فريد الغادري أحد السوريين الذين يعيشون في الولايات المتحدة‏،‏ ويتم تعريفه بمعارض سوري لنظام الرئيس بشار الأسد‏،‏ لا يظهر اسمه كثيرا في وسائل الإعلام‏،‏ ولا يمثل الكثير بالنسبة للمواطنين السوريين الشرفاء أو للمعارضين في الداخل الذين يناضلون بشرف ويدفعون الثمن غاليا عن طيب خاطر وعن قناعة وعن إيمان بقيمة الوطن والدفاع عنه‏.‏ فالرجل يعيش بعيدا‏,‏ ينتقد النظام بين الحين والآخر عبر وسائل الاعلام الأمريكية‏,‏ وتحتفي به بعض الدوائر الأمريكية بين فترة وأخرى حين يكون مطلوبا بدء حملة إعلامية وسياسية ضد سورية للضغط عليها لسبب أو لآخر‏.‏

وفي السنوات القليلة الماضية عرف عنه دعوته الإدارة الأميركية لمحاسبة النظام السوري وللتدخل في بلاده من اجل تغييرها وإقامة نظام سياسي جديد فيها مسترشدا بذلك بما جرى في العراق‏,‏ وعرف عنه أيضا مشاركته في الأنشطة السياسية والدعائية التي تنظمها الإدارة الأميركية تحت مسمى بناء تحالف للمعارضة السورية يمكن الاعتماد عليه للقيام بأعمال سرية داخل سورية تمهيدا لتغيير شامل فيها لاحقا‏.‏

 

وبالأمس فقط ظهر الغادري في بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية‏,‏ وهذه المرة بسبب زيارته للكنيست الإسرائيلي بدعوة من لجنة الأمن والخارجية التي يسيطر عليها نواب يمينيون معروف عنهم كراهيتهم الشديدة لكل ما هو عربي‏,‏ وتمسكهم دائما باستمرار احتلال الاراضي العربية التي ما زالت تئن بهذا الاحتلال البغيض منذ أربعة عقود وفي مقدمتها هضبة الجولان ذات الطبيعة الاستراتيجية‏.‏ وفي لقائه مع رموز اليمين الإسرائيلي دعا الرجل إلى عدم إعادة هضبة الجولان لبلاده‏,‏ ومفضلا أن تكون تحت سطوة الاحتلال من أن تعود إلى أحضان الوطن الأم سورية‏,‏ لان ذلك من وجهة نظره سيقوي من وضعية الرئيس بشار الأسد‏,‏ وسيبعد سورية عن الديمقراطية وعن التغيير إلى الأفضل حسب زعمه‏.‏ وهو ما وجد ترحيبا من اليمين الإسرائيلي‏,‏ وفي الآن نفسه انتقادا من قبل أعضاء الكنيست العرب‏,‏ الذين وصفوا الغادري بالغدر والخيانة وتمجيد الاحتلال لبلاده‏.‏

 

هذه الواقعة تحمل الكثير من المعاني‏,‏ ويمكن النظر إليها من عدة زوايا‏,‏ لكل منها مضمونه الخاص‏.‏ فهناك أولا الزاوية الخاصة بالصراع السياسي في إسرائيل حول فكرة التفاوض مع سورياة,‏ وهي الفكرة التي تظهر وتخبو حسب الظروف‏.‏ وفي أخر عروض أولمرت لسورية بشأن التفاوض معها تلك المقايضة بين إعادة الجولان لسورية وبين أن تعيد النظر جذريا في علاقتها بكل من إيران وحزب الله اللبناني‏.‏ وهو عرض غامض وخبيث في الآن نفسه‏,‏ يهدف أولا وأخيرا لجذب سورية بعيدا عن أهم تحالفاتها الاستراتيجية من دون أن يكون هناك أي ضمان حقيقي بأن تعيد إسرائيل الجولان بالفعل إلى السيادة السورية‏,‏ أو أن تكون هناك مفاوضات جادة في مدى زمني معقول يترتب عليها حقائق جديدة مرضية لسورية وللأمن الإقليمي في المشرق العربي‏.‏

 

وبالرغم مما في عرض أولمرت من غموض وعدم قابلية للتحقق‏,‏ فإن مبدأ المفاوضات السورية الإسرائيلية وما يترتب عليها من تسويات تاريخية ليس محسوما بعد بين الإسرائيليين أنفسهم‏,‏ وهنا يقود اليمين الإسرائيلي بزعامة نتنياهو رئيس الليكود الحالم بالعودة مرة أخرى رئيسا للوزراء يقود حملة مضادة لفكرة التفاوض مع سورية أساسا ويرفض قطعا اي حديث عن التخلي عن الجولان التي يراها أرضا إسرائيلية لن يتم التفريط فيها تحت أي سبب كان‏.‏ ومعروف أن اليمين الإسرائيلي يجد في ذلك دعما غير مباشر من الإدارة الأميركية التي ترى أن سورية لم تقم بما ينبغي القيام به سواء في العراق أو في القضية الفلسطينية أو في الابتعاد تماما عن إيران‏,‏ كما أنها لم تتوقف عن إرباك الساحة اللبنانية وترفض التجاوب مع المحكمة الدولية بشأن محاكمة قتلة رفيق الحريري‏,‏ ومن ثم ليست هناك أية مبررات لتقديم بعض المكافآت لدمشق‏,‏ وفي مقدمتها السماح بمفاوضات سورية إسرائيلية قد تقود إلى حسم قضية الجولان لاحقا‏,‏ ولكنها ستعمل حتما على تخفيف الضغوط عليها‏,‏ وإظهار سورية كرقم مهم في معادلات الشرق الأوسط‏,‏ وهو أمر مرفوض تماما أميركيا‏.‏

 

في ظل هذا الانقسام‏,‏ الاسرائيلي وتناغم موقف اليمين مع موقف إدارة بوش يصبح مفهوما أن تقوم الأوساط الأميركية الرافضة التعامل مع سورية والساعية إلى عزلها إقليميا بالتنسيق مع اليمين الإسرائيلي من أجل تجميد أي نوع من الاتصالات ذات القيمة السياسية أو الاستراتيجية مع دمشق‏.‏ كما يصبح مفهوما أيضا أن تستخدم في هذا التنسيق نفس المقولات المعتادة التي ترى أن شمولية النظام السوري وعدم انفتاحه سياسيا على القوى المعارضة يتعارض مع الاستراتيجية الأميركية في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط‏,‏ لكن غير المفهوم وغير المقبول أن يصبح أحد السوريين المعارضين للنظام وسيلة وأداة رخيصة للمساهمة في عملية منهجية لاستمرار الاحتلال لجزء عزيز من ارض الوطن‏,‏ تحت حجج واهية ولا معنى لها‏,‏ من قبيل أن عودة الجولان لسورية في ظل رئاسة بشار الاسد ستؤدي إلى تقوية شمولية النظام وتنمره ضد المعارضة‏,‏ وان بقاء الجولان في قبضة إسرائيل سيحقق مصلحتها وأمنها وسيقوي المعارضة السورية‏.‏

 

هذه الحجج الواهية تدخلنا مباشرة إلى الزاوية الثانية الخاصة بتلك الإشكالية التي فرضت نفسها قبل أربع سنوات حول علاقة الضغوط الخارجية بالتغيير والإصلاح في البلاد العربية‏.‏ وهي الإشكالية التي ما زالت تفرض نفسها علينا في ضوء قيام كثير من رموز المعارضة العربية معدومة الشعبية الجماهيرية في عدة بلدان ومن بينها مصر بدعوة الولايات المتحدة لممارسة اكبر ضغوط ممكنة سياسيا واقتصاديا ودعائيا لتغيير مسار الحياة السياسية في الداخل بما يخدم المقولات الأمريكية نفسها‏,‏ بغض النظر عن قيمة هذه المقولات بالنسبة للوطن وللمجتمع‏.‏

 

وفي حالة الغادري التي بين أيدينا يمكن ملاحظة وبسهولة تامة أن بعضا من المعارضة العربية التي تعيش في الخارج على استعداد ليس فقط لاستعداء القوى الكبرى على نظام الحكم في بلادها أو دعوتها للتدخل في شؤون بلادهم‏,‏ بل أيضا لبقاء الاحتلال وتقليص السيادة الوطنية‏,‏ والأدهي من ذلك كله‏,‏ أن المقابل لكل هذه التنازلات الوطنية المريعة ليس مضمونا‏.‏

 

ففي حالة سورية تحديدا فإن بقاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان كما طالب بذلك الغادري لا يضمن تحول سورية إليى الديمقراطية التي قد يحلم بها البعض عن حق‏,‏ ولا يضمن أي نوع من التغيير السلمي ولا صعود المعارضة سواء في الداخل او في الخارج إلى سدة الحكم‏,‏ اللهم إلا إذا أعيد إنتاج المشهد العراقي نفسه‏,‏ وجاءت القوات الغازية لتطيح بالنظام وتهدم البلاد وتفرض نخبة جديدة يتم استجلابها من الخارج‏,‏ بلا شعبية او رصيد في الداخل‏,‏ وتجد لزاما عليها أن تحصر نفسها في مناطق جغرافية محصنة بعينها‏,‏ وتترك باقي مناطق الوطن تتحول إلى ساحة صراع وقتل وتخريب يومي‏.‏ وفي هذه الحالة الكارثية يصبح الوطن كله معرضا للفناء‏,‏ ويصبح الحديث عن تحرير أي من أجزائه المغتصبة شيئا من الرفاهية‏.‏

 

إن فداحة الثمن الذي يدفعه العراق بشعبه وأرضه وثرواته وحاضره ومستقبله لم تعد مسألة قابلة للنقض أو الاجتهاد‏,‏ بل هي حقيقة مكشوفة لا مراء فيها‏.‏ والمحزن للنفس أن يتم تجاهل كل هذه الخبرة المريرة المعاشة يوميا من اجل تحقيق انتصارات وهمية‏,‏ أو التشبث بوهم أن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل يمكنهما ان تساعدا اي فصيل من المعارضات العربية التي تعتاش على قضايا وطنها في الخارج من أجل العودة المظفرة إلى ارض الوطن‏.‏ وهو وهم بغيض وغير قابل للتحقيق لأن الذين يستجدون الدعم الخارجي ومن الأعداء يثبتون بذلك أن لا جذور شعبية لهم في المجتمعات التي يدعون الحديث باسمها والعمل على تحريرها‏,‏ وانهم يغامرون بمصير الوطن كله‏,‏ ولا يهمهم سوى مكاسب صغيرة لا تليق إلا بالصغار‏.