|
حورات |
|
|
|
|
|
انتحار الحكمة السياسية في غزة (*) - الدكتور عبدالله تركماني |
|
|
2007-06-22 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
" هل كان علينا أن نسقط من عُلُوٍّ شاهق، ونرى دمنا على أيدينا... لندرك أننا لسنا ملائكة .. كما كنا نظن ؟ وهل كان علينا أيضا أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء ؟ " محمود درويش
إنّ ما شاهدناه على أرض غزة لم يكن مجرد صراع، بل تحول إلى وحشية وهمجية كاملة. ثم أنّ الانقلاب الذي وقع سدد ضربة قاتلة للشرعية الفلسطينية الواحدة والموحدة، فضلا عن مؤسساتها وخطابها الواحد مع العالم. فإذا كان الستار يُسدل الآن على فلسطين القضية، التي اعتبرها المجتمع الدولي في معظمه من أهم قضايا التحرر الوطني، فلكي تظهر حالة فلسطينية لم تكتمل معالمها بعد، بانتظار ما سيفعله في بعضهم البعض من كانوا لسان حال هذه القضية. وفي هذا الفصل، ستكون قضية التحرر الوطني تاريخا بمقدار ما حدث من تغيير في تكوين واتجاهات وأهداف القوى، التي شكلت في مجموعها حركة التحرر الوطني التي حملت لواء تلك القضية. ولا يعود ذلك إلى انقسام عميق نتج عن دخول الإسلام السياسي الفلسطيني على خط القضية بقوة منذ العقد الماضي، والشيخوخة التي دبت في القوى التي عملت في إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الواقع، منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية لم تفعل " حماس " إلا وضع السلطة الوطنية الفلسطينية في موقع الاتهام، في إدارتها الصراع مع إسرائيل وفي علاقاتها العربية والدولية، وقضم كل ما يمكن قضمه من هذه السلطة لمصلحتها الحزبية. مما عطّل القضية الفلسطينية، كقضية حرية واستقلال لشعب تحت الاحتلال، إذ لن تقوم دولة في المدى المنظور، بل سيكون هناك تجمع منفصل للفلسطينيين في غزة وآخر في الضفة الغربية، وكلاهما تحت الاحتلال، أو وصاية عربية/ دولية. ومن المؤكد أنّ رئيس إسرائيل الجديد شمعون بيريز سيشجع الإدارة الأمريكية على قبول الأمر الواقع، لأنه هو صاحب نظرية " إقامة دولة فلسطينية في غزة ". وقد وصفها بأنها قنبلة بشرية مؤقتة سوف تنفجر في المستقبل بسبب ضيق مساحتها على كثرة سكانها. إنّ الخطر القاتل يكمن في أن نشوء مثل هذا الوضع قد يؤسس لانشطار جغرافي، ينطوي على مضاعفات مدمرة للقضية الفلسطينية ذاتها ولكل ما ترمز إليه من وحدة شعب وحقوق ومصير، خاصة بعد وجود حكومتي " أمر واقع ". إنّ قادة " حماس " يعلمون تمام العلم أنهم لن يستطيعوا تحقيق أهدافهم المعلنة، من تحرير للأرض وأمن للمجتمع، فهم مرفوضون إسرائيليا وإقليميا ودوليا، وبذلك فإنّ وصولهم إلى سلطة " إمارة غزة " سوف يزيد من معاناة الشعب الفلسطيني، ولن يكون طوق نجاة له. إلا إذا كانوا يتوهمون أنّ الأمر يمكن أن يكون ورقة مساومة، سواء مع إسرائيل والإدارة الأمريكية، أو العالم العربي، للاعتراف بهم. أو يعتقدون بإمكانية فرض شروطهم خلال تفاوض مستقبلي حول حصتهم في منظمة التحرير الفلسطينية. ومن المعتقد بأنّ الإمكانية الوحيدة لبقاء حماس على رأس " إمارة غزة " هو قبولها بهدنة طويلة المدى مع إسرائيل، بما ينطوي عليه ذلك من إلغاء المقاومة، بطريقة غير مباشرة، وبقاء الأمور على حالها في الضفة الغربية. فهل هذا هو المشروع الوطني لحركة " حماس " ؟ خاصة أن وسائل الإعلام الإسرائيلية قد أشارت إلى أنّ ما جرى من شأنه أن يعيد رسم خريطة المنطقة، وأرفقت ذلك بنشر خريطة لإسرائيل تحدها شرقا دولة ترفع العلم الفلسطيني وغربا دولة ترفع علم " حماس " الأخضر. إن الحسم الأمني الذي شهدته غزة لصالح " حماس " مثقل بالسلبيات المؤذية وعلى أكثر من صعيد، إذ أنّ تاريخ المشرق العربي يُكتب اليوم من جديد، بواسطة الفلسطينيين أنفسهم الذين سبق أن كتبوا فصولا مهمة من التاريخ العربي المعاصر. وليس من المستبعد أن يقرر المجتمع الدولي نشر قوات دولية لحفظ أمن لم يستطع أصحابه أن يحققوه، أو أن ترسل الجامعة العربية قوات عسكرية لحماية الأمن المدني والاستقرار. ورغم انشغال الكثيرين بما يجري في العراق ولبنان، إلا أن ما يجري في فلسطين سيستقطب الجهود السياسية الإقليمية والدولية، وفي هذا الإطار ليس مستبعدا أن يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة لهذا الموضوع لمناقشة الخطر الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين، وليس من المستبعد اقتراح أفكار كالانتداب الدولي أو الوصاية الدولية على قطاع غزة. وربما لا يكون ثمة سبيل للنجاة من هذا المصير إلا بأن يفيق أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين ويأخذوا قضيتهم بأيديهم، ويشرعوا في انتفاضة مدنية تتجاوز الفصائل كلها، وتواجه الاحتلال في كل شارع وميدان وعند كل حاجز وتفرز قادتها الميدانيين المناضلين القادرين على استعادة الطابع الوطني التحرري لقضية فلسطين. لقد أظهر الشعب الفلسطيني، الأبي والمعطاء، الجرأة والشجاعة، حين هبّ للتظاهر في الشوارع تنديدا بحرب الأخوة/الأعداء، ومن أجل الفصل بين المتقاتلين، وتحمل في سبيل ذلك المخاطرة بحياته. إن فلسطين ليست حركة " حماس " أو حركة " فتح " أو بقية الفصائل، التي أكد الواقع بأنها جميعا مأزومة وفاشلة، وبدلا من أن تعترف بفشلها في شق طريق الخلاص للشعب تقوم بتحويل طبيعة الصراع وأطرافه فتخلق أعداء داخليين، مما يسمح لها بالحديث عن بطولات وهمية تحققها في مواجهتهم وضحايا هذه الانتصارات هم أبناء الشعب الفلسطيني وممتلكاته. لا يمكن وصف ما حدث في غزة، وظهور " إمارة حماس " الإسلامية هناك، إلا بالزلزال. ووقعه سيكون على الجميع، وليس على المواطنين الفلسطينيين وحسب. التأثير سيكون على القضية نفسها، وعلى حلم الدولة الفلسطينية، وعلى العالم العربي، دولا وشعوبا. فعوضا عن دولة فلسطينية، عدنا إلى مربع الصفر، وباتت لدينا دويلات، حيث عُزلت غزة عن الضفة الغربية.
تونس في 17/6/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 21/6/2007.
|
||
|
|
|
حورات |