تعكس روح الدعابة مزاج شعب ما، ودرجة انفعاله بما يدور حوله على كافة الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وقد عرف العرب والمسلمون القدماء روح الدعابة والطرفة الحكمية، كغيرهم من الأمم ذوات الحضارات العريقة. وكان عدد كبير من خلفاء العرب وحكامهم الكبار يتسامحون مع المداعبين من العامة، أو من أفراد حاشيتهم إلى حد كبير. وأحياناً كانت روح الدعابة تنقذ البعض من الموت، كما هي حال تلك المرأة التي جاءت تخلص ولدها من حكم بقطع العنق أصدره معاوية بن أبي سفيان بحقه ومجموعة من رفاقه. فسألها كيف يعفو عنه وقد أقام الحد على من سبقه بالتهمة نفسها؟ فقالت أضف هذا الذنب إلى ذنوبك يوم القيامة. فأعجب معاوية بروح الدعابة السوداء لدى هذه المرأة، وبقي رأس ابنها بين كتفيه.

وتضمر روح الدعابة والأفكار الحكمية الساخرة كلما غابت مظاهر التسامح والحرية، وضاق صدر الحكام في بلد من البلدان، إلا أنها سرعان ما تتجمع في المجالس الضيقة فتتحول إلى أداة تحريض وتساهم في الاحتقان العام. لذا كان خلفاء العرب وحكامهم الأقوياء لا يقاصصون من يتعرض لهم بروح الدعابة المهذبة، وذلك بخلاف عدد من حكامنا اليوم، الذين يعاقبون على التناول العفوي المداعب لصاحب هذه السلطة أو تلك.

وأحياناً تسنّ قوانين لملاحقة من تُسول له نفسه مخاطبة بعض رموز السلطات العليا بدعابة عفوية. بينما تتسامح قلة من الحكام مع روح الدعابة الشعبية، لا بل يعمد بعضهم إلى مواجهة شعبه أحياناً مداعباً أو ساخراً من بعض ظواهر الحياة العامة، الأمر الذي يقربه من مواطنيه ويجعل الوشائج معهم أكثر ترابطاً.

وعن حكامنا المعاصرين، يروى أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كان يدرك مدى اتساع روح الدعابة بين صفوف عامة المصريين، وكان يحرص على معرفة حرارة الشارع والمزاج الشعبي السائد من خلال ما ينقل إليه من فكاهات الناس ودعاباتهم اليومية. ولعل أنور السادات كان أكثر الحكام العرب مبادرة إلى استخدام الدعابة في خطبه بغرض التأثير في نفسية العامة، التي كانت تردد ما يقول وتضيف عليه، أحياناً كثيرة، ما يدعم أو يناقض قوله.

وفي تقاليد العرب والمسلمين القدماء غالباً ما كانت تترافق الدعابة مع خلاصة حكمية، لكنها تراجعت في عصرنا إلى حد كبير، ولعل تراجعها يعكس انحساراً عاماً في حرية التعبير، وهي شكل من أشكاله كما أشرنا للتو. وعليه، من المؤسف القول إن هذه الظاهرة كانت مزدهرة عندنا في مطالع الألفية الأولى، بينما تنحصر في مطالع الألفية الثالثة ضمن حدود ضيقة، هذا إن لم يضربها التحريم. علماً بأن عصورنا القديمة لم تكن عصور حرية التعبير وتبادل الرأي بين الأنا والآخر على جاري الدعوة الراهنة العابرة للقارات.

وروح الدعابة ما كانت يوماً محرمة دينياً، وبالتالي لا شيء يبرر في التقليد الديني كل تلك الدعوات المتجهمة العبوس المنتشرة اليوم في صفوف التيارات المتشددة أو المنغلقة، التي تكبل نفسها بقيود لا حصر لها. فالانغلاق لا يتيح التعبير الحر المداعب والطريف الذي كان يميز العديد من مشاهير الدعوة الإسلامية ومهاجريها وأنصارها. ومن بين الخلفاء من أعطى رأياً صريحاً ومرحّباً في الدعابة، إذ يقول الإمام علي بن أبي طالب “من كانت به دعابة فقد برئ من الكِبر”.

أغلب الظن أن هذا الجانب في ثقافتنا ليس موثقاً بما فيه الكفاية، ولا أعرف إن كان مدروساً بما يتناسب مع أهميته من طرف دارسين مختصين، ولعل رهاننا على هذه المقالة أن تثير أهل المعرفة في هذا الموضوع فيفيدونا بآراء وأبحاث منشورة، إن وجدت، أو بنشر بعضها إن احتاج الأمر.

وبالاستناد إلى معرفة أولية بهذا الجانب من ثقافة العرب التقليدية، أغامر بإعادة نشر بعض الأمثلة التي تشير إلى ظرف العرب القدماء وطرافتهم. وقد وقعت عليها مؤخراً خلال تصفح سريع لأحد المراجع ورأيت أن تشاركني عزيزي القارئ التأمل فيها:

*
ضاع لرجل ولد فناحوا ولطموا عليه وبقوا على ذلك أياماً. وصعد أبوه إلى غرفته فرآه جالساً في زاوية من زواياها فقال يا بني أنت في الحياة؟ أما ترى ما نحن فيه؟ فقال الولد: علمت. ولكن ها هنا بيض وقد قعدت مثل الدجاجة ولن أبرح حتى تطلع الكتاكيت منها. فرجع أبوه إلى أهله وقال لقد وجدت ابني حياً ولكن لا تقطعوا اللطم عليه.

*
قال رجل (لعبد الملك بن أبحر) أشتهي أن أمرض فقال له: كل سمكاً مالحاً واشرب منكراً حلواً واقعد في الشمس، ثم استمرض الله فإن لم تمرض فأنت حمار.

*
مات أحد المجوس وكان عليه دين كثير فقال بعض غرمائه لولده: لو بعت دارك ووفيت بها دين والدك. فقال: إذا أنا بعت داري وقضيت بها عن أبي دينه فهل يدخل الجنة؟ فقالوا. لا. قال الولد: فدعه في النار وأنا في الدار.

وإذ أكتفي بهذا القدر من النماذج الطريفة، أشير الى أنني تجنبت الإشارة إلى طرائف معاصرة، لأن روح الدعابة اليوم، إن وجدت، فهي باتت مجردة غالباً على ما أعلم من لوازمها الحكمية والنقدية الفلسفية الملمح إلا في ما ندر، ما يعني أن ما أتيناه نحن العرب المعاصرين ليس بالضرورة أفضل مما أتاه أجدادنا، وأن القديم ليس بالضرورة متخلفاً لأنه ينتمي إلى زمن آخر، وإلا ما معنى أن تبنى حضارات الغرب المتقدمة على الفلسفة اليونانية القديمة؟ فهيا إلى القديم كلما وجدنا فيه ما يفيد حاضرنا ومستقبلنا، أقله في الاتعاظ والقياس.

*
نقلاً عن صحيفة "الخيلج" الإماراتية