على
أبواب الانتخابات الرئاسية والتشريعية والصراع
المحتدم، خاصة المخفي منه، بين المؤسسة العسكرية
وحزب " العدالة والتنمية "،
يستفزنا
المشهد التركي
للعودة إلى أصول هذا الصراع.
إنّ
الفهم التاريخي للتطور التركي يؤكد أنّ
الأتاتوركية،
في وجه من وجوهها، وليدة الدولة العثمانية
منذ بداية عصر التنظيمات في
العام 1839،
ثم إعلان أول دستور
في العام 1876،
مرورا بتكوين جمعية
"
الاتحاد والترقي
"
التي أجبرت السلطان عبد الحميد على
إعادة العمل بالدستور
في العام
1908،
ثم الحرب التحريرية التي قادها كمال أتاتورك،
انطلاقا من فضاء الدولة الوطنية،
كزعيم محرر للأرض التركية.
إذ
نالت تركيا استقلالها في 29 أكتوبر/تشرين
الأول
1923 بتأييد الحلفاء،
على أن تتخلى عن فكرة الخلافة الإسلامية، وتضع
وتطبق قوانين مدنية صرفة.
لقد
باشر مصطفى أتاتورك سياسة التغريب في تركيا، وكتب
لغتها بالحروف اللاتينية، وخفّض
أعداد المساجد، ومنع التعليم الديني، وأصر ومعه
المؤسسة العسكرية التركية بأجيالها المتتابعة على
التمسك بالعلمانية التي نص عليها الدستور صراحة.
إنّ
العلمانية التركية السائدة تستمد جذورها من سياسات
النظام العسكري، الذي
أقامه
كمال
أتاتورك،
حيث مثلت هذه السياسات محاولة للحفاظ على وجود
الدولة التركية، والعمل من
أجل
وضعها على النسق نفسه الذي كانت عليه الدول الأوروبية
المنتصرة في الحرب،
غير
أنّ
هذه العلمانية ركزت على المظاهر
أكثر
من تركيزها على المضامين.
ويدخل ضمن هذه التقاليد العلمانية المنغلقة
إسناد
مهمة استثنائية للجيش التركي كحارس للنظام
العلماني، تمتد لتشمل التحكم بالنظام السياسي،
على الرغم من التحولات التي شهدتها تركيا والتي
أوصلتها
إلى
اعتماد النظام البرلماني والتعددية الحزبية وإجراء
الانتخابات كمصدر للشرعية.
وفي ظل هذه المعطيات السياسية فشلت تركيا حتى الآن
في مغادرة ارثها الديكتاتوري بالكامل،
وتعطلت مساعيها من
أجل
الانضمام
إلى
الاتحاد الأوروبي.
وتتحمل الأحزاب
العلمانية التركية،
بحرصها على التمسك بموروثات
أتاتورك،
مسؤولية
منع تركيا من
إنضاج
تجربتها الديمقراطية، علاوة على
أنّ
الدور السياسي المسنود
إلى
الجيش وضع الحياة السياسية تحت سيطرته كحارس
للنظام،
مما
قاد تركيا
إلى
التخبط في معمعة الأزمات
السياسية والاقتصادية،
ورهنها للاحتقانات الاجتماعية الخطيرة،
الأمر
الذي حال دون
أن
يأخذ مسار تطورها خطا مستقيما حتى النهاية،
حين
ترسخ في ذهن المواطن أنّ " العسكريتاريا " من صلب
العلمانية، وحين ساد في المجتمع ما يُعرف بـ "
ثقافة الثكنة " حيث القائد العام للجيش في مقام
الرئيس السري للبلاد، أوامره بمثابة تعاليم مقدسة.
لقد
بات من الثابت أنّ
الديمقراطية التركية كانت،
وما تزال،
حالة خاصة تماما في واحد من أكبر وأعقد وأصعب
ملفات أي نظام ديمقراطي، أي ملف تنظيم العلاقة بين
المدنيين والعسكر.
فقد
قام الجيش بانقلاب في
العام
1960،
وقام بانقلاب
آخر
في
العام
1971،
وفي عام 1980 قام الجيش بالانقلاب الثالث،
ومنذ
تسعينيات
القرن الماضي
تغير
أسلوب
الجيش،
حيث تخلى عن الانقلابات
العسكرية، إرضاء
للاتحاد الأوروبى
الذي تسعى تركيا للانضمام
إليه،
واتّبع
أسلوب
تضييق الخناق على الأحزاب
الإسلامية
وحظرها وحبس زعمائها بجانب تجفيف منابع هذه
التيارات.
والحال
فإنّ
العديد من الأسباب التاريخية والاجتماعية
والبنيوية هي التي تقف
– اليوم -
وراء إصرار الجيش
على
وضع سلطاته فوق المجتمع والدستور واللعبة
الديمقراطية،
وأهمّ
هذه الأسباب أنّ
الكمالية، التي أسسها مصطفي كمال أتاتورك
كإيديولوجية رسمية لتركيا، تسند إلى
العسكر مهمة الضامن شبه الوحيد
للعلمانية.
ورغم أنّ
الكمالية تحظى
بشبه
إجماع شعبي، فإنّ
المؤسسة
العسكرية هي وحدها التي حوّلت المبادئ
الكمالية،
بصدد العلمانية والأمّة ـ الدولة والديمقراطية،
إلى
قواعد سلوك عليا تسمح بتجاوز المجتمع وخرق
الدستور.
ويبقى
سؤال محدد مفاده: لماذا هذا التقهقر في مسار
التجدد الديموقراطي في دولة تُعرف بسبقها في ميدان
العلمانية والإصلاحات
الدستورية
؟
الأرجح أنّ
نقطتي ضعف أساسيتين
اعترتا
ديموقراطية تركيا
وأصابتا
كل جهودها نحو التجدد والتحديث بنكسات مدمرة:
أولاهما،
الدور الرئيسي والحاسم الذي لعبته
مؤسسة الجيش في المفاصل الأساسية
من الحياة السياسية،
وهذا ما يمنع
تركيا
من الاعتماد
على
عقلها السياسي البراغماتي،
الذي تجلى بوضوح لدى قادة حزب " العدالة والتنمية
"،
في حل مشكلاتها، واللجوء بدل ذلك
إلى
الاعتماد
على
المؤسسة العسكرية.
وثانيتهما،
أولوية المصالح الأمنية لدى
تركيا على
مصالحها السياسية والاقتصادية في علاقاتها
ومواقفها الداخلية والإقليمية والدولية.
وإزاء
الصراع الحالي
لاشك
أنّ
قادة
حزب
" العدالة والتنمية "
سوف يحرصون
على عدم الاصطدام بالجيش، ولكن هل سيحافظ الحزب
على شعبيته
إذا
التزم التزاما دقيقا بعلمانية
أتاتورك
ليأمن شر العسكر
؟
تونس في
10/6/2007
الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث
سوري مقيم في تونس
(*)
– نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية –
16/6/2007.