لقد أدلى السوريون في
27/5/,2007 بأصواتهم في الاستفتاء على مرشح
الرئاسة الوحيد السيد الدكتور بشار الأسد، بعد
عشرة أيام من «الأفراح» التي شلت الدولة
ومؤسساتها، والحياة الاقتصادية والاجتماعية في
البلد، وشلتها لأسبوع آخر بعد إعلان نتائج
الاستفتاء من قبل وزير الداخلية في صبيحة يوم
الثلاثاء الواقع في 29/5/.2007 اللافت في هذا
الاستفتاء، الحشد الكبير له اعلاميا وتنظيميا
وبشريا، حتى ليخال المرء أن الشعب السوري بأسره قد
خرج للمشاركة في الاحتفالات التي لم يشهد تاريخ
الاستفتاءات في سوريا لها مثيلا، منذ نحو أربعة
عقود، وكانت مناسبة للصرف الباذخ من أموال الدولة،
بل مناسبة للسرقة أيضاً، حتى قيل أن تكاليفها
المنظورة وغير المنظورة قد تجاوزت الأربعين مليار
ليرة سورية.
لم يكن لدينا ادنى شك بأن السوريين سيبايعون
الرئيس لولاية ثانية، وهذا ما حصل فعلا، وما من شك
لدينا أيضا بأنه كان سيفوز وبأغلبية مريحة جدا لو
جرت انتخابات رئاسية تنافسية، حرة ونزيهة، بدلا من
الاستفتاء، لكن عندئذ كان التاريخ سيسجل فارقا
جوهريا، بأن نسبة 50 بالمائة زائد واحد فقط، من
منظور هذا التاريخ، لأقوى في دلالتها السياسية من
نسبة الـ97 بالمائة ونيف التي جاء بها الاستفتاء.
لقد وصلت الرسالة التي أريد توصيلها من خلال هذا
الحشد الجماهيري الكبير لانجاح الاستفتاء، غير أنه
من المشكوك فيه ان تقرأها الدوائر والأوساط
الخارجية التي تلقتها بالكيفية التي يريدها
مرسلوها، فهم على دراية كاملة بالشأن السوري. مع
ذلك فإن للجغرافيا السياسية لسوريا رمزيتها،
ولعروبية ووطنية الشعب السوري رمزيتها أيضاً، وهذه
من محمولات الرسالة التي لا يمكن تجاهلها.
وبعيدا عن الاستفتاء ونتائجه يبقى السؤال: ماذا
يريد السوريون من رئيسهم في ولايته الثانية؟
الجواب ببساطة إنها الأمنيات ذاتها التي كانوا
يأملون منه تحقيقها في ولايته الأولى، بل هي
الأمنيات ذاتها التي حلموا بتحقيقها خلال الولايات
الرئاسية الأربع لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد:
1 ـ بداية فهم يحلمون بتحسين مستوى حياتهم، الآخذ
بالتدهور من سنة إلى اخرى، وذلك من خلال زيادة
الرواتب والأجور، وتخفيض مستوى التضخم، ومراقبة
مستوى الأسعار، ومحاسبة المتلاعبين بقوت الشعب.
إنهم يحلمون أيضا بتحسين مستوى الخدمات الصحية،
ومستوى التعليم لأبنائهم، وتأمين السكن
المناسب..الخ.
إنها لأسئلة تترد: لماذا كان نصيب الفرد من الدخل
الوطني في العام 1980 اكبر مما هو عليه في العام
,2007 مع الفارق الجوهري في قوته الشرائية، ولماذا
في تركيا الجارة وصل دخل الفرد إلى اكثر من خمسة
آلاف دولار في السنة، وفي ماليزيا إلى نحو سبعة
آلاف دولار، علما ان سوريا كانت متقدمة عليهما في
العام ,1980 وان الموارد المتوفرة في سوريا هي
أفضل من مثيلتها في تركيا وماليزيا. وحتى بين
الدول العربية، للأسف، تحتل سوريا مع اليمن
والسودان المراتب الثلاث الأخيرة بين الدول
العربية من حيث نصيب الفرد من الدخل الوطني.
إن الحصيلة التراكمية لنهج السلطة التنموي منذ نحو
أربعة عقود قد وضعت سوريا في المرتبة 106 من أصل
177 دولة على سلم التنمية البشرية، كما جاء في
تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، وفي المرتبة
11 بين 16 دولة عربية شملها التقرير، وادت إلى نمو
الفقر في البلد حتى تجاوز الـ30 بالمائة من عدد
سكان القطر بحسب المصادر الوطنية الرسمية.
2 ـ السوريون لا يزالون يحلمون بالحد من مظاهر
الفساد والرشوة والتعدي على المال العام وهي مظاهر
قد أخذت أبعاداً خطيرة في السنوات الأخيرة، وأصبح
المفسدون والمرتشون أكثر جرأة وتمادياً.
إن مؤشر السيطرة على الفساد، من المؤشرات الدالة
على طبيعة الحكم ومدى رشاده، وهو مؤشر مركب من عدة
مؤشرات جزئية تتعلق بفساد الموظفين الحكوميين،
والرشاوى التي يحصلون عليها من اجل تجاوز القانون،
او تيسير المعاملات بصورة غير قانونية، وفساد
القضاء، وفساد الخدمات المدنية، وانتشار العلاقات
الشخصية والمحاباة..الخ.
وبفضل سياسة الفساد والافساد احتلت سوريا المرتبة
156 من أصل نحو 180 دولة شملها تقرير الشفافية
الدولية استنادا إلى مؤشر الفساد، وهي بين الدول
العربية تحتل المرتبة 14 من أصل 17 دولة عربية، أي
في أدنى المراتب من حيث السيطرة على الفساد، وحازت
على معدل سالب (-0.74). أما على سلم قياس مدى
انتشار الرشى المكون من عشر درجات، فإن سوريا تحتل
المرتبة .4 أي أنها من أكثر الدول التي تنتشر فيها
الرشوة.
إن الحديث عن التطوير والتحديث، وعن التنمية، لا
يستقيم مع انتشار الفساد بمختلف أشكاله، ولا مع
الرشوة، ولا مع استباحة المال العام، هذا عداك عن
التخريب العميق لمنظومة القيم الاجتماعية..الخ.
لقد خرج الفساد في سوريا عن حدود كونه ظاهرة يمكن
أن ترافق أي عمل تنموي، ليصبح أسلوباً في الإدارة
وضبط المجتمع، له مفاهيمه ومنظومته القيمية،
وأدواته، وحراسه الساهرون عليه، حسب رأي باحث
اقتصادي مهم في الشأن السوري..الخ.
3 ـ يحلم السوريون أن يروا القانون يسود في بلدهم،
وان يطبق على الجميع دون محاباة أو مراعاة لأحد،
وإن تحقيق ذلك لا يكون إلا باصلاح المؤسسة
القضائية، وتعيين قضاة مشهود لهم بالكفاءة والخبرة
والنزاهة، وتحسين طرق التقاضي، وتشكيل أجهزة خاصة،
وحكومية متخصصة في جمع الأدلة.
لا بد أيضا من إصلاح القوانين والتشريعات وتبسيطها
بحيث لا تقبل التأويل، وأن تحدد آجال معينة
للتقاضي بحسب طبيعة القضايا، وان تنفذ الأحكام بعد
أن تاخذ الدرجة القطعية. يذكر السوريون بهذه
المسائل، مع انها من بديهيات القضاء والتقاضي،
لأنهم ومن خلال التجربة، ومن خلال المعاناة،
يعلمون ان كثيرا من الحقوق تهدر، وكثيرا من الظلم
والافتراء ينتصر بسبب فساد الجهاز القضائي،
وتدخلات القوى والأجهزة والشخصيات النافذة. إن
سلامة المؤسسة القضائية تشكل اكبر ضمانة لسلامة
البلد ككل، حيث يشعر المواطنون ان حقوقهم مصانة،
ويدرك المجرمون ان لا مفر من العقاب.
إن مؤشر «سيادة القانون» من المؤشرات الأساسية
الموضوعية للحكومة، وهو يشمل جوانب متعددة منها
مثل: نزاهة القانون، وجدية التطبيق، والمراقبة
الشعبية له. لقد احتلت سوريا مرتبة متدنية جدا
استنادا إلى مؤشر «سيادة القانون» بين الدول
العربية، وحصلت على درجة سالبة (-4,0).
4 ـ يحلم السوريون أيضا بتطوير اقتصاد بلدهم،
وزيادة فرص العمل، وتحسين مداخيلهم، وهم يدركون ان
تحقيق ذلك لا يكون إلا بانجاز اصلاح اقتصادي
وإداري جذري وعميق، يساهم في خلق مناخ استثماري
مناسب، يعظم من فرص زيادة العائد، ويقلل من
المخاطر، ويخلق فرصا للعمل. لتحقيق ذلك، من ضمن
عوامل عديدة، لا بد من الحد من تدخل الدولة في
الشأن الاقتصادي، وحصره في مجال رسم السياسات
الكلية، والرقابة والمتابعة، والاستثمار في
القطاعات الاقتصادية الحيوية والاستراتيجية، وفي
تلك القطاعات التي يحجم القطاع الخاص عن الاستثمار
فيها. في ضوء ذلك لا بد من النظر في إصلاح وتوجيه
القطاع العام ليعمل وفق قوانين السوق، وتجديد
أصوله الرأسمالية، والتخلي عن مؤسساته الخاسرة، أو
تلك التي يحسن القطاع الخاص إدارتها بصورة أكثر
كفاءة. ولا بد أيضا من خلق الظروف التي تعيد الروح
الوطنية للقطاع الخاص، وتوجهه نحو القطاعات
المنتجة ..الخ
من الأهمية بمكان إصلاح الجهاز الإداري المدني
والاقتصادي، وتحديد معايير موضوعية لتولي المناصب
الإدارية، قابلة للمراقبة والمعايرة، وان يتم
اختيار الأشخاص الإداريين للمناصب العليا والهامة
على أساس تنافسي، واعتماد نظام الترقي الإداري.
فبدون إدارة كفؤة، لا تستقيم العلاقات الإدارية،
وبالتالي يفقد المناخ الاستثماري أهم عامل من
عوامل جاذبيته.
إن خلق المناخ الاستثماري الجاذب شرط مسبق
للاستثمار. وما حصل بعد نحو اربعة عقود من النهج
التنموي المتبع، ان حصلت سوريا على التصنيف «د»
وهو أسوأ تصنيف من حيث مخاطر الاستثمار الإدارية
والهيكلية والسياسية، ولذلك فإن سوريا مستبعدة من
خريطة معظم الشركات العالمية، وقد احتلت المرتبة
13 من أصل 16 دولة عربية، استنادا إلى مؤشرات
مخاطر الاستثمار. وحسب مؤسسة فريس الكندية فقد
صنفت سوريا في المرتبة 103 من بين 123 دولة
استنادا إلى مؤشر الحرية الاقتصادية، اما مؤسسة
هيريتج الأميركية فقد وضعتها في المرتبة 139 من
أصل 155 دولة استنادا إلى المؤشر المذكور.
5 ـ يحلم السوريون بالحرية، لأنه من دون الحرية لا
يستطيعون تحمل المسؤولية، ولا يستطيعون الدفاع عن
مصالحهم، ولا يستطيعون بالتالي العمل بصورة خلاقة
ومبدعة.
لقد احتلت سوريا استنادا إلى مؤشرات: الحرية،
والانتخابات الحرة، وحرية الصحافة، والحريات
المدنية، والتغيير الحكومي، والشفافية في القوانين
والسياسات، وهي مؤشرات تجتمع عادة في مؤشر مركب
يدعى بـ«الصوت وتحمل المسؤولية« (Voice and
Accountability) في قائمة مؤشرات الحكم الرشيد
(الحوكمة) أخر مرتبة بين الدول العربية وحصلت على
الدرجة -72,,1 وشغلت الموقع الأخير (7) في سلم
قياس الحريات السياسية، وجاء ترتيبها الـ13 من بين
17 دولة عربية في ما يتعلق بحرية الصحافة، وحازت
على الدرجة 80 على سلم قياس حرية الصحافة المكون
من 100 درجة والمعتمد من قبل الأمم المتحدة، والذي
يعني عمليا ان سوريا تقع في مجال انعدام الحرية
الصحفية (أي بين 61ـ100)، وجاء ترتيبها 12 بين 17
دولة عربية في ما يتعلق بمؤشر الحريات المدنية.
لقد أصبح العالم قرية صغيرة، وبالتالي، فإن
العالم، بدوائره وأوساطه الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية والإنسانية، يراقب ما يجري في سورية،
من خلال الاعلام الجماهيري، ومنظمات حقوق الانسان،
والمراسلين، ومراقبة وتحليل ما يصدر عن النظام
نفسه من ممارسات فعلية، يدرك جيدا ان سوريا متخلفة
كثيرا في هذا الجانب، مما يؤثر على سمعة سورية
السياسية والاجتماعية، وعلى سمعتها الاستثمارية،
مما يدفع رؤوس الأموال السورية المهاجرة والعربية
والأجنبية للابتعاد عن سوريا، بل هروب رؤوس
الأموال الوطنية ذاتها.
يحاول اعلام السلطة تسويق مقولة ان سوريا تتميز
باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية فيها، غير ان
رؤية الكثير من الدوائر الدولية، وخصوصا دوائر
الاستثمار، وحقوق الانسان مختلفة كثيرا عن ذلك،
فهناك قلق متزايد من مشاهد الاحتقان السياسي
والمدني والأمني في سوريا، لدى هذه الدوائر، وكذلك
لدى المواطنين السوريين، يتجلى ذلك في الخوف
المتزايد لدى المواطنين، سواء من السلطة وأجهزتها،
او من المخاطر المحدقة بسوريا من جراء التدخلات
الخارجية، وتنامي ظاهرة التطرف الديني..الخ.
ويردون على كل ذلك بكثير من السلبية، او بالهروب
إلى التدين وطقوسه، أو بانعاش الأطر ما قبل
الوطنية من عشائرية وطائفية وحتى عائلية، في توهم
مسعى للحماية. إنه زمن دور العبادة، والمزارات،
والدروشات، والأساطير والخرافات، والهروب من
الحاضر إلى الماضي... بحثا عن عزاء، وطلبا للأمان،
وهم في حالهم هذه كالنعامة تدرأ الخطر عنها بطمر
رأسها في الرمال.
6 ـ يحلم السوريون بإعادة بناء الحياة السياسية
والمدنية في البلاد، بحيث يكون للمجتمع السياسي
مجاله وللمجتمع المدني مجاله، ومن خلال ذلك يتكامل
عمل المجالين في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.
وفي هذا المجال لا بد أولا من الشروع بتعديل
الدستور بما يراعي مبادئ الديموقراطية وحقوق
الانسان، وفصل السلطات عن بعضها، مع المحافظة
الصارمة على استقلالها في عملها.
ولا بد ثانيا من استصدار القوانين الناظمة لعمل
المجالين او تعديل الموجود منها، في ضوء مبادئ
الديموقراطية وحقوق الانسان أيضا، فهي المعيار
للحوكمة الرشيدة، بحيث يكون في سوريا قانون عصري
للأحزاب، وآخر للنقابات، وثالث للمنظمات الأهلية
والمدنية وغير الحكومية، ورابع للاعلام
والنشر..الخ.
ولا بد أيضا من فصل حزب البعث الحاكم عن الدولة
ومؤسساتها وأجهزتها، صونا للدولة، وإعادة إحياء
لحزب البعث ذاته، من خلال رد الروح الحزبية
والمدنية إليه، وتخليصه من الفاسدين والمفسدين.
بتحقبق أحلام السوريين تتطور بلدهم وتزداد منعة،
ويهابها المتآمرون والطامعون، فهل تستجيب السلطة
لهذه الأحلام، إن السوريين يستحقونها بجدارة.
([) كاتب سوري