظام العربي الرسمي أن يتصرف بعنترية ضد حماس فهو يتحرك بحرية  تحت المظلة الأمريكية لكن من يريد أن يفعل في الأحداث إلى جانب الطرف "المقاوم" عليه أن يكون قويا راغبا و قادرا على أن يتحدى المشيئة الأمريكية لكن من يدعي هذا اليوم هو أيضا لا يرغب في مواجهة المشيئة الأمريكية إنه يمارس لعبة التملص من القبضة الأمريكية بعدما همش مجتمعه و دمر قدرات شعبه على الفعل أو المقاومة و بالضرورة على فرض أي تغيير يطال فساده و استبداده..كثرت الوعود للناس في الفترة الأخيرة البعض وعدهم بالحرية و الديمقراطية و الرفاه و جعل لهذا كله عنوانا واحدا هو واشنطن و البعض وعدهم بالكرامة و استعادة الأوطان و خيراتها إلى أصحابها و بنهاية استبداد و عسف السلطة الدنيوية لكن كل هذه الوعود انتهت إلى الحالة التي نشاهدها اليوم في غزة و رام الله وصولا إلى بغداد و دمشق و بيروت..لم يبق للناس حتى كسرة الخبز ناهيك عن الكرامة أو أي حق بشري آخر في مواجهة حملة البنادق و في مواجهة عدالة بوش و أولمرت..لا يبق للناس سوى الصبر و قد قال أجدادنا منذ مئات بل آلاف السنين أن الصبر مفتاح الفرج

 

   كاتب سوري