ربما كان بين ابرز ملامح الحياة العربية اليوم تعميم ظاهرة الفلتان الامني. فالعرب اليوم يعيشون في ظل فلتان امني ليس له سابق، وهذا ما يمكن ان توصف به الحال بصورة ظاهرة في العراق ولبنان وفلسطين ولا سيما غزة، وكذلك الحال في اليمن والسودان والصومال، والجزائر، فيما يسود الفلتان الامني المقنع في اغلب البلدان العربية الاخرى.

والتعبير المعلن لحالة الفلتان الامني، هو افتقاد المواطن حالة الامن الشخصي التي يمكن ان تؤدي الى هلاكه او اذيته، او ان تلحق الخسائر بممتلكاته وامواله، وقد يتجاوز الامر ذلك الى دمارات اجتماعية اوسع دون ان يكون هناك ما يمنع حصول ذلك كلياً او جزئياً، او ان يقوم احد ما او مؤسسة بمؤازرة من يصيبهم الفلتان بآثاره والتعويض عليهم لتجاوز اثار ما اصابهم.

والغريب في ظاهرة الفلتان الامني، انها تتم في ظل تنامي القدرات الامنية لدى السلطات العربية، والتي تجد مؤشراتها في تعدد وتنوع الاجهزة الامنية وتزايدها، لتشمل اجهزة الشرطة باقسامها، ثم اجهزة المخابرات المتعددة التخصصات من امن جنائي الى امن سياسي وامن عسكري، ثم امن الدولة، وغالباً ما يضاف الى ذلك وحدات عالية التخصص من القوات المسلحة تعطى اسماء خاصة ومهام امنية منها امن الرئاسة او الحرس الجمهوري او غير ذلك من تسميات، تستمد من واقع البلد العربي المعني.

واستدعى واقع التوسع الامني العربي في العدد والتخصص توسعاً في التسلح، وهو امر لا يتصل بكميات الاسلحة المتزايدة فقط، وانما بنوعياتها ايضاً. وتقديراً فإن الاجهزة الامنية تملك اسلحة من نوعيات مختلفة، تتجاوز عدد العاملين فيها، وقد تقارب عدد سكان الدولة التي تتبعها، ويضاف الى ذلك، امتلاك الاجهزة الامنية لمعدات وتجهيزات مختلفة، تعمل في البر والبحر والجو، اضافة لامتلاكها قدرات مادية وتقنية وخبرات عالية المستوى في وقت يمكن لهذه الاجهزة الاستعانة بما لدى الجيش من قدرات وتجهيرات ومعدات واسلحة عندما تقتضي الحاجة.

ويتناقض واقع الاجهزة الامنية وما صارت اليه في العدد والتجهيزات وغيرها مع وجود ظاهرة الفلتان الامني، لكن هنالك ما يفسر واقع هذا التناقض، ولعل في اول ما يفسر ذلك طبيعة المهام التي توكل للاجهزة الامنية، واساسها الحفاظ على النظام ورموز النظام، فيما يفترض ان المهمة الاساسية للاجهزة هي الحفاظ على امن البلد وامن مواطنيها، وهو ما يتضمن الحفاظ على النظام ورجال النظام، وهي مهمة قد ينخفض سقفها لتصبح الحفاظ على اشخاص محددين ممن ليسوا مركزيين في النظام القائم.

والامر الثاني الذي يفسر ظاهرة الفلتان الامني يظهر في الفصل التعسفي بين مهام الاجهزة الامنية، بحيث لا تجتمع الاجهزة في اطار استراتيجية الامن القومي وانما في اطار الحفاظ على النظام ورموزه، وغالباً ما يؤدي هذا الفصل الى تمايزات وتوترات بين الاجهزة الامنية وقياداتها من جهة وفي داخلها من جهة ثانية، ما يؤثر في الحالتين على ادائها وموقعها في اطار النظام الامني العام.

وينطبق الواقع السابق على اغلب البلدان العربية، ما يؤدي الى اضعاف دور الاجهزة الامنية في الحفاظ على امن المواطنين وممتلكاتهم، الامر الذي لا يتبدى في بطء التعامل مع ما يتصل بامور المواطنين واحتياجاتهم فقط، انما باهمالها ايضاً، وفي ادخال ذلك السلوك في سلسلة متشابكة من الفساد والرشى والمصالح، والتي تجد صداها وصلاتها داخل الجهاز القضائي وفي مصالح السجون والمعتقلات، ما يكمل حلقات الفلتان الامني المؤدي الى انتهاك حقوق وكرامة المواطنين والاخلال بامنهم والحاق الخسائر بمصالحهم وممتلكاتهم.

وثمة امر ثالث في توسيع ظاهرة الفلتان الامني، وهو وجود تنظيمات مسلحة خارج السيطرة الحكومية دون ان يعني ذلك تناقضها مع النظام، لكنه لا يمنع من تصادمها مع بعض اجهزته، او التصادم مع تنظيمات اخرى على شاكلتها.

والامر الرابع في ظاهرة الفلتان الامني، انه قد يكون نتيجة تدخلات اقليمية ودولية، تتجاوز واقع البلد المعني ومؤسساته واجهزته الامنية، وقد تزايدت هذه التدخلات في الواقع العربي بطريقة سرطانية في الاعوام الاخيرة، وتجاوزت دور الاجهزة الامنية الى ما تقوم به جماعات ارهابية واخرى تنتمي الى عصابات الجريمة المنظمة، وقد تكرر حضور التدخلات الخارجية في أكثر من بلد عربي.

لقد ترتبت على الفلتان الامني في الواقع العربي خسارات كبيرة، وهي آخذة بالتزايد، واولى الخسارات ما يلحق بالعرب من عمليات قتل تصل حد الابادة كما يحصل في العراق والصومال، وفي فلسطين واليمن، حيث يقتل العشرات والمئات، وتدمر أو تتضرر ممتلكات، ويحدث اقل من ذلك في البلدان العربية الاخرى، لكن الاهم من الخسارات، هو خسارات سياسية وحضارية، تضرب البلدان والمجتمعات العربية، فتجعلها بلداناً تفتقد الامن والامان، وتضع النظام الامني والسياسي في دائرة المسؤولية عما يحدث، وفي بعض الحالات يوفر الفلتان الامني بيئة مناسبة لتصاعد الارهاب الذي باتت اغلب البلدان العربية تشكو منه، وتعاني من نتائجه، كما يؤثر الفلتان الامني في إضعاف الارث الحضاري للبلدان العربية، التي غالباً ما كانت بلداناً للتعايش والتسامح والاندماج بين العناصر المختلفة في الانتماءات الاثنية والدينية والمذهبية والفكرية.

ان ما كان قبل الفلتان الامني هو غيره بعده. تلك هي الحقيقة، التي يمكن استخلاصها من الواقع العربي الراهن واحتمالاته المقبلة.

([) كاتب سوري